“صالح باي”.. الملاية و”حريم السلطان”
رفع المسرح الجهوي لقسنطينة أخيرا ستاره، وتزاحم عشاق الفن الرابع أمام أبوابه، واكتظت القاعة بضيوف تظاهرة قسنطينة عاصمة للثقافة العربية التي أصبحت حديث العام والخاص في مدينة الجسور المعلقة.
مازال المسرح في بلادنا حاله حال السينما، يحملان ما لا طاقة لهما به كلما تعلق الأمر بالتاريخ .. فراشدي قدم “مصطفى بن بولعيد” و“العقيد لطفي” و“كريم بلقاسم” من الطفولة إلى فترة الشباب، ثم مرحلة المقاومة… وكذلك فعل الطيب دهيمي في عرض “صالح باي“.
“السير الذاتية” التي تحتاج إلى كتب أو مسلسلات تضع المخرج الجزائري في الزاوية الحادة إبداعيا، وتضع المتلقي في زخم معرفي يشتت الانتباه.
حياة “صالح باي” الحافلة بالأحداث والتناقضات كما قدمها المؤرخون في عديد الكتب، كانت مختلفة عن حياة “صالح باي” التي قدمها المسرح بصريا.. كان كل فصل من فصول حياة هذا الباي العثماني مسرحية بحد ذاتها… طفولته وشبابه وحياته العاطفية وعلاقاته المصلحية وورطة تصدير الحبوب والأنعام لفرنسا وتآمر ابراهم وحسين عليه، ثم نهايته المأساوية التي قسمت الصف القسنطيني وقتها بين حزين ومبارك.
ما يحسب للطيب دهيمي هو شجاعته “الأدبية” في تقديم الحقائق التاريخية دون تزييف أو “تسييس“، فصالح باي كان إنسانا وليس قديسا .. وإضافة إلى زوجته ابنة الداي عثمان التي تزوجها في إطار مصلحي لضمان الولاء وكان له “حرملك” ولم ينه علاقته باميمة اليهودية وإنما شيد لها قصرا خاصا بالحريم.
و“صالح باي” لم يكن محبوب الجماهير في بايلك قسنطينة كما صوره كثيرون.. كان أعداؤه من العاصمة “الدزاير” إلى قسنطينة من مختلف الفئات الاجتماعية “رجال الدين والموسيقيون والفلاحون والعامة“. وحتى عندما تم إعدامه لم نسمع في مسرحية دهيمي لا بكاء ولا نحيبا مثلما قد تصوره لنا مخيلتنا المتخمتة بالأساطير. وحتى” يهود سيرتا “الذين ظلوا حتى وقت قريب طابو ممنوعا الخوض فيه... يهود سيرتا اعتلوا الخشبة وشكلوا جزءا مهما من يوميات سكان البايلك، وجزءا مهما من الموسيقى الأندلسية وجزءا مهما من حياة الدايات والبايات.
أسدل الستار على العرض وصفق الجمهور لكل الفريق الذي شارك في إنجازه، ورفع ستار آخر للأسئلة، حاصر الممثلون والإعلاميون مخرج العمل بأسئلة محرجة “لماذا صورت صالح باي دكتاتورا؟“، “الملاية وجدت حزنا عليه؟“، “ومن قال لك إنه كان كسليمان القانوني وله حريم وجوار؟“.. وغيرها من الأسئلة التي اختزلها دهيمي في إجابة واحدة: “أنا لا أقدم لغة الخشب، علينا أن نقدم أعمالا من التاريخ تدعونا إلى نقاش ثقافي، ولم لا إلى إعادة كتابة التاريخ الصحيح بعيدا عن أي تزييف أو تقديس“.
ربما كان المخرج محقا في استفزاز الذاكرة وأصاب برمي حجر في المياه الراكدة، ولكن هل يمكن لأي باحث أن يمحو أفكارا ترسخت في المجتمع عن عدد من الشخصيات التاريخية قديما وحديثا؟ وهل يمكن لأي باحث أن يخوض في حرمة تقديس أبطال الجزائر على مر العصور؟
الأسئلة كثيرة وجوابها عند سكان قسنطينة، إن “صالح باي” رمز من الرموز التي خدمت المدينة بإخلاص على مر عقدين من الزمن، أما الملاية أو حريم السلطان فهي مجرد تفاصيل.