-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

عبّاس وأوتشَر: رياضيّاتِيَان يهزّان عرش الأولمبياد!

عبّاس وأوتشَر: رياضيّاتِيَان يهزّان عرش الأولمبياد!
ح. م
أوتشر (يمين الصورة) وعباس.

الأولمبياد الدولي للرياضيات (IMO) هو أعرق مسابقة عالمية في الرياضيات موجهة لتلاميذ المرحلة الثانوية. انطلقت هذه المنافسات لأول مرة عام 1959  في رومانيا، وهي تُنَظم خلال شهر جويلية من كل سنة في بلد مختلف. وقد توسّعت المشاركات في هذا الأولمبياد، ففاق اليوم عدد الدول المشاركة 100 دولة. يُعدّ هذا الأولمبياد منبرًا لاكتشاف نخبة النخبة في الرياضيات على المستوى العالمي.

من هو أحمد عبّاس؟

عالم الرياضيات التونسي أحمد عبّاس صاحب مسيرة علمية لامعة جعلت المؤسسة الشهيرة المعروفة باسم “معهد الدراسات العلمية العليا” (IHES) في باريس تستقطبه منذ سنوات عديدة، وكان قد فاز بالميدالية البرونزية عام 2005 من المركز القومي الفرنسي للبحث العلمي (CNRS) وعمره لم يتجاوز آنذاك 35 سنة. ومن المهم أن نعرف في هذا المقام أنه كان في نهاية الثمانينيات ضمن الفريق التونسي الذي شارك في الأولمبياد الدولي للرياضيات، وفاز بميدالية فضية وأخرى برونزية. وإلى جانب اشتغاله بالرياضيات، يهتم أحمد عبّاس منذ سنوات بالقضايا العادلة، سيما بالقضية الفلسطينية.

وما يدلّ على فعالية نضاله في هذا الشأن أن في جانفي 2019، نشرت صحيفة Times of Israel التي تصدر بالقدس، مقالًا مطولا حول هذه الشخصية هاجمته بلهجة حادة بسبب وقوفه ضد الطبيع. وأشارت إلى أنه انتقد بشدة “نهج التطبيع المتسارع” مع إسرائيل. كما أفاد المقال بأن عبّاس اتهم التونسيين الذين انخرطوا فيما يسمى بـ”الانفتاح والتعددية ومكافحة معاداة السامية” بأنهم “خونة” يخدمون مصالح إسرائيل. هذه المواقف لأحمد عبّاس أثارت موجة من الهجوم الإعلامي عليه، لكنه صمد، ليؤكد أن مهنته الأكاديمية لا تُعفيه من مسؤولية إنسانية تجاه فلسطين.

أما الباحث التركي مليح أوتشَر فهو أصغر منه سنًا ويعمل الآن في الجامعة الذائعة الصيت في السعودية، وهي جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (جدّة). وسبق له خلال الفترة 2007-2010 أن كان ضمن الفريق التركي المشارك في الأولمبياد الدولي للرياضيات فتُوّجت مشاركته بميداليتين ذهبيتين وأخريين فضيتين.

اللجنة الأولمبياد الدولي للرياضيات تكيل بمكيالين

في عام 2022، وبعد نشوب الحرب الروسية الأوكرانية، اتخذت اللجنة المنظمة للأولمبياد الدولي للرياضيات قرارًا سريعًا يقضي بتعليق مشاركة روسيا في هذه المنافسات، معتبرةً ما حصل انتهاكًا لا يمكن السكوت عنه. وهكذا لم تشارك روسيا في هذه الألمبياد منذ عام 2022 إلى اليوم (جويلية 2025). لكن التساؤل الكبير ظهر لدى تصاعد الجرائم الإسرائيلية في غزة منذ أكتوبر 2023. فمع تساقط الضحايا المدنيين الناجم عن العدوان الإسرائيلي المتواصل على غزة، والذي وثّقته منظمات دولية وحقوقية باعتباره كارثة إنسانية ترتقي إلى جرائم حرب وإبادة جماعية، لم تتخذ لجنة الأولمبياد الموقف نفسه تجاه إسرائيل!

في ماي 2025، وقّع أكثر من 700 عالم في الرياضيات -من بينهم حائزون على ميدالية فيلدز (الملقبة ‘بجائزة نوبل في الرياضيات’)- رسالة مفتوحة إلى مجلس الأولمبياد الدولي ولجنة الأخلاق تطالب بمعاملة إسرائيل بنفس المعيار الذي طُبّق على روسيا. وهذا مقتطف مما جاء في رسالة الرياضياتيين إلى لجنة الأولمبياد: “في العام الماضي (2024)، منعت إسرائيل الفريق الفلسطيني -المتكوّن من طالبين من غزة واثنين من الضفة الغربية- من حضور دورة المنافسات الأولمبية الدولية في باث (بريطانيا). ولم يتخذ مجلس إدارتكم أي إجراء لمعالجة هذا الظلم -ولا حتى إصدار بيان عام. في ماي 2024، حال إغلاق معبر رفح دون تمكّن تلاميذ غزة من التقدم بطلبات تأشيرات… في غضون ذلك، اختفت تأشيرات وجوازات سفر زملائهم من الضفة الغربية، التي تمت الموافقة عليها مسبقًا، في مكان ما بين القنصلية البريطانية في القدس، والسفارة في تل أبيب، وطابعة في أبوظبي. فتحت لجنة الأخلاقيات عندكم تحقيقًا. ولم تُعلن أي نتائج حتى الآن” !

