-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

عبقرية زيغود و 20 أوت

الشروق أونلاين
  • 4024
  • 6
عبقرية زيغود و 20 أوت

لم يكن 20 من أوت تاريخ القطع الكامل مع الفرنسيين فحسب بل كان كذلك خاتمة الخلافات الحزبية الداخلية في نظرها إلى الثورة، إذ لم يعد من الممكن بعد هذا التاريخ النقاش حول أحقية أولئك الأبطال الذين فجروها، فإما أن تكون جزائريا وهذا يعني أنك ستكون مع الثورة أو أن تكون ملتحقا بالركب الاستعماري، وهذا الأمر لم ينسحب على المشتغلين بالشأن السياسي فقط بل أصبح من مسلمات الشعب الجزائري كله، وهذا بالضبط ما قصده زيغود عندما قال لي في فترة التحضير لهجوم 20 أوت من أنه يجب الوصول إلى قطيعة كاملة مع الفرنسيين من خلال عملية فريدة ونوعية تلغي مائة وثلاثين عاما من العلاقة مع الفرنسي.

وقبل الحديث عن 20 أوت لا بد من ذكر الظروف التي هيئت لهذا اليوم المفصلي من عمر الثورة الجزائرية. فبعد استشهاد ديدوش مطلع العام 55 طلب مني زيغود يوسف تنظيم لقاء مع الناس في نواحي سكيكدة من أجل حشدهم وتعبئتهم للثورة، فقمت باختيار مكان ليقيم فيه أحد الأشخاص اسمه اليازلي، فانتقل زيغود إلى منزل اليازلي، وبدأنا العمل والاتصالات عن طريق شخص اسمه بوسنان حماده، وكان مناضلا في الحركة الوطنية وعلى اتصال بالمناضلين كافة على اختلاف مواقفهم السياسية، وبوسنان لعب دورا كبيرا ومهما في تجنيد الناس والتحضير للثورة نتيجة لعلاقته الجيدة مع كل الأطراف. دامت إقامة زيغود في منزل اليازلي بين الشهرين والثلاثة أشهر، فقمنا بتغيير المكان إلى مكان آخر، وانتقل زيغود للإقامة في بيت بن لعور. وفي أحد الأيام تفاجأنا بهجوم وحدة صغيرة من الجيش الفرنسي، وكانت نتيجة الهجوم أن قتلوا صاحب البيت وعددا من أفراد العائلة وتم حرق البيت بشكل كامل وهجرت القرية كلها تقريبا. بعد هذا الحادث المأساوي الذي ترك أثره الكبير في نفوس الناس بينما لا نزال في بداية الثورة، قام زيغود بالعودة إلى القرية كعادته لتفقد الناس بعد كل حادث كي يرفع معنوياتهم ويفهمهم أننا معهم، إلا أنه عندما شاهد الدمار الحاصل وتأثيره على نفوس الناس انزعج كثيرا، وكان من طبيعته أنه عندما ينزعج يقوم بالمشي جيئة وذهابا والتحدث بينه وبين نفسه بصوت يكاد يكون مسموعا، فجأة وقف زيغود، وكان قريبا مني، واتجه إلى الجميع قائلا إنه يجب أن يكون رد فعلنا على الدرجة نفسها من القسوة التي قاموا بها كي نثبت لشعبنا أننا نحن أيضا قادرون على الضرب في الصميم. طبعا، قال زيغود هذا الكلام بانفعال وكان قد بدا أنه أخذ قرارا بالأمر أو أن هذه الحادثة قد حرضته أكثر على أمر كان يفكر فيه.

