-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

شهادة من الجيل الأخير من الطّلبة في حقّ الدّكتور أبو القاسم سعد الله رحمه الله

الشروق أونلاين
  • 5147
  • 1
شهادة من الجيل الأخير من الطّلبة في حقّ الدّكتور أبو القاسم سعد الله رحمه الله

لأوّل مرّة منذ أن دخلتُ الجامعة أشعر باليأس والإحباط.. لأوّل مرّة منذ ثمان سنوات مرّت على تحصيلي العلمي أشعر أنّ المسؤوليّة المناطة بجيلنا كبيرة وعظيمة، وأنّ الـحِمْلَ ثقيل.. ثقيل ثقل الجبال، رغم أنّي بذلت قصار جهدي لحدّ الآن في سبيل البحث العلمي وبكل أمانة، فقد أدركت بعد رحيل أستاذنا الفاضل الدّكتور أبو القاسم سعد الله رحمه الله تعالى، أنّ جيلنا نحن من سيكون سعد الله آخر، أنّنا نحن من سيحمل راية العلم ويكافح من أجله بنفس المنهج، ونفس الإصرار، ونفس الأمانة العلميّة.. أنّنا نحن من سيحمل تلك الأخلاق العلميّة السّامية.. أنّنا نحن من سيكافح من أجل إعلاء كلمة الدّين الإسلامي والعروبة والوطن. فهل نستطيع أن نكون بمثل ربع تلك القامة العلميّة الّتي فقدناها؟

رحل عنّا ذلك الرّجل الّذي عرفناه اسما وقلما، قبل أن نعرفه شخصا، ذلك العالم الجليل الّذي علّم من علّمنا من أساتذتنا الأفاضل، وزرع فيهم القيم والأخلاق السّامية، الّتي زرعوها هم بدورهم فينا.. فقد كان الفضل في معرفتي للدّكتور سعد الله رحمه الله في السّنة الأولى ليسانس، للأستاذ محمّد العربي معريش في تطبيق وحدة تاريخ الجزائر، ولطالما كان لسانه ينهج بذكر هذا الاسم الكبير، فعَلَّمَنَا منهج البحث العلمي على طريقة أستاذه، ولم يكتف الأستاذ معريش بالحديث لنا عن أستاذه وتوجيهنا إلى الاطّلاع على كتبه، بل برمج لنا لقاء معه. لكنّ ولسوء حضّي فقد حضر الدّكتور سعد الله حصّة الفوج الآخر، وعندما جاء دور فوجنا غادر لأنّ وقته لم يسمح له بالبقاء أكثر، فلم أره في ذلك اليوم إلا وهو يغادر، وتبعته بنظراتي إلى أن خرج من الرّواق. تلك كانت أوّل مرّة أراه فيها.

وفي السّنة الموالية حظيت بمشاهدته مرّة أخرى، إذ احتاجت أختي _ وكانت وقتها تحضّر مذكرة ماجستير في الأدب العربي عن شخصيّة علميّة و أدبيّة جزائرية في العهد العثماني- إلى استشارته رحمه الله، فجاءت و التقت به و تحاورت معه، كنتُ أنا مثل المتفرّجة على حوارهما، مع شعوري بالـخجل كوني أقف أمام عالم جليل مثل الدّكتور سعد الله. وإذا كنتُ في مرحلة الليسانس لم أحض بفرصة للحديث المباشر معه، وما ذلك إلاّ بسبب خجلي وحيائي من عالم مثله، أو لأنّي لم أكن أملك الجرأة التي اكتسبتها في مرحلة الماجستير ( فيما بعد)، إلاّ أنّ ذكره لم يغب، فأغلب الأساتذة كانوا يوجّهوننا إلى استعمال كتبه في بحوثنا ويتحدّثون لنا عنه، مثل الأستاذ مصطفى نويصر، والأستاذ عمّار بن خروف، والأستاذة عائشة غطّاس رحمها الله.

