-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

صورة تذكارية..!!

مروان ناصح
  • 2349
  • 0
صورة تذكارية..!!

رمى أمامي بحفنة من الأوراق المطبوعة قائلاً:- كنت تستبعد حتى أمس أن يتم إنتاج جزء سادس من مسلسل “باب الحارة”.. فانظر، لقد حصلت من “الشابِكة” [شبكة الإنترنت] على ملخص وافٍ لهذا الجزء، مع أسماء طاقم الفنانين والفنيين بالكامل..!!

 

ونظرت في تلك الأوراق ـ كما طلب صاحبي ـ فإذا هي مقترح ساخر، صاغه عدد من الشبان المرحين بحثاً عن التسلية و”الغمز” من قناة أهل الحارة جميعاً، بمن فيهم المنتج والمخرج والممثلون والفنيون.. وحتى المشاهدون أيضاً!

ومضى صاحبي معلِّقاً على ما جاء في هذه الأوراق: 

 أعتقد أن الشبان الذين وضعوا هذا الملخص الساخر، يتمتعون بقدرة “تأليفية” تفوق ما يمتلكه كتَّاب المسلسل الأصلي، مهارة و”حلاوة روح” وتجديداً في الحبكة” الدرامية..!!

هذا موضوع آخر، ولكنني ما زلت أستبعد أن يتم إنتاج جزء سادس لأسباب “لوجستية” بحتة: الزمان والمكان.. والأمان أيضاً!

لو كنتُ مكانَ “أهل الحارة” هؤلاء.. لصرفت النظر عن إنتاج هذا الجزء، بعد اطلاعي على هذا المشروع الشبابي.

لماذا؟؟

لأنه مؤشر حاسم إلى إفلاس هذه الحارة، من بابها إلى محرابها..!! ولا أقصد الإفلاس “المادي” بالطبع.. إذ إن المرابح المادية ما تزال تتدفق..!!

وهذا كافٍ في عرف المنتج والعاملين في المسلسل..

ولكنَّ للفن رأياً آخر..!

؟؟

 .

1-ألاّ تَغْفَلَ شهوةُ المال عن ملاحظة الفتور المتعاقب، في إقبال الجمهور على عمل انطلق مثل     الصرخة المدهشة، ولم تكن الأجزاء المتتالية منه سوى تعقيبات “باردة” على تلك الصرخة..!!

قد يصدق رأيك هذا على “باب الحارة” تحديداً.. ولا أراه يصدق على الظاهرة التي تبلورت بعد ظهوره الأول.. أعني “مسلسلات البيئة الشَّامية” في الدراما السورية..

مع أنها تشكو من أمراض “السلَّة” نفسها:

ألم تقرأ في المشروع الشبابي الساخر ـ قبل قليل ـ عن عودة الحلاق “أبي عصام” إلى الحياة من جديد.. ولكن بأسلوب “عصري” مبتكر هذه المرّة..؟! ألم يشخّص هؤلاء الشباب عناصر “الهيكل العظمي” لهذا العمل وسواه بأنها موائد عامرة باللحوم.. وعضوات “وجهاء” الحارة يلتمون حول “الزعيم” الأوحد، في تبجيل واحترام مبالغ فيهما، حتى بمقاييس تلك الأيام..؟! أليست حكاية “الحب”  ـ التي شخّصوها في عملهم الساخر هذا ـ مستهلكة ومكررة كما هي فيما شاهدناه من قصص الحب بين أجير القهوة أو أجير الفرن، وبنت “المعلم” فلا يملّ هو من مناولتها أرغفة الخبز، ولا تكلّ هي من تسبيل عينيها له خلف الباب المغلق..؟! وهل أذكّرك بالمال الذي لابدّ أن يكون مطموراً في بيت أحدهم..؟! وبمشاهد الجنازات والعزاء الميلودرامية لاستدرار الدموع..؟! وبالدوريات العسكرية للجنود الفرنسيين، يدخلون السوق ويخرجون منها دون مبرر، فيما يشبه الدُّمى المسيَّرة بالخيوط..؟! وبالشخصيات النمطية : الحلاق، والخاطبة، واللصوص والجواسيس و.. و.. و..؟!

– هذه الأعراض “الموصوفة” ينبغي أن تدفع بنا إلى البحث عن بديل ناضج، يحقق المستوى الإبداعي المطلوب.. لا أن “نشطب” الظاهرة بأكملها بجرة قلم..!! ذلك أنّ لها دواعيَ عميقة في “نفسية” الأكثرية الساحقة من المتلقين.. كما تشكل المرآة الصادقة عندهم، يطلون من خلالها على أحلامهم وأشواقهم الأصيلة..!!

إنه الحنين إلى الماضي!!

– بل إنه الماضي المستمر في الحاضر..!! لا في مظاهره الطارئة من زي وأدوات وأساليب معاش.. وإنما في قلب “الحيرة” التي ما يزال الناس في بلادنا ـ منذ ما يدعى بعصر “النهضة” ـ يعيشونها، كلّما وجدوا أنفسهم أمام السؤال الصعب المتكرر؛ سؤال “الأصالة والمعاصرة”: ماذا نأخذ من ماضينا؟ وماذا ندع؟.. وماذا نأخذ من حضارة الغرب؟ مع ضمان عدم الذوبان فيها.. وكيف نحافظ على مفهوم واضح “لهويتنا” الحقّة..؟؟

سؤال عويص ظلّ حتى الآن بلا إجابة شافية، ومشاريع نهضة” بقيت في إطار الشكليات، مع فشل ذريع في لمس الأوتار الحساسة لشخصية الإنسان في هذه المنطقة..!!

ها : إنك “تتفلسف” في الأمور..؟!

 .

2- من السخريات المريرة أن كلمة “فلسفة” صارت من الكلمات سيئة السمعة عندنا..!! أردت أن أقول : كفانا هرباً من الحقيقة.. ولنعترف بأننا ما نزال نراوح في المكان نفسه، والزمان إياه.. وبأن الحارة الشعبية التي هدمناها مع بداية احتكاكنا بالحضارة الغربية، ما تزال “مختبئة” تحت جلودنا، بكل قيمها ومفاهيمها وتقاليدها وأعرافها المختلطة من الثمين والرديء..!! وأن عملية الغربلة لم تشمل سوى القشور من حياتنا..!! وأننا أمام أي أزمة، أو هزيمة، سرعان ما نهرول إلى أحضان تلك الحارة التي لم تخذلنا في الماضي.. مثلما خذلتنا “الحضارة الغربية” ـ منذ أن تعرفنا إليها حتى اليوم ـ بأطماعها، وحروبها الظالمة، وقيمها ذات المكاييل المتفاوتة!! هل تذكر ما قاله نزار قباني في قصيدته “هوامش على دفتر النكسة” عقب هزيمة حزيران 1967؟؟

القصيدة طويلة جداً..

لقد التقط بـ”كاميرته” الشاعرة صورة تذكارية ناجحة” لهذه المشكلة:

خلاصة القضيَّهْ

توجز في عبارَهْ

لقد لبسنا قشرة الحضارَهْ”..!! 

 

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!