قبل هذه الحادثة بأسبوعين جاء أحد الأشخاص واسمه زيغال (إسماعيل)، وهو رجل ذكي وسريع البديهة، وكان موجودا عندما تحدث زيغود، ففهم ما كان يريده وبدأ يحضر أفكارا وتصورات للعمل مع زيغود فتحول هذا الرجل إلى شريك لزيغود وذلك نتيجة لثقافته وتكوينه وخبرتنه. وبدأ بالتفكير الجدي للقيام بعمليات موجعة للفرنسيين، وكانت العملية الأولى في شمال قسنطينة وهي عبارة عن كمين للقوات الفرنسية، كنت قد انضممت وقتها لفوج بقيادة أحد المجاهدين عمر (….) وقمنا بهذه المهمة ما بين سكيكدة والقل، وكانت أول كمين في منطقة شمال قسنطينة، كان الفوج مسلحا بسلاح تقليدي خفيف وهو عبارة عن بنادق صيد ورشاشات خفيفة. طبعا كان الكمين جس نبض للعدو وإفهامه أن الثورة عامة في جميع المناطق. كان رد الفعل الفرنسي جديا، إذ بدأوا بجلب القوات وتحريكها في مختلف المناطق.

وعليه فقد اقتنع زيغود أن فكرة الكمين كانت جيدة وأدت المرجو منها في إرسال رسالة للعودة من جهة وفي الاستفادة من العملية للتحضير لعمليات أخرى من جهة أخرى. وبدأ العمل بعد هذه العملية بشكل مكثف وسريع من ناحية جلب الأسلحة والتعبئة الشعبية حتى نهاية مايو، وتم تحضير عدة أفواج على مستوى شمال قسنطينة وكلف كل فوج بمهمة، وكانت هذه المهمات في أغلبها كمائن وعمليات فدائية تشمل حرق الممتلكات الفرنسية وقطع الاتصالات الهاتفية وتكسير الأعمدة، وبشكل عام كانت المهمة هي التخريب العام، نفذت هذه العمليات بنجاح وهو ما أعطى ديناميكية للعمل، ذلك أن المنطقة عموما كانت مشهورة بانضباطها وتعد من المناطق المسيطر عليها بشكل كامل.

بعد شهرين من هذا الأمر تكونت الفكرة عند زيغود أنه قائد يمسك بزمام الأمور ويمتلك القدرة على القيام بأي عمل عسكري أو سياسي يكون له تأثيره القوي على العدو. لم نكن نعلم أن كل ما قمنا به كان جس نبض للمستعمر وتحضيرا للعمل الأكبر والأهم وهو هجوم أوت عام 55 في تلك الفترة كانت طريقة تعاطي الفرنسيين مع الثورة أنهم يركزون هجماتهم على منطقة دون الأخرى لإنهاكها ومن ثم التوجه إلى منطقة تالية وهكذا. وقتها كان التركيز منصبا على الولاية الأولى على أساس أن انطلاقة الثورة كانت منها، إضافة إلى أنها منطقة صعبة بتضاريسها الجبلية كما أن العمليات المؤلمة التي حدثت في الولاية الأولى جعلت الفرنسيين يركزون عليها. فكانت فكرة زيغود التخفيف عن الولاية الأولى بعملية كبيرة ذات صدى سياسي وعسكري ولها تأثير قوي على الجيش الفرنسي الذي تمركز في الشرق الجزائري بشكل عام، فبينما بدأت الحملة العسكرية الشرسة على الأوراس، وكانت مترافقة بدعاية نفسية هائلة إذ صرح الجنرال بارلانش يومها أنه سيجعل من الأوراس قبرا للثورة الجزائرية، كانت الأخبار تأتي إلى زيغود، الذي كان مولعا بالراديو والأخبار، حول شراسة الحملة، وقد تلقى حينها رسالة من بشير شيحاني يخبره فيها عما يفعله المستعمر في الأوراس ويقترح عملا عسكريا وإن كان محدودا يخفف الضغوط والحصار الشديد المضروب عليها. وهذا ما كان يشغل بال زيغود فعلا، إلا أنه لم يكن يفكر بعملية محدودة تزول آثارها بعد حين. كان زيغود مهجوسا بنقل المعركة وأخبارها من الريف الجزائري أو المناطق أو الجزائر ككل إلى العالم كله، فجاءت رسالة شيحاني تسريعا لما كان يدور في ذهنه، فقرر القيام بهجوم نوعي.

