صرامة في مكافحة الإجرام المالي ورسائل للمشككين
كان من الضروري بعد مرور أزيد من عقدين من الزمن على سن القانون رقم 05-01 المؤرخ في 27 ذي الحجة عام 1425 الموافق 6 فبراير سنة 2005 والمتعلق بالوقاية من تبييض الأموال وتمويل الإرهاب ومكافحتهما، أن تتجه الدولة لمراجعته بهدف تحيينه مع التغيرات التي يشهدها العالم، وكذا تطور أدوات الجريمة وتنوعها وتعددها، ودخولها عالم التكنولوجيا الرقمية المعقدة، ناهيك عن تعرية المبررات التي تحاول بعض الأطراف المعادية استغلالها لوصم المؤسسات المالية الجزائرية، بأوصاف هي منها براء، بسبب خلفيات لا يمكن لتلك الأطراف أن تخفيها مهما حاولت، والتي أخذت أشكالا وأبعادا مكشوفة منذ ما يقارب السنة.
وقد جاء هذا القانون ليضع الكثير من النقاط على الحروف ويسمح للدولة ومؤسساتها بالعمل بمزيد من الشفافية، التي تضع مستقبلا كل من يحاول استهداف الجزائر، أمام حرج كبير، لأن المسألة حينها ستتحول إلى عملية تصفية حسابات لا غبار عليها. كما لا يمكن إغفال الأهداف التي يسعى القانون المعدل لتحقيقها على المستوى الداخلي، من قبيل محاصرة المال المتسلل إلى الأسواق الموازية، والتي تبقى معضلة يتعين التخلص منها بسرعة لما تسببه من أضرار على الاقتصاد والعملة الوطنيين، عبر إشراك الموثقين والمؤسسات المالية في محاصرة الكتلة النقدية التي تتحرك خارج القنوات الرسمية.
أستاذ الاقتصاد وعضو لجنة المالية أحمد بلجيلالي لـ”الشروق”:
القانون الجديد يحاصر سوق العملة الموازية ويضبط تبادل المعلومات مع الخارج

يرى أستاذ الاقتصاد وعضو لجنة المالية والميزانية بالمجلس الشعبي الوطني، أحمد بلجيلالي، أن قرار الحكومة بمراجعة وتعديل وتتميم القانون رقم 05-01 المؤرخ في 27 ذي الحجة عام 1425 الموافق 6 فبراير سنة 2005 والمتعلق بالوقاية من تبييض الأموال وتمويل الإرهاب ومكافحتهما، “يندرج في إطار مواصلة الدولة تكييف تشريعنا الوطني مع الالتزامات الدولية لبلادنا، ولاسيما مع توصيات مجموعة العمل المالي (GAFI)، ومع تطور هذه الجريمة في ظل بروز تقنيات جديدة لتبييض الأموال، وهو الأمر الذي يقتضي التكييف المستمر للإطار القانوني المتعلق بالوقاية منها ومكافحتها”.
ويعود آخر تعديل لنص تشريعي ينظم عملية الوقاية من تبييض الأموال وتمويل الإرهاب ومكافحتهما، على أكثر من عشرين سنة، وهي مدة طويلة نسبيا عندما يتعلق الأمر بتحيين بعض التشريعات التي تمس قطاعا هاما وحساسا وهي الوقاية من جريمة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، وهي الظاهرة التي أخذت أشكالا متعددة، بعد ما تمكن الخارجون عن القانون من تطوير أدواتهم وآلياتهم في التخفي والهروب من سلطة القانون، ولذلك جاء التعديل الأخير – يقول أستاذ الاقتصاد – ليراجع تعريف بعض المصطلحات المنصوص عليها في القانون، وتحيينها مع متطلبات ومقتضيات الظرف.
ويؤكد النائب عضو لجنة المالية والميزانية، أن التعديلات التي جاء بها المشروع القانوني الذي صادقت عليه غرفتا البرلمان، “تعزيز الأحكام المتعلقة بالوقاية من تبييض الأموال وتمويل الإرهاب وتمويل انتشار الأسلحة”، في عالم يندفع بقوة نحو النزاعات والحروب، وتغول الجريمة المالية التي تعتمد على الوسائل التكنولوجية جد متطورة، والتي تعجز عن مراقبتها وضبطها حتى الدول والحكومات.
