عذرا يا بقرتنا!
تعليمة حكومية جديدة ترخص استثناء للبلديات والولايات “الغنية” باستخدام أموالها ومداخيلها لتمويل مشاريعها المحلية، دون انتظار أو تتسوّل الخزينة العمومية التي قررت عدم تمويل مشاريع التجهيز، في إطار خطة الحكومة لإنجاح مسعى التقشف وترشيد النفقات!
تـُرى: هل يُمكن لهذه التعليمة أن تنجح؟ وهل بقدرة الولاة والأميار أن يُنجحوها..؟ في أغلب الظن، وإن كان بعض الظن إثم، لا أعتقد أن البلديات والولايات الغنية، بوسعها تمويل نفسها بنفسها، فإمّا أنها العكاز الذي تتكئ عليه الخزينة العمومية في ضمان قوت الجزائريين، وإمّا أنها قليلة ونادرة، وبوسع هكذا تعليمات أن تسيل لعاب بعض الولاة والأميار!
قديما قالوا “المال السايب يعلـّم السرقة“، والكثير من التجارب والشهادات والخبرات والتحقيقات والمحاكمات، كشفت تورّط ولاة وأميار في عمليات يندى لها الجبين، وقد انتهى الفساد بهذه النماذج غير السوّية، إمّا في السجن أو الرقابة القضائية، وفي أحسن الأحوال الطرد من المنصب!
الولايات والبلديات الغنية، تسيل اللعاب، وتثير الشهية، منذ الاستقلال، ولذلك يتحارب الولاة والأميار، ويبحثون عن “الكتاف” والوساطات، من أجل دخولها سالمين فاتحين، ولا حرج إن غادروها غانمين بعد حركة تغيير أو في انتخابات محلية، قد تمدّد عمر المير وقد تدفنه حيا يُرزق!
فعلا، هناك بلديات غنية، وبمصادر تمويل متنوعة، لكن سوء التسيير والتدبير، والبحث عن الغنائم فقط من طرف السيّد المير، جعلها دائما في حكم الجثة المحنطة، التي لا تنفع ولا تضرّ، وهو حال بعض الولايات المصنفة حقـّا أو زورا وبهتانا في خانة “أغنياء” الجزائر!
“التاجر” الماهر هو الذي يبدأ من العدم، ويتحوّل إلى أثرى الأثرياء، يحكي تجربته وبراعته في الاختراع والإبداع، و“التاجر” الفاشل هو ذلك الذي تـُعطيه سوق فلاح فيحوّله إلى “خربة” وربوة منسية لا يزورها أحد حتى من أجل البكاء على الأطلال، وهذا المثل ونقيضه، ينعكس على بعض الولاة والأميار، السابقين منهم واللاحقين، في التعامل مع الموارد المالية لولاياتهم وبلدياتهم!
لا يُمكن لوال أو مير أن يحوّل ولايته أو بلديته إلى “جنـّة“، وهو فاقد لبذرة الحياة والحيوية في داخله، وبالتالي، فإن المبدع والناجح سيتجاوز الأزمة المالية بما هو متوفر، أمّا المفلس والنائم سيأكل الباقي المتبقي من البقية الباقية لبقايا دنانير “البقرة الحلوب” التي “عقرت” وجفـّت و“غرزت“.. فعذرا يا بقرتنا، فقد شربنا من حليبك ومازلنا وسنظل، لكن مصيرك في آخر المطاف النحر لأكل لحمك والاستفادة من شحمك وعظمك!