وبعد تخرّجي، شاركت في مسابقة الماجستير وكنتُ من النّاجحين والحمد لله، وهنا بدأت مرحلة جديدة في حياتي، مرحلة مكّنتني من الاحتكاك المباشر بالدّكتور سعد الله، فعرفته عن قرب، وكنت إحدى طالباته، وكان وقتها يدّرس وحدة “العلاقات الثقافية بين الشرق والغرب في الفترة الحديثة”، ولم أكن أنا أنتمي لنفس التّخصّص الّذي يدرّس فيه، لكنّ نفسي كانت تتوق للدّراسة عنده، فقصدته ذات مرّة وكان يدرّس يوم الأربعاء من الثّامنة والنّصف صباحا إلى العاشرة، انتظرت إلى أن جاء وقبل أن يدخل الحصّة تحدّثت معه، طلبتُ منه أن يسمح لي بحضور حصّته طوال تلك السّنة _ السّنة الدّراسيّة 2009/ 2010م- وكم كانت فرحتي كبيرة عندما كانت إجابته “نعم”. ومن ذلك اليوم أصبحت أحرص على الحضور كل أربعاء من كلّ أسبوع، وخصّصتُ للوحدة كرّاسا أنيقا لأكتب فيه كلّما يقوله الدّكتور سعد الله في حصّته.

لم يشعرني الدّكتور سعد الله أبدا أنّي لا أنتمي إلى تلك المجموعة، بل كنتُ في نظره فردا من أفرادها، و ها أنا ذي الآن أردّ بعضا من جميله عليّ إذ أنقل كلمة صدق في حقّه رحمه الله، وبكلّ إخلاص، ولا أبغي في ذلك إلاّ وجه الله تعالى، فأنا لا أهدف إلى الشّهرة والتّسلّق من خلال اسمه فهذه الشّهادة سيسألني الله عزّ وجلّ عنها يوم القيامة، إن لم أتحرّى فيها نقل الحقائق وبكلّ عفويّة.

 

منهج الدّكتور سعد الله في إلقاء درسه:

يعتمد منهج الدّكتور سعد الله في الأساس على التّحاور، وأن يجعل كلّ طّالب شاء أم أبى فعّالا في كلّ حصّة، وهو يقوم على طرح الإشكاليّة وإعطاء آرائه ومعلوماته حولها، مع السّماح للطّلبة بالمشاركة، فيحاورهم ويناقشهم، ويحاول إقناعهم بآرائه، ويقتنع بآرائهم إن كانت صائبة، فقد كان يسود الدّرس جو من المناقشة العلميّة الرّاقية بينه وبين الطّلبة، وهو في كلّ هذا يحاول أن يخرج ما في فكرهم من عصارة علميّة، وهو في منهجه هذا يختلف عن منهج بعض الأساتذة القائم إمّا على الشرح دون السّماح بإدلاء الآراء، أو القائم على الإملاء، مع العلم أنّ هذا الأخير يقتل الفكر ويحجّره، فتجد الطّالب يوم الامتحان يرجع للأستاذ بضاعته كما هي وعندما يتخرّج تتلاشى تلك البضاعة ولا يبقى منها إلاّ السّراب.

كان الدّكتور سعد الله في كلّ حصّة تقريبا يحضر معه مجموعة من المصادر والمراجع الّتي تدخل في صميم موضوع الحصّة، فيمرّرها علينا ويحدّثنا عنها وعن قيمتها العلميّة، ولا يخطر ببال أحد أنّ تلك الكتب كانت من إنتاجه لا والله، فما كان منها من هذه المراجع التي كان يحضرها معه يمثّل فقط خمسة بالمائة، إذ لم يكن من النّوع الّذي يتباهى بما قام به من أعمال، رغم أنّ مؤلّفاته كانت بالنّسبة لنا أشهر من نار على علم.

ومن جهة أخرى كان يحبّ أن يجعل من الطّالب يبحث ويبحث ويبحث، فكان يطلب من الطّلبة القيام ببحث أساسي للوحدة، كما يكلّفهم في كلّ حصّة بالقيام بأبحاث صغيرة، كالبحث عن هذه الشّخصيّة أو تلك، والبحث في هذا المصدر أو ذاك، وفي آخر السّنة بلغ عدد هذه البحوث الصّغيرة لكلّ طالب أكثر من عشرين، وكان يسأل باستمرار عن تقدّمهم في البحوث، وعن المصادر والمراجع الّتي تحصّلوا عليها، ويوجّههم إلى أخرى قد تفيدهم، وبين الفينة والأخرى كان يتيح الفرصة لأحد الطّلبة لعرض بحثه، ويرغّب زملائه في مشاركته بأفكارهم وآرائهم، ومناقشته مناقشة علميّة، بالإضافة إلى إثرائه هو رحمه الله لموضوع الطّالب بمعلوماته القيّمة والكثيرة.

