ضبابية الحرب على إيران والتعمية التكنولوجية
على مرّ التاريخ، لم تكن الحرب مجرد معارك للحديد والنار فحسب، بل كانت دائماً صراعاً على ‘المعلومة’؛ كيف تُخفى، وكيف تُزيَّف، وكيف تُوظَّف. بين التنظير القديم للفيلسوف الصيني سان تزو والفلسفة الحديثة للمنظّر الاستراتيجي البروسي كلاوزفيتز، وصولاً إلى عصر الاختراق الرقمي والحروب السيبرانية، تظل المعلومة السلاح الأكثر فتكاً والأشد مراوغة، وهنا يبرز التساؤل: إلى أي مدى تطورت أهمية المعلومات في الحروب عبر التاريخ؟ وكيف جرى تقدير هذه الأهمية في الحرب الإيرانية الحالية؟
من فلسفة سان تزو إلى الحروب السيبرانية
قبل أكثر من 2500 عام، نظّر المفكر الصيني سان تزو للدعاية في الحرب بمقولته الخالدة: “الحرب خدعة”، فبالنسبة له النصر لا يتحقق بالقوة الغاشمة بقدر ما يتحقق بالقدرة على إظهار الضعف عند القوة، والابتعاد عن الفخاخ، ومباغتة العدو حين يغفل؛ إذ يرى أن القائد الناجح هو من يتلاعب بمعنويات خصمه، ويتجنب الاستنزاف الاقتصادي والبشري. وعند العرب يعدُّ ابن خلدون أول من وضع “سوسيولوجيا الحرب”، إذ فصّل في أسباب الحروب، وتحدَّث عن “التعبئة” والخُدع الحربية والمعلومات والأخبار كعوامل حاسمة للتفوق في الحرب. كما تزخر الأدبيات العربية بكثير من الوهج الشعري والسرد النثري في وصف القتال والمعارك. نجد الشاعر العربي امرؤ القيس قد لخص وصف الحرب ومفهوم التضليل بعبقرية فذة، حين وصف الحرب بأنها تكون في بدايتها شابة فَتِية، مغرية لمن جهل حقيقتها، لكنها سرعان ما تتحول إلى حقائقها إلى عجوز شمطاء مرعبة، تصدم أطرافها:
الحربُ أول ما تكونُ فَتِيةً تسعى بزينتِها لكلِّ جهيلِ
حتى إذا استعرتْ وشبَّ ضرامُها عادتْ عجوزاً غيرَ ذاتِ خليلِ
شمطاءَ جُزَّ رأسُها وتنكّرتْ مكروهةً بالشمِّ والتقبيلِ.
أما في الأدبيات الغربية فقد صاغ المنظّر العسكري البروسي كلاوزفيتز بداية القرن التاسع عشر، مصطلح “ضبابية الحرب”؛ إذ رأى أن ثلاثة أرباع الحرب تدور خارج نطاق التوقعات بسبب نقص المعلومات أو تضليلها، فالعقل البشري يحلل بناءً على نمطية معينة، لكن الحرب بطبيعتها اللاعقلانية تخضع للمصادفة والارتباك الإدراكي، ما جعله يصفها بالضبابية، وهو المفهوم الذي أشار إليه رئيس وزراء بريطانيا الأسبق تشرشل حين قال: “إن المعلومة في الحرب من الأهمية بمكان، لدرجة أنه يجب حمايتها بجيش من الأكاذيب”.
في العصر الحديث، شكَّل الأمن المعلوماتي بُعداً سادساً في الأمن الحيوي للدولة؛ فبعد البر والبحر والجو والفضاء والدعاية النفسية، أضحى الفضاء السيبراني مجالاً مكتملاً تدور فيه الحروب، تُحدَّد فيه الأهداف، وتنتهي فيه المعارك بدمار يقيني. ولعل واحدة من المعارك الأخيرة التي كان “سلاح المعلومات” جوهرها، هي قضية نشر وثائق إبستين؛ إذ تبرز كنموذج حديث لتوظيف المعلومة وفق مبدأ السيادة. في هذا النموذج لم تكن الدولة الأمريكية ضحية للتسريب، بل تصرَّفت عبر وزارتها للعدل كقائد طائرة عسكرية أو موجِّه منصة صواريخ يحدِّد الأهداف ويطلق النيران.