كما يساهم القانون الجديد بعد المراجعة، في “تحديد واتخاذ إجراءات معقولة للتأكد من هوية المستفيدين الحقيقيين من زبائنهم من الأشخاص المعنويين والترتيبات القانونية، وكذا اتخاذ جميع الإجراءات المعقولة التي تمكن من تحديد أصل الأموال ومصدر الثروة، والحرص على ضمان مراقبة معززة ومستمرة لعلاقة الأعمال وتطبيق التدابير المتعلقة بحظر نشاط الأشخاص والكيانات الإرهابية المسجلين في القائمة الوطنية للأشخاص والكيانات الإرهابية، وإجراءات تجميد و / أو حجز أموالهم ومنع التعامل معهم”، فضلا عن “تدعيم مهام سلطات الضبط و/ أو الرقابة و/أو الإشراف بتمكينها من سن أنظمة وتعليمات تطبيقية وخطوط توجيهية في مجال الوقاية من تبييض الأموال وتمويل الإرهاب وتمويل انتشار الأسلحة..”.
وبخصوص الضوابط الجديدة على الجمعيات والمنظمات غير الربحية لتفادي استغلالها في تمويل الإرهاب، يشير أستاذ الاقتصاد أن القانون المعدل، يخضع أي منظمة غير هادفة للربح (على غرار المنظمات والهيئات الخيرية)، التي تقوم بجمع الأموال أو استلامها أو منحها أو تحويلها في إطار نشاطها للمراقبة المناسبة، من قبل سلطة الضبط وهي الهيئة التي تتولى إجراء تقييم مخاطر تمويل الإرهاب وتمويل انتشار أسلحة الدمار الشامل المرتبطة بالمنظمات غير الهادفة للربح.
ويوفر القانون المعدل أيضا فضاء يضمن أيضا تقييم وتحيين مخاطر تمويل الإرهاب وتمويل انتشار أسلحة، بانتظام وجمع المعلومات والبيانات والإحصائيات المتعلقة بالمنظمات غير الهادفة للربح، يقول الدكتور أحمد بلجيلالي. كما يشترط القانون على المنظمات غير الهادفة للربح، الامتناع عن قبول أي تبرعات أو مساعدات مالية مجهولة المصدر أو متأتية من أعمال غير مشروعة.
ومعلوم أن الخزانة الأمريكية كانت قد فرضت عقوبات على “جمعية البركة” الجزائرية للعمل الخيري والإنساني، وذلك بعد ما اتهمتها ظلما وزورا، بتحويل أموال مخصصة للمساعدات إلى دعم المقاومة الفلسطينية ضد الكيان الصهيوني الغاصب وعلى رأسها حركة “حماس”، وقد أجمع من يتابع نشاط هذه الجمعية على أن الاستهداف الأمريكي لنشاطها ومساعداتها لسكان قطاع غزة المحاضرين، إنما جاء انتقاما منها بتحريض من الكيان الصهيوني، بسبب جرأتها وقوتها في إيصال المساعدات لمحتاجيها من الفلسطينيين العزل، الذين يتعرضون لأبشع حرب إبادة في القرن الواحد والعشرين، ما يعني أن مراجعة القانون المتعلق بالوقاية من تبييض الأموال وتمويل الإرهاب ومكافحتهما، سيعرّي عقوبات الخزانة الأمريكية ضد “جمعية البركة” وسيضع واشنطن في حرج أمام الرأي العام الدولي بسبب الاستهداف غير المبرر لهذه الجمعية في حال الاستمرار في تصنيفها السابق.
أما على الصعيد الداخلي، فيرى عضو لجنة المالية والميزانية، أن القانون المعدل، سيسمح بـ”مراقبة السوق الموازية للنقد الأجنبي قانونيا”، والإشارة هنا إلى سوق بور سعيد بالعاصمة، التي “تعمل خارج القانون كلية في أصلها وإن كان مضمون القانون هذا يعنى بتتبع مصادر الأموال المشبوهة، وهو بذلك يجعل هذه السوق تحت أجهزة الرصد، ليبقى الإشكال مع معالجة هذه السوق، وذلك من خلال استهداف المسببات القائمة على وجود فارق شاسع في سعر العملة الأجنبية لدى البنوك التجارية وبين الأسعار المتداولة في هذه السوق غير الرسمية مع غياب مكاتب الصرف”.