لطالما حدّثنا عن أبي راس النّاصري، والورثيلاني، والتامقروطي، والـمُحِبـِّي، وابن القاضي، والـمقَّري. هذا الأخير الّذي كان معجبا كثيرا به، وكان له منهجه ورأيه الخاص في نطق اسمه، فالكثير من الباحثين يقولون: “الـمَقَرِي”، أو “الـمَقَرِّي” إمّا بفتح الميم والقاف، وكسر الراء دون تشديدها، أو بكسر الرّاء وتشديدها، لكنّ الدّكتور سعد الله كان يقول لنا “الـمَقَّرِي” بفتح الميم، وفتح القاف وتشديدها، ويقول لنا أنّ اسمه نسبة إلى بلدة مَقَّرَه.

حدّثنا مرّة عن مظاهر التّأثير العثماني في المجتمع الجزائري، وطلب منّا أن نقدّم له نماذج عن ذلك التّأثُّر، فراح كلّ طالب يدلي دلوه. فأعطيناه أمثلة مثل: في الألبسة، وفي العمارة، وفي الفنون، وغيرها من الأمثلة، وإذا بهاتفه يرنّ _ وكان ذلك ناذرا في الحصّة- فبدأ يبتسم وقال لنا: “ما هذا؟” وكان يقصد رنّة الهاتف، وهي رنّة تركيّة هادئة، وبهذا أوحى لنا أنّ من هذه المظاهر، التّأثّير في الموسيقى. كما أشار في نفس الموضوع إلى مسألة ألقاب بعض العائلات الجزائريّة، وخاصّة من العاصمة التي لا تزال لحدّ الآن تفتخر بنسبها الممتدّ إلى الأتراك، وإذا به يوجّه الكلام لي، ويقول مثل عائلتك أنتِ، من دون أن أخبره أنا أنّ أصولي تركيّة، إذ أنّه رحمه الله كان خبيرا بمثل هذه الألقاب.

 

منهجه في التّعامل مع طلبته:

كان رحمه الله متواضعا بكلّ معنى الكلمة، يتعامل مع الطّلبة كأنّهم أبنائه، يستمع لانشغالاتهم، ويهتمّ بآرائهم، يساعدهم ويوجّههم كلّما طلبوا ذلك، وهو في تعامله هذا لا يفرّق بين الطّالب الّذي سبق وأن درّسه، أو الطّالب الّذي لم يره من قبل، بل يعاملهم على السّواء، وكنت أنا في السّنة النّظريّة من الماجستير، بل ومن السّنة النّهائية في الليسانس أحلم أن أقوم بتحقيق مخطوط في مذكرة الماجستير، فسعيت في خلال تلك السّنة النظرية إلى الاستفسار من الأساتذة عن منهج التحقيق وأن يقترحوا عليّ نماذج من المخطوطات لأقوم بتحقيقها، ولطالما استشرته في هذا الموضوع، فكان يثني على رغبتي هذه ويشجّعني رحمه الله، حتّى أنّه في إحدى الحصص كنّا نتحدّث عن موضوع ما، ثمّ طلب منّا أمثلة، فبادرت أنا إلى الحديث عن المخطوطات، ضحك رحمه الله كيف أنّي لا يخرج حديثي عن مجال التّحقيق والمخطوطات، وكيف أنّي كنت مهووسة بهذا المجال، والحمد لله فقد وفّقني الله لتحقيق قسم من مخطوط “الجامع الكبير” للشّيخ عبد الرّحمن الثّعالبي، وناقشت مذكرتي في شهر فيفري 2013م، وكنت في خلال بحثي هذا لـمّا استشرته، أفادني رحمه بمعلومات قيّمة، سواء عن الثّعالبي، أو عن أماكن تواجد مخطوطات أو مصادر قد تفيدني، وكانت فرحتي كبيرة عندما أريته مذّكرتي و أبدى إعجابه بما قمتُ به من عمل، وهذه شهادة أعتزّ بـها.