إن نشر 3.5 مليون صفحة من أصل 6 ملايين من ملفات إبستين لم يكن مجرد إجراء جنائي مطلوب، بل جرى كعملية تنفيس تدريجي من خلال مصفاة مارست فيها الدولة دور “حارس البوابة”؛ إذ جرت هندسة الفضيحة وتحويلها من انفجار ثوري إلى إجراءات إدارية امتصت غضب الشارع. وفي دور آخر، عمل هذا النشر على تصفية الخصوم والعملاء الذين انتهت صلاحيتهم، مع إبقاء ثقوب المصفاة مسدودة لصالح من لا يزالون قيد الخدمة؛ وهي رسائل دقيقة للنخب بأن الامتثال هو شرط للحماية.
وفي قراءة مستبصرة لقضية إبستين؛ ربطا بالقوة السيبرانية الروسية التي أثبتت تفوقاً في محطات تاريخية عديدة، مثل عملية حزمة فيروسات “تورلا” التي اخترقت حواسيب القيادة العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط عام 2008، والتجسس على ملف أوكرانيا في حواسيب وزارة الخارجية الأمريكية عام 2010، والتدخل في الانتخابات الرئاسية الأمريكية سنة 2016.. ما يحيل الفهم إلى أن هذا النشر جاء كعملية “حرق استباقي” قادتها وزارة العدل الأمريكية ضد الاستخبارات الروسية، لذا، فإن النشر الرسمي المتدرج عبر المصفاة يُبطل عنصر المفاجأة ويمنع تشكل الفتيل؛ فالمعلومة حين تُعلَن تفقد قوة سريتها، وقدرتها على الضغط.. فواشنطن تدرك أن موسكو تملك من هذا الأرشيف ما يشكل سلاحا لابتزاز نخبتها وعلى رأسهم الرئيس ترامب، خاصة عند العلم أن إبستين ظل من 2009 إلى انتحاره في 2019 يحاول لقاء بوتن، وبوتن رفض لقاءه.
من ضبابية الأهداف إلى تعمية الرادارات
تجلت ضبابية هذه الحرب بوضوح في تقديرات الاستخبارات الأمريكية تجاه النظام الإيراني، حين اعتمدت واشنطن على تقييمات مضللة من المعارضة في الخارج، ومن تقارير مغالِطة من جانب الكيان الصهيوني، إذ صوّرت هذه التقديرات النظام في صورة هشة قابلة للانهيار السريع أمام سخط شعبي متزايد، إلا أن الواقع كشف عن مغالطة في التقييم وتضليل في التقدير؛ انزلقت فيها الإستراتيجية الأمريكية من “ضربة خاطفة” إلى مواجهة مفتوحة وتخبُّط في الأهداف.
لقد انتقلت تصريحات ترامب من “إسقاط النظام” في اليوم الأول، إلى “وقف البرنامج النووي وتحييد القدرات الباليستية وبتر أذرع إيران في المنطقة” في اليوم الثالث، وصولاً إلى “تأمين النفط” في اليوم الخامس. كما تحوّلت العمليات من ضربات محددة، إلى غارات للطائرات وسلاسل من الحُزم الصاروخية، ثم إلى تفكير في “الحرب البرية” بعد أسبوع من القصف. هذا التشتُّت يثبت غبش الرؤية الأمريكية، ويؤكد أن ما كان منتظراً لم يكن ما حدث على الأرض.
ثلاث استراتيجيات
في هذه الحرب يمكن رصد ثلاث استراتيجيات متباينة:
1.الإستراتيجية الأمريكية (الصدمة والترويع): راهنت واشنطن على التفوُّق التكنولوجي لضرب “مركز ثقل الدولة”، معتقدة أن قطع رأس الهرم القيادي سيؤدي إلى انهيار وظيفي فوري. لكن هذه الإستراتيجية تحطمت أمام نظام “القيادة الجماعية” المُعد سلفاً، مما حوّل الضربة من نصر حاسم إلى ورطة إستراتيجية يسعى ترامب للخروج منها في أقصر وقت، في حين يتشبث الكيان الإسرائيلي بمزيد من إغراق الجميع في الوحل.
2.إستراتيجية الكيان الإسرائيلي (الأرض المحروقة): استمر الكيان في ممارسة عقيدته القائمة على الإرهاب بالتدمير الشامل. ورغم القصف المكثف إلا أن هذه الإستراتيجية اصطدمت بتقنية منصات الأنفاق ورسوم وهم الطائرات؛ إذ اكتشف الكيان أن التفوُّق الجوي لا يعني السيطرة الميدانية، وأن صبّ الحمم لم يوقف تدفق المسيَّرات وإطلاق الصواريخ نحو عمقه الاستراتيجي.