دعا زيغود إلى اجتماع بمنطقة الزمان، وذلك في نهاية شهر جوان ليكلف كل واحد منا بمهامه وليضعه أمام مسؤولياته التي يجب أن ينفذها بدقة، فقام بتوزيع المهام وأسند لبوبنيدر (صوت العرب) مسؤولية الخروب، ولعلي كافي مسؤولية الزرقا، ولمحجوب عين عبيد، ولعبد المجيد لكحل الراس سمندو، ولبوجريو قسنطينة، ولزيغال سكيكدة، ولعمار الشطايبي القل، وأسند لي مسؤولية سيدي امزجتشيش. لم نكن نحن فقط بل كان هناك ما يقارب الخمسين رجلا كلف كل منهم بقرية، بمعنى أن يذهب الشخص المكلف لاستطلاع إمكانيات القرية من جميع النواحي ويقرر مدى تجاوب الناس معه وحجم حماسهم للأمر لشن هجوم عام في يوم واحد وساعة واحدة وكان يفكر باليوم المناسب لشن الهجوم فوقع اختياره على يوم 20 أوت 55 وهو توقيت له مدلول سياسي، فهو اليوم نفسه الذي يصادف فيه نفي محمد الخامس والمظاهرات التي ستقوم يوم نفيه، وذلك لكي يشعر الفرنسيين أن هناك تنسيقا بين المغرب والجزائر وأن العمل يتعلق بالمغرب العربي عموما. وأعطى التعليمات لتنفيذ الهجوم، وتقرر أن يكون التوقيت في الساعة الثانية عشرة ظهرا. وكان 20 أوت بكل تفاصيله السلبية والإيجابية هو قرار لزيغود يوسف بلا منازع. وفي هذا الاجتماع عرفنا أن فكرة زيغود لم تكن التخفيف عن الولاية الأولى بعملية كبيرة وحسب وإنما عملية يكون الصدى السياسي والعسكري الكبير والتأثير القوي على الجيش الفرنسي الذي تمركز في الشرق الجزائري بشكل عام، وكذلك أنه كان يريد إحداث نقلة نوعية في مسار الثورة وعلى جميع الأصعدة.

بدأ الهجوم في موعده المقرر، ومن الساعة الثانية عشرة ظهرا وحتى الخامسة مساء بلغ تعداد الضحايا بحدود اثني عشر ألف شخص من الجزائريين ومئات من الفرنسيين. لكن النتيجة كانت التفاف الجزائريين عموما حول الثورة ووقعت القطيعة النهائية بين الفرنسيين والجزائريين وهذا ما أعطى إيمانا أكبر لكل جزائري في إمكانية المقاومة والانتصار. ولكي لا أظلم أحدا أقول في كل الفترة التي عشتها من 4 نوفمبر 52 لغاية عام 62 داخل الجزائر كان أي جزائري يفكر في كيف سيخدم هذه الثورة ويساهم بنجاحها بغض النظر عن أفكاره السياسية أو أي شيء آخر، وذلك لأن أهداف الثورة كانت واضحة وخلقت إرادة عند الناس وقناعة أنهم مشوا في هذا الطريق فإما الموت أو الانتصار، وكان ما هو واضح في الأفق أننا لا نملك قوة ولا آلة عسكرية نقف فيها ضد الآلة العسكرية الفرنسية إلا أن نقبل جميعا بالتضحية، وعندما يقبل الشعب بأكمله التضحية ويقدم على الموت راغبا لا تستطيع قوة في الأرض ردّه أو مجابهته.