وتواصل الرسالة موضحة: “هذا العام (ماي 2025)، يستعد الفريق الفلسطيني للمشاركة في الأولمبياد، المقرر إقامته في جويلية في أستراليا. يدرس الطالبان من غزة في ملجأ مكتظ، وليس لديهما سوى هاتف للتدرب عبر الإنترنت استعدادًا للأولمبياد الدولي للرياضيات. وهما يتعلّمان ببطون خاوية، في ظل خوف دائم على حياتهما. يفرّان من القنابل متمسكين بحلمهما الهشّ بحياة طبيعية -دراسة الرياضيات في جامعة مرموقة، وتمثيل بلدهما هذا الصيف في الأولمبياد الدولي للرياضيات”.

“قال أحد الطالبين، وهو طالب موهوب بشكل استثنائي: “لقد ساعدتني الرياضيات كثيرًا لأنها فصلتني عن المواقف الرهيبة وحفزتني على التوقف عن التفكير في الحرب والتركيز على ما أحب القيام به”. وتأهل الطالب الآخر إلى النهائيات على الرغم من إجباره على الفرار أربع مرات في غضون بضعة أشهر… نحن نخشى أن تحطّم إسرائيل حلم هؤلاء التلاميذ للمرة الثانية. ولكل هذه الأسباب، فإننا نطلب من مجلس إدارتكم تطبيق نفس الإجراءات التي طبقتموها على روسيا في عام 2022 على إسرائيل”. وكان أول الموقعين على هذا النداء أحمد عبّاس. وماذا كان الحل الذي لجأت إليه اللجنة الأولمبية؟ إنها رفعت الحظر على روسيا التي أصبح بإمكانها بدءا من السنة القادمة المشاركة في الأولمبياد الدولي للرياضيات!! كل ذلك كيلا تُعَاقَب إسرائيل وتحتفظ بحق المشاركة.

الرد الأخلاقي: إعادة الميداليات

دفعت هذه الخلفيات أحمد عبّاس إلى ردّ صريح لا لبس فيه، وذلك بإعلان عبر رسالة مفتوحة موجهة للجنة الأولمبياد قبل يومين أنه قرر إعادة ميداليتيْه اللتين كان قد فاز بهما في شبابه إلى لجنة الأولمبياد. ولم يمض يوم على على هذا القرار الرمزي حتى حذا حذوه الباحث مليح أوتشَر وأعاد، هو الآخر ميدالياته إلى لجنة الأولمبياد معللا موقفه بأنه لا يرغب أن يوثَّق اسمه بتاريخ يُؤطر بالتمييز المؤسسي والتواطؤ مع جرائم الحرب. وعرف الموقفان ردود فعل مؤيدة سيما في العالم العربي والاسلامي وكذا شخصيات علمية من العالم الغربي.

يقول أحمد عباس في خاتمة رسالته: “هذه السنة (2025)، تمكّن تلميذ من غزة، تأهّل للمشاركة في الأولمبياد الدولي للرياضيات، من مغادرة قطاع غزّة قبل أيام قليلة من المنافسة، في ظروف بالغة الصعوبة… كنّا نأمل في إجلائه في وقت أبكر ليتمكّن من المشاركة حضوريًا، لكن ذلك تبيّن أنه مستحيل. وصل إلى باريس بجواز خاص، وكان لي شرف عظيم أن أستقبله.”

ويمضي أحمد عبّاس في وصف ما حدث: “شارك (هذا الطالب) في المنافسة الأولمبية عن بُعد من منزلي، بدءًا من الساعة الرابعة والنصف صباحًا [مراعاة لتوقيت أستراليا]. يحدث ذلك بعد مرور عشرين شهرًا من الحرب، ورغم العبء العاطفي الهائل المترتب على ترك عائلته في منطقة حرب قبل أيام قليلة فقط. ومع ذلك فاز بتقدير “مشرف”، وكان من المحتمل أن يحقق نتائج أفضل لو توفرت له نفس ظروف باقي التلاميذ … وهو يتطلع الآن لبدء دراسته في الرياضيات في أحد أفضل المعاهد في فرنسا”.

وينهي أحمد عبّاس رسالته متأثرا: “رغم كل ما قرأته عن أهوال غزة خلال العشرين شهرًا الماضية، فإن استقبال تلميذ نجا لتوّه مما يمكن فعلا تشبيهه بمعسكر اعتقال، جعلني أواجه مستوى من المعاناة يكاد يكون من غير الممكن تحمّله. وما يبقيني صامدًا هو ابتساماته كل صباح، وحبّه الهادئ والمستمر للرياضيات.”

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • سمير بكارة

    الرجال يعرفون بمواقفهم. مشكور على المقال.