وأشار أحمد بلجيلالي هنا، إلى أنه تم استحداث المادة 6 مكرر في القانون المعدل لتنص على منع إصدار الأصول الافتراضية أو شرائها أو بيعها أو استعمالها أو حيازتها أو الاتجار فيها أو الترويج لها أو إنشاء أو تشغيل منصات لتداولها، وهي الأصول التي تعد ممتلكات أو عائدات أو أموال أو أي قيمة معادلة أخرى، كوسيلة دفع أو الاعتراف بها كعملة أو كوسيلة استثمار، حيث يشمل المنع أيضا، الأنشطة المتعلقة بتعدين العملات الافتراضية.
وبالنسبة لمسألة تبادل المعلومات، فقد نظمتها المادة 27، والتي أشارت إلى أنه وفي إطار مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب وتمويل انتشار أسلحة الدمار الشامل، يجب على السلطات المختصة، بشكل تلقائي أو عند الطلب وعلى نحو سريع، وفقا للاتفاقيات الثنائية والاتفاقيات متعددة الأطراف والالتزامات الدولية للجزائر، التعاون وتبادل المعلومات مع الجهات النظيرة بالخارج، بشرط أن تكون هذه الجهات خاضعة للسر المهني بنفس الضمانات المحددة في الجزائر، ومراعاة المعاملة بالمثل والمبادئ الأساسية للنظام القانوني في الجزائر.
نائب رئيس لجنة الشؤون القانونية والحريات بالغرفة السلفى، زكية بوقطوشة لـ”الشروق”:
آليات جديدة للخروج من قائمة “غافي” وعلينا حماية العمل الجمعوي

كشفت نائب رئيس لجنة الشؤون القانونية والحريات بالمجلس الشعبي الوطني زكية بوقطوشة، أن مراجعة قانون مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب تأتي في سياق استجابة الجزائر لالتزاماتها الدولية، خاصة تجاه مجموعة العمل المالي “غافي”. وأكدت أن هذا التعديل يُعد خطوة لتعزيز أدوات الدولة في مواجهة الجرائم المالية المعقدة، لاسيما مع تطور الوسائل الرقمية وتحولات الاقتصاد العالمي. وأوضحت بوقطوشة أن القانون الجديد يتضمن تعزيز صلاحيات اللجنة الوطنية المكلفة بالمعاملات المالية، وتوسيع تعريف بعض الجرائم المالية لتشمل الأشكال الحديثة منها.
ما هي الدوافع الحقيقية، في رأيكم، وراء تعديل قانون الوقاية من تبييض الأموال ومكافحته؟ وهل يعكس هذا التعديل إرادة إصلاح داخلي أم هو رد فعل على ضغوط خارجية؟
الواقع أن دوافع تعديل القانون 01/05 لا تنفصل عن السياق الدولي الراهن، خصوصا ما يتعلق بتصنيفات مجموعة العمل المالي “غافي”، التي وضعت الجزائر ضمن اللائحة الرمادية، وهو تصنيف له انعكاسات ملموسة على صورة النظام البنكي الجزائري في الخارج، ويؤثر سلبا على ثقة البنوك المراسلة والشركاء الدوليين في التعامل المالي مع الجزائر، وعليه يمكن القول إن التعديل جاء في جزء كبير منه استجابة مباشرة لملاحظات دولية، هدفها إقناع الهيئات الرقابية بأن الجزائر تُجري إصلاحات ملموسة في مجال الشفافية المالية ومحاربة الجريمة الاقتصادية.
لكن، إذا اكتفينا بهذا التفسير، نكون قد تجاهلنا جانبا مهما من الصورة، فهناك أيضا حاجة وطنية حقيقية إلى تحيين المنظومة القانونية، لأن العالم تغير منذ سنة 2005، وأنماط الجريمة المالية تطورت بشكل معقد، مستفيدة من ثغرات قانونية وتكنولوجية، لذلك يمكن اعتبار التعديل – رغم كونه مدفوعا جزئيا بضغوط خارجية – فرصة لإعادة ضبط الإطار القانوني وفق ما يخدم السيادة الاقتصادية والأمن المالي الوطني.
وبمعنى آخر، المطلوب ليس فقط “إرضاء الخارج”، بل بناء منظومة داخلية متماسكة، تؤمن بالشفافية والرقابة، وتشرك كل الفاعلين في عملية الإصلاح، من قضاة ومحققين، إلى إعلاميين ومجتمع مدني، وحتى المواطن العادي.