بعد هذا العمل الكبير الذي أعطى ديناميكية كبيرة من الناحية السياسية وأظهر للعالم أن الأحداث في قضية تحرر شعب من ربقة الاستعمار وليست أحداثا داخلية كما كان يصورها الإعلام الفرنسي ومواقف الساسة الفرنسيين، حتى أن الجو كان في الأمم المتحدة أن ما يحدث في الجزائر مسألة فرنسية داخلية، فاتضح للعالم أجمع أن الكفاح هو كفاح تحرري وانتقلت الفكرة إلى الجالية الموجودة هناك داخل فرنسا بشكل عام، فكانت النتيجة الأخرى لهذا العمل الكبير، وهي الأهم، أن القيادة أمسكت أكثر بزمام الأمور. فمن ناحية العمل على الصعيد العسكري أصبحنا نتحرك في الليل وفي جزء من النهار بشكل كامل وفي كثير من المناطق، وبدأنا ننظم أمور الناس بإحداث مجالس على مستوى كل قرية تخص شؤون حياتهم من الاقتصاد والتموين إلى المحاكم وكان التفكير كله يصب في تحضيرهم أكثر للعمل والمواجهة. وهذا بمعنى أننا قمنا بتكوين مجالس على صيغة شبه دولة داخل الدولة تدير أمور الناس وتهتم بشؤونهم كلها. وهذه المجالس كانت تعين بانتخابات مباشرة في القرى وأماكن التمركز الشعبي. وبدأنا التنظيم مركزّين على موضوع الشعب لأن الناس بدأوا يقتنعون بإمكانية الانتصار وكان علينا تعزيز هذه الأفكار عندهم وذلك مقارنة بالوضع والظروف عندما بدأنا الثورة وكنا مجموعة صغيرة من الأشخاص. فبينما كانت الأوضاع أن القرية التي يوجد فيها رئيس مخفر فرنسي واحد كان يأمر القرية مثلما يريد ويمثل أعلى السلطات فيها فيقضي ويسجن ويمنع ويعطي على كيفه، أي كان شرطي واحد يحكم آلاف الجزائريين، اختلفت الأمور بعد العمل الكبير الذي قامت به المقاومة الجزائرية وبدأ الناس يتحررون من واقعهم ويرفضون لأنهم بدأوا يعتقدون بإمكانية تغيير الوضع القائم والانتصار وهذا ما جعلهم يفكرون بالتضحية، إلى درجة أننا كنا نعين مسؤولين للقيام بأعمال معينة وتنظيم مجموعات، فالشخص الذي كان يعيّن مسؤولا كان يعرف مسبقا أنه ذاهب إلى الموت لأنه سيكون مثال الشجاعة والتضحية لمجموعته، وكان البعض منهم يستشهد قبل الالتحاق بمهمته أو في الطريق إليها وهو ما أعطى القيادة مبررا قويا للاستمرار.

ومن نتائج 20 أوت أن المعمرين بدأوا ينتقلون إلى المدن ويهجرون القرى بشكل كامل وهذا ما أحدث رد فعل إيجابي كبير عند الناس. إذ تم الإعلان عن قرية فرنسية كاملة للبيع وهي قرية الركنية قرب عزّابة، وقد خرج الإعلان بمانشيت كبير في جريدة قسنطينة. واقتنع العالم أن هناك شعب اسمه الشعب الجزائري يقوم بثورة ضد المستعمر الفرنسي، لا، بل كان من نتائج أوت أيضا أن الفرنسيين أنفسهم عرفوا أن بعد هذا اليوم لن يكون مثل الذي قبله، إذ يقول إيف كوريير في كتابه (حرب الجزائر) عن هذا اليوم: “دخلت حرب الجزائر الآن مرحلتها النشطة. الأقنعة ستسقط والسياسات ستتطور، ومن الآن وصاعدا سيكون هناك قبل 20 أوت وبعد 20 أوت”. وهذا يعني أن الهجوم نقل المعركة إلى داخل فرنسا. إذ كسر أوهام الفرنسيين في أنهم قضوا على الثورة وأنهم سيحسمون نهايتها في الأوراس التي كانوا يضيقون الحصار عليها، فبدد الهجوم أوهامهم وخفف عن الأوراس من جهة، ومن جهة أخرى كسب الثوار كثيرا من الأسلحة التي كنا نحتاجها، إضافة إلى أنه عزز ثقة الجزائريين بحتمية انتصار الثورة وأن طريق الكفاح المسلح هو الطريق الوحيد الذي يمكّن الجزائريين من نيل استقلالهم. فبينما كانت السلطات الاستعمارية تحضر لانتخابات جانفي كي تحظى بـ “مفاوض شرعي” كما كانت ترغب جاء 20 أوت لينسف أحلامها ولتعترف ضمنيّا وإن كان بشكل غير مباشر أن الأمور تغيرت كثيرا ولا سبيل لها إلا بتغيير طريقة التعامل كلها، فقامت بفرض “حالة الطوارئ” التي عنت المزيد من القمع والشراسة الاستعمارية وأصبح كل جزائري عرضة للاعتقال والقتل لمجرد أنه جزائري. وهذا يعني أن 20 أوت قد فصل فصلا تاما ونهائيا بين الجزائريين والفرنسيين وحمّل الجزائريين كلهم مهمة نجاح الثورة وانتصارها، فلم يعد هناك من اختلاف سياسي أو ايديولوجي أو على أي تفصيل وإنما لقاء جزائري عام على نجاح الثورة والمساهمة فيها كل حسب قدرته.