3.الإستراتيجية الإيرانية (التعمية واستنزاف التكلفة): عملت طهران على هذه الإستراتيجية وفق تكتيكين:
الأول: استهداف منظومات الرادار والاتصال (لاسيما القاعدة الرئيسية في البحرين، ومكاتب المخابرات المركزية الأمريكية في الرياض وأبو ظبي والدوحة والكويت)، مما أخلط أوراق صانع القرار، ونقل بيئة الحرب من “الضبابية” إلى “الظلامية”.
الثاني: الاستنزاف بفارق التكلفة؛ فبينما تحرق واشنطن مليار دولار يومياً وطلبت تمويلاً طارئاً بـ50 ملياراً، تطلق إيران مسيَّرات لا تتجاوز تكلفتها 20 ألف دولار، لتُجبر الخصم على استهلاك صواريخ اعتراضية يتجاوز سعر الواحد منها مليون دولار، مما جعل المعادلة الاقتصادية للحرب انتحاراً اقتصادياً للطرف الأمريكي ومن ورائه الأنظمة العربية المموِّلة.
المظلة السيبرانية المزدوجة (الروسية– الصينية)
لم يكن الصمود الإيراني في مواجهة الإستراتيجية الأمريكية وليد الصدفة، بل جاء مدعوماً بترسانة رقمية (روسية- صينية) أعادت تعريف موازين القوى عبر تقويض التفوُّق التكنولوجي لواشنطن. فبينما لعبت روسيا دور المزود الاستخباراتي لطهران بإحداثيات حية لتحركات الأسطول والقطع العسكرية، وكذا نشاط مكاتب المخابرات الأمريكية في المنطقة، ووفرت الأمن السيبراني اللازم لحماية اتصالات القيادة الجماعية الإيرانية؛ كانت الصين تمنح طهران منظومة متكاملة للاتصال والمراقبة بعيدة عن الشبكات والتطبيقات الأمريكية.
لقد ربطت طهران منظومتها لعمل المسيَّرات والصواريخ بنظام الملاحة الصيني (بيدو- BeiDou) وفق أقماره الـ35، والتي توفر دقة تصل إلى 10 سنتيمترات، بعيداً عن منظومة التحكم الأمريكية في نظام الـ(GPS). وبلغ هذا التكامل ذروته بدخول السفينة الصينية (لياو وانغ 1) إلى بحر عُمان؛ وهي “قاعدة بيانات عائمة” تزن 30 ألف طن، قادرة براداراتها العملاقة على رصد 1200 هدف جوي متزامن في دائرة يصل قطرُها إلى 6 آلاف كيلومتر.
تثبت معطيات الأسبوع الثاني أن “ضبابية الحرب” قد ابتلعت الغطرسة التقنية الغربية؛ فبينما تملك أمريكا والكيان أحدث الأسلحة وأشهر التقنيات، امتلكت إيران الإستراتيجية الواقعية الأذكى، والمصالح الكافية لحلفائها للانخراط في دعم نوعي أربك هذا التفوق الأمريكي.
إن وصول الصواريخ الإيرانية إلى أهدافها ومسح قواعد عسكرية أمريكية وإسرائيلية بالكامل ليس مجرد نجاح عسكري عابر، بل هو إعلانٌ عن سقوط عصر الهيمنة التقنية المنفردة، وبداية عصر جديد يُدار فيه الصراع بجيل جديد من التكنولوجيا الصينية وبالتحالفات الرقمية العابرة للحدود.. تحالفات بدّدت ضباب الحرب أمام طهران، وحوّلته إلى ظلامٍ يطارد نوم واشنطن.
تجلت ضبابية هذه الحرب بوضوح في تقديرات الاستخبارات الأمريكية تجاه النظام الإيراني، حين اعتمدت واشنطن على تقييمات مضللة من المعارضة في الخارج، ومن تقارير مغالِطة من جانب الكيان الصهيوني، إذ صوّرت هذه التقديرات النظام في صورة هشة قابلة للانهيار السريع أمام سخط شعبي متزايد، إلا أن الواقع كشف عن مغالطة في التقييم وتضليل في التقدير؛ انزلقت فيها الإستراتيجية الأمريكية من “ضربة خاطفة” إلى مواجهة مفتوحة وتخبُّط في الأهداف.