كان أساتذة القسم _ الّذين كان أغلبهم من طلبة الدّكتور سعد الله- عندما يرونه يتزاحمون من أجل إلقاء التّحيّة عليه، والاستفادة من علمه، وهم في ذلك الموقف كنتُ أرى فيهم مثل الأبناء البررة الّذين اجتمعوا على والدهم الحنون لكي ينالوا بركته ورضاه، وهو رحمه الله كان يعطي كلّ ذي حقّ حقّه ولا يبخل بأي معلومة مهما كانت صغيرة.

لكن الشيء الّذي يحزّ في نفسي أنّني فقدت في كلّ مرّة عالما كبيرا وأنا في أمسّ الحاجة إلى استشارته، وحدث معي هذا مرّتين، ففي مرحلة الماجستير أردت استشارة الشيخ عبد الرّحمن الجيلالي في موضوعي، لكنّ الموت سبقني إليه، والآن وأنا مقبلة على مرحلة الدّكتوراه رغبت في استشارة الدّكتور سعد الله، فقيل لي أنّه مريض، فاستغنيت عن الاستشارة، بل أجلتها في سبيل راحته وسلامته، وإذا بخبر وفاته يصعقني كما صعق الجميع.

وبالرّغم من مرور أكثر من خمسة عشر يوما على رحيله عن هذه الدّنيا الفانية، إلاّ أنّني لا أزال غير مستوعبة لرحيله، أهو حقيقة أم أنّه كابوس مزعج أستيقظ منه فأجده حيّا يرزق، لازلت أبكيه كلّما رأيت صورة له، أو قرأت عنه مقالة في الجريدة، اعتدت في كلّ سنة أن أرى اسمه في جدول توقيت الـماجستير في قسم التاريخ بجامعة الجزائر2، لكن هذه السّنة تألّمت كثيرا وأحسست بفراغ كبير لـمّا لم أجد اسمه (حينها كان مريضا)، كانت كلّ دعواتي له بالشّفاء، لكنّ “فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُم لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ” ( الأعراف، الآية 34).

 

حديثه عن سيرته و إنجازاته:

لم يكن الدّكتور سعد الله رحمه الله، من النّوع الّذي يجعل الحصّة مجالا لعرض سيرته الذّاتيّة، أو تمجيد إنجازاته، بل كان جلّ اهتمامه هو أن يكون درسه مليئا بالمعلومات القيّمة، وإنّ عدد المرّات الّتي حدّثنا فيها عن نفسه تعدّ على الأصابع، وهي في الغالب الأعم تأتي عفويّة عند حديثه عن موضوع ما تطلّب منه أن يقدّم لنا نموذجا عن حياته. وبالرّغم من ذلك فقد دوّنت في كرّاسي وبكلّ دقّة بعض المعلومات التي أفادنا بها عن مسيرته العلميّة، وبعض المواقف في حياته وبالفعل فقد كنّا محضوضين كونه رحمه الله حدّثنا بنفسه عنها.

أخبرنا كيف كانت رحلته للدّراسة في أمريكا، وكيف أنّه سافر بجواز سفر تونسي، كونهم كانوا في ذلك الوقت لا يعترفون بجواز السفر الجزائري، وكيف أنّه كان من المفروض أن يدرس اللّغة لمدّة سنة كاملة، قبل أن يتوجّه للدّراسة في إطار التّخصّص الّذي اختاره، ثمّ كيف استعجل في طلبه للدّراسة في الجامعة قبل إنهائه دراسة اللّغة، حدّثنا أيضا عن بعض مؤلفاته مثل كتابه “مسيرة قلم” الّذي دوّن فيه سيرته الذّاتية ومواقفه فيه، وحدّثنا عن موقفه من الانخراط في السياسة أو تولّي المسؤوليّات، وكيف أنّه كان يفرّ منها لدرجة أنّه في إحدى المرّات اختبأ أربعة أو خمسة أيّام في إحدى الولايات، عندما طلب منه تولّي منصب ما.