إن النتائج التي ترتبت على 20 أوت من حماس الجزائريين كلهم للثورة واصطفافهم إلى جانبها وضعت زيغود يوسف أمام أعباء كثيرة وكبيرة يبدو أنه أحس بثقلها عليه، وهي أن الجزائر كلها عقدت الآمال على الثورة وبالتالي أحس وكأن الأمة كلها برقبته وهو وحده من بتحمل المسؤولية في تفاؤلها واستمرار ثورتها وأملها في الخلاص، فكانت فكرته حول لقاء قيادي عام يناقش مسار الثورة ومستقبلها وهو ما تبلور أخيرا في الصومام الذي أشعر زيغود بأن هناك من حمل عبء نتائج 20 أوت الذي أقنع السياسيين والشعب الجزائر بفئاته كافة أن الثورة وضعت القطار على سكة اللاعودة حتى تحقيق الانتصار الكامل وقد انطلق القطار ولا يمكن إيقافه بأي شكل من الأشكال، ولهذا لبى الجميع الدعوة إلى الصومام، حتى من كان يعدّ مفجريها الأوائل أطفالا سياسيين ومغامرين، حتى إن تاريخ انعقاد المؤتمر كان إشارة واضحة في الاعتراف بما أحدثه يوم 20 أوت في مسار الثورة.

إن أهمية زيغود أنه عرف نبض الناس وحقيقة نفوسهم ولهذا فكر بما يجعل الناس يلتفون حول الثورة ويحتضنونها، وهذا هو مقياس القائد الحقيقي الذي تمثّل بهذا الشهيد الكبير الذي كانت عنده عبودية من نوع خاص جدا للحركة الثورية وللوطن الجزائري.

