عطل بالبصل..وسياحة حاحة وتفاحة!
كلما ضاقت السُبل بالسياحة في عدد من الدول التي تعوّد السائح الجزائري على زيارتها، لجأت تلك البلدان إلى إعلان امتيازات وتسهيلات وإغراءات وتخفيضات لفائدة الجزائريين في الفنادق والخدمات والنقل الجوي، وهذا إن دلّ فإنها يدلّ، على إن السائح الجزائري “نافح” و”مربح” بالنسبة لهؤلاء التجار الذين يحترفون مهنة السياحة لجمع عائدات بالأورو والدولار.
عندما نعلم بأن ما لا يقلّ عن مليوني جزائري يتوافدون على الجارة تونس، خلال موسم الصيف، لقضاء عطلهم، وإن أكثر من ربع مليون جزائري يدخلون تركيا سنويا، فهنا لا بدّ من التوقف لحظة تفكير وتشاور، ورسم علامات استفهام وتعجب تقليدية، أمام هذا الفرار الفردي والجماعي، من بلد من المفروض إنه هو الآخر سياحي بامتياز؟
روى لي بمرارة أحد مديري السياحة، في وقت سابق، والعهدة على الراوي، كيف أن وفدا غربيا من السياح همّ بزيارة الجزائر عند نهاية التسعينيات، وكان متوجها تحديدا إلى منطقة تاغيت الجذابة والآمنة ببشار، إلاّ أن مجرّد عون بالجوية الجزائرية آنذاك، بالبلد الأصلي للسياح، أفسد المشروع، لا لشيئ سوى لأنه كان غبيا وساذجا وأبلها، عندما “تعجّب” من هذه الزيارة خلال تفاوضه مع ممثل الوفد عن موعد الرحلة !
حكاية أخرى، لا تختلف كثيرا، يقول صاحبها، وهو مختصّ في مجال الاستقطاب السياحي، إنه تفاجأ قبل سنوات، وهو خارج الوطن، عندما صادف “خارطة سياحية” على مستوى وكالة أسفار في أحد البلدان، تضع لكلّ بلد سياحي مفتاح خاص، غير أن صاحبنا “لفحل” كاد يشنق نفسه بخيط حذاءه، عندما وجد أمام مفتاح الجزائر “علامة استفهام”؟
قصة ثالثة، أرويها عليكم وأتوقف، حتى لا تقتلني وتقتلكم القنطة: حضرت معرضا دوليا ضخما قبل سنوات، في بلد نجح في الترويج لنفسه سياحيا واقتصاديا، وأصبح من البلدان الرائجة والمؤثرة عالميا، وحضر افتتاح هذا “الصالون” رئيس ذلك البلد، بحضور السفراء والمستثمرون ورجال المال والأعمال والصناعيون وممثلو الوكالات