كما برز لنا تواضعه الكبير من خلال إعرابه عن امتعاضه لكون إحدى الجامعات الوطنيّة قامت بتكريـمه، إذ قال لنا ما مفاده أنّه لا يعتبر تقديـم برنوس له تكريـما، بل تكريمه الحقيقي هو بإقامة ندوات علميّة وفكريّة، فقد كان رحمه الله يحبّ أن نكون نبّائين و فعّالين في المجتمع، لا أن نكتفي بالشّعارات البرّاقة.

 

مكانة الدّكتور سعد الله العلميّة:

لم يكن الدّكتور سعد الله رحمه الله رجلا عاديّا، بل كان كما قيل عنه شيخ المؤرّخين، ومؤسّس المدرسة التّاريخيّة، أديبا وناقدا، كان عالما موسوعيّا.. بل عالما من زمرة الكبار، كما جمع مع علمه سمتا حسنا، ونبلا كبيرا، أخلاقا عالية، وإنسانيّة راقية.. وإذا أردنا أن نشبّهه بغيره من العلماء فإنّنا نجده قد جمع بين شخصيات عديدة فهو ابن خلدون هذا الزّمان من ناحية كونه كان مجدّدا في زمن الرّكود الفكري، لكنّ الفرق بينه وبين عبد الرّحمن بن خلدون، أنّ السّياسة أغرت هذا الأخير فجرى وراءها حتّى كادت توصله إلى الهلاك، فيما راح أخوه يحيى ضحيّة من ضحاياها، أمّا الدّكتور سعد الله فقد هرب منها بكلّ ما أوتي من قوّة في الوقت الّذي كانت هي تفتح له أبوابها.

إنّ الدّكتور سعد الله شبيه بالعالم الجليل أبـي عبد الله محمد الشّريف التلمساني، في كونه كان محبّا لوطنه رغم الحظوة التي نالها عند السّلطان المريني أبي عنان الذي جلبه معه من تلمسان إلى فاس، ولأنّه آثر العودة إلى بلده على البقاء بفاس، كما يكمن الشبه بينهما في كون كلاهما كان عالـما موسوعيّا تجده في مختلف العلوم والمعارف، وكلاهما كان شغله الشّاغل هو التّدريس وتكوين الطّلبة فخرج على يدي الشريف التلمساني عبد الرّحمن وأخوه يحيى ابن خلدون، وابن قنفذ القسنطيني، والإمام الشّاطبي وابن عتاب.

وتخرّج على يدي الدّكتور سعد الله جملة من الأساتذة الّذين حملوا نفس أهدافه وقيمه، لكنّ الفرق بينهما أنّ الشريف التلمساني انشغل بالتّدريس وتكوين الطّلبة عن التّأليف فلم يخلّف إلاّ القليل، أمّا الدّكتور الدكتور سعد الله، فقد كان منشغلا بالتّدريس والتّأليف معا. وقد قال السلطان أبو عنان المريني في الشريف التلمساني مقوله كأنّي به يقولها عن الدّكتور سعد الله، إذ قال: “لكأني أرى العلم يخرج من منابت شعره”.

إنّ شهرة الدّكتور سعد الله بين طلاّب العلم شبيهة بشهرة العالمين الجليلين أبي عبد الله محمّد ابن مرزوق الخطيب (الجدّ)، وأبي عبد الله محمد ابن مرزوق الحفيد، الّذين وصلت شهرتهما العلميّة حدّا جعل الطّلبة تقصدونهما من كلّ حدب وصوب، وجعلتهم يتغنّون بخصالهما الحميدة ويصفونهما بأرقى الصّفات، كما أنّهما كانا غزيري التّأليف مثله رحمه الله.