ولابد هنا من ذكر أمر في بالغ الأهمية، فبالرغم من احترامي وإجلالي للشهيد زيغود ولكل القادة العظام في تاريخ ثورتنا إلا أنه لولا تسابق الناس العاديين من الجزائريين على الموت وتفانيهم في التضحية من أجل الجزائر لما استطاع أحد أن يحقق ما يحلم به أو ينفّذ أية فكرة عسكرية أو سياسية مهما بلغت أهميتها. وأذكر هنا أنني بعد أن كلفني زيغود بقرية امزجتشيش للتحضير من أجل الهجوم، ذهبت وجمعت الناس للحديث إليهم وكان طلبي بحدود عشرين أو خمسة وعشرين شخصا على أكثر تقدير كي ندخل القرية فتفاجأت أن الناس جاؤوا بالمئات، وهذا ما سبب لي مشكلة وهي كيفية حل الأمر، لأنه لا توجد إمكانيات لاستيعاب هذه الأعداد، فإن تأخذ مئات الأشخاص إلى القرية ليلا أمر سهل الاكتشاف من قبل الفرنسيين، ثم إنه ليس عندنا سوى بيتين في القرية ولا يمكن استيعاب مئات الأشخاص فيهما. فبدأت أفكر أنني أستطيع حل المشكلة بأن آخذ من كل عائلة شخصا واحدا حتى أرضي الجميع وأجمعهم في الوقت نفسه، فكانت مهمة صعبة جدا إلا أنني نجحت. أذكر أنني عندما بدأت باختيار الأشخاص مررت على أول واحد واخترته ثم الثاني لكنني لم أختر الثالث وكان اسمه بوراوي، وما كان منه إلا أن سألني: لماذا استثنيتني؟ وقد حرت جوابا يومها لأنني استثنيته بالفعل ذلك أنه وحيد لأهله ولم أرد أن يكون في المعركة، وتحت إصراره كان له ما أراد بأن يكون مع المجموعة.

وذهب معهم إلى القتال ولكن لسوء الحظ فقد استشهد في المعركة.

إن 20 أوت ورغم الضحايا والشهداء الذين سقطوا فيه كان اليوم الذي أرسى دعائم الثقة بالثورة وانتصارها، وأخرجها من فكرة العصابة والتمرد إلى الثورة بمعناها الأشمل والمعترف به، إذ انتقلت عدواه إلى الجزائر ككل. فأن يذهب آلاف الشهداء إلى الموت في فترة يومين ويقدم آلاف آخرون في الوقت نفسه ليقوموا بواجبهم الوطني لهو أمر لافت وكبير ويسجّل لمفجّر هذا اليوم العظيم الذي أعتقد أنه كان البداية الفعلية للثورة الجزائرية الشاملة، إذ بدأ الجزائريون ككل ينسخون 20 أوت في كل الولايات ولم يفكّر أحد منهم بالخسائر بقدر ما كان يفكر بالنتيجة التي سيحدثها عمله في هزّ نفسية العدو وانهياره.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
6
  • Boulesnane Abderrahim

    المجد والخلود لشهدائنا الأبرار

  • بولسنان عبد الرحيم

    المجد والخلود لشهدائنا الأبرار

  • بن عزيزة صبرينة

    دمعت عيني وانا اقرا عن بطولات الشعب الجزائري والقائد الفذ زيغود يوسف ،انه لفخر كبير أني من هذا الوطن الغني بالرجال وفي نفس الوقت يحز في نفسي أن جيلا من الشباب لا يعلمون ما هي حقيقة الجزائر ورجال الجزائر

    يا ايها الشباب الجزائري ارفع رأسك عاليا ،أنت حفيد الشهداء الذين حققوا المعجزة وصدروا للعالم ثورة .. نعم كنا ومازلنا نصدر البطولات و الانتصارات

  • Skikda

    Excelent Article qui offre une analyse global et objective et qui rende finalement justice aux grand travail du colonel Zighoud

  • H

    je ne vois rien de negatif dans cet article qui expose des faits que votre commentaire.

  • اBaki

    السلام علي الجميع
    من لا يعرف النتائج الأجابية ل20 أوت 55 ولا يوسعنا الا ان نترحم على كافت الشهداء رجالا ونساء واطفال
    اما عن الركنية فهي منطقة مخضرة في ولاية قالمة كان يعتبرها المستعمر جنته فوق الأرض فانقلبت الي جهنم وهجرها في اسوع واحد جميع العمرين وهذا ماكان ليكون لولا تظافر الجميع وتفاهمهم على ان المستعمر لا يريد الا ان تكون خادم لو وانت في عقر دارك
    سؤالي هو لمذا لا يعلق عاى المقالات الجابة ويكثر التلغبيب في السلبي فقط ام اننا نحب الشتم ونكره المدح ولله في خلقه شؤون ولا حول ولا قوة الا بالله؟