ما هي أبرز التعديلات التقنية والإجرائية التي جاء بها النص الجديد؟ وهل تعتقدون أنها كافية لمواجهة الجريمة المالية في الجزائر؟
التعديلات التقنية التي جاء بها القانون الجديد تمثل نقلة نوعية على المستوى الإجرائي والمفاهيمي، حيث تم توسيع التعاريف المرتبطة بالأموال المشبوهة، وشمل القانون مجالات جديدة لم تكن مضبوطة في النص القديم، مثل الأصول الرقمية، والعقود الذكية، والتحويلات الإلكترونية المشفرة.
كما شملت التعديلات تعزيز صلاحيات الجهات المختصة في التحري والتحقيق، خاصة وحدة معالجة المعلومات المالية (CTRF)، ومنحها قدرة أكبر على التجميد السريع للأصول المشتبه فيها، وتبادل المعلومات مع الهيئات الدولية. لكن، رغم هذه الإيجابيات، هناك بعض المواد التي تثير القلق، لأنها تسمح في بعض الحالات بالمصادرة دون حكم قضائي نهائي، ما يُعد مساسا خطيرا بمبدأ قرينة البراءة وضمانات المحاكمة العادلة.
كيف تعامل القانون المعدل مع الجمعيات والمنظمات غير الربحية، في سياق مكافحة تمويل الإرهاب أو تبييض الأموال؟
نحن نؤمن أن حماية الوطن من تمويل الإرهاب أمر لا يقبل التهاون، لكننا ننبه إلى أن هذه الضوابط يجب ألا تتحول إلى أداة لعرقلة العمل الجمعوي المستقل أو لتكميم الأصوات المدنية، لأن الجمعيات هي شريك في التنمية وليست خصما، ونطالب بأن يتم تطبيق هذه الضوابط بروح القانون لا بسيفه.
وعليه، يجب أن تكون الرقابة قائمة على معايير موضوعية، وبشفافية كاملة، مع ضمان الحق في الدفاع والرد قبل اتخاذ أي إجراء تعسفي، فكلما كان العمل الجمعوي حرا ومسؤولا، كلما ساعد الدولة في الكشف عن الانحرافات، بدل أن يتحول إلى ضحية لفرط الرقابة.
هل يتضمن القانون المعدل حلولا ملموسة لمعالجة السوق الموازية، خاصة سوق العملة السوداء المعروفة في الجزائر؟
رغم أن القانون لا يذكر السوق السوداء مثل بور سعيد بشكل مباشر، إلا أنه يوسّع صلاحيات الرقابة المالية لتشمل المعاملات خارج النظام البنكي الرسمي، كما يمنع الدفع النقدي في المعاملات العقارية، وهي إحدى وسائل تبييض الأموال في السوق الموازي. ويلزم أيضا الموثقين بعدم تحرير العقود إلا عبر القنوات الرسمية، مما يحد من استخدام الأموال غير المصرح بها.
كيف عالج القانون الجديد موضوع العملات الرقمية والتداول المشفّر؟ وهل هناك مقاربة متوازنة؟
إدراج العملات الرقمية خطوة تحسب للمشرّع، لكنها تبقى ناقصة دون إطار تشريعي وتنظيمي واضح، لكن ما نريده هو تعامل استباقي مع هذه الظاهرة العالمية، من خلال إشراك الفاعلين الاقتصاديين والخبراء، لا عبر تجريم محتمل يخلط بين الابتكار والخطر. فالعالم يسير نحو الاقتصاد الرقمي، والجزائر لا يمكنها البقاء في موقع المتفرج، وإلا ستجد نفسها في مواجهة ظواهر خارجة عن السيطرة.
هل التعديل خطوة حقيقية نحو إصلاح شامل؟
التعديل خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنه ليس كافيا، فالمطلوب الآن هو تفعيل هذا النص عبر مؤسسات قوية، وكوادر مدربة، ورقابة مستقلة، وقبل كل شيء، إرادة سياسية صادقة، لأن القوانين الجيدة تفقد قيمتها إن لم تطبق بعدالة وشفافية، أما محاربة الجريمة المالية، فهي معركة تتطلب إصلاحا متكاملا للعدالة، والمصارف، والإدارة، والإعلام أيضا، فكل هذه القطاعات تشكل جدار الحماية الوطني ضد الفساد وتبييض الأموال.