أمّا عن ابتعاده عن السّياسة وعن المناصب، فإنّي أرى فيه العلاّمة أبا زيد عبد الرّحمن الثّعالبي، الّذي لم تغره السلطة في حياته، زاهدا فيها إلى حدّ بعيد، منشغلا بالتّدريس والتّأليف وتنوير عقول النّاس، بل ونجده من خلال الرّسالة التي اكتشفها الدّكتور سعد الله وقام بنشرها يحرّض على الجهاد والوقوف ضدّ الأعداء، وقد قال عنه الدّكتور سعد الله رحمه الله: “..إنّ الثعالبي قبل هذه الرسالة كان في نظرنا رجلا سلبيا متفرجا على الأحداث التي كانت تجري في عصره، أما بعد هذه الرسالة فقد أصبح في نظرنا رجلا إيجابيا داعية خير وجهاد، عمليا في أفكاره وتصرّفاته..”. ومثلما انتشرت واشتهرت كتب الثّعالبي في حياته كما قال أحد تلامذته: “..وأنّ في شيخنا هذا وتواليفه لسرّا بديعا و أمرا رفيعا، و لقد ظهرت تواليفه في حياته وسارت بها الرّكبان في الآفاق مع وجوده.. وربّما يكون في أثناء بعض تصانيفه والنّاس يختطفونه من يده ويتبعونه بالنّسخ، حتّى ربّما أدركه النّسخ قبل أن يستكمل الكرّاس فينتظرونه..”، فقد انتشرت كتب الدّكتور أبو القاسم سعد الله في حياته على اختلاف مواضيعها وأسمائها.

إنّ الدّكتور سعد الله شبيه بالعالم التّلمساني الشّهير الّذي لطالما أبدى إعجابه به وبإنتاجه العلمي، أبي العبّاس أحمد بن محمّد الـمَقَّري.. شبيه به في حلّه وترحاله في مختلف الأماكن لتلقّي العلم، وهو من حدّثنا مرّة عن فوائد السّفر إذ قال: “سافر فإنّ في الأسفار خمس فوائد، تفرّج همّ، واكتساب معيشة، وعلم، وآداب، وصحبة ماجد”. ومثلما أبدع الـمقَّري في موسوعته “نفح الطّيب في غصن الأندلس الرّطيب”، أبدع الدّكتور سعد الله في موسوعته “تاريخ الجزائر الثّقافي”، وفي غيرها.

وفي مجال اهتمامه بالتّراث الجزائري وبحماية المخطوطات من الضّياع والقيام بتحقيقها لتكون في متناول طلبة العلم، فإنّي أرى فيه محمّد ابن أبي شنب هذا العصر، فلكليهما مساهمات جبّارة في نفض الغبار عن عدد من المخطوطات القيّمة وتقديمها للباحثين.

أفنى الدّكتور سعد الله حياته في الدّفاع عن مبادئه.. وفي خدمة وطنه، كما كتب هو بقلمه في النّسخة الّتي اشترتها عائلتي من كتابه “أبحاث وآراء في تاريخ الجزائر” وطلبتُ منه أن يشرّفني ويكتب لي فيها بقلمه، فكتب ما نصّه: “يشرّفني أن أهدي هذا الكتاب إلى عائلة صاري المحترمة، وهو ثمرة من ثمرات جهدي العلمي في خدمة الوطن، فتح الله على الجميع سعد الله 3 فبراير 2010”.

بهذه الخصال الحميدة عرف الجميع الدّكتور أبو القاسم سعد الله، وأحبّوه حتّى النّخاع مثلما أحبّ هو وطنه، وسخّر قلمه لأجله، متمسّكا بمبادئه.. رأوا فيه الأستاذ والعالم الجليل، والإنسان المتواضع.. ومن يتواضع للعلم يرفعه الله تعالى درجات.. وأختم بقول الله تعالى:

” يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ”

(المجادلة، الآية 11).

رحم الله الدّكتور سعد الله وأسكنه فسيح جنّاته

اللّهمّ اجعل كل الطّلبة الّذين درّسهم الدّكتور سعد الله في ميزان حسناته

اللّهمّ اجعل كلّ ما قام به من تآليف وما قدّمه من علم صدقة جارية ينتفع بها يا ربّ العالمين

اللّهمّ اجمعنا به في جنّتك كما جمعتنا به في هذه الدّنيا


 

(*) طالبة جامعة الجزائر -2-

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • نفيسة

    بوركت على هذا المقال المميز , و إنني لأظن أن الفقيد الدكتور العلامة سعد الله لو قرأ ما كتبته طالبة من الجيل الأخير لديه لافتخر و اعتز بك و بأمثالك ....
    مع تمنياتي بالنجاح و التوفيق لك يا آنسة أمينة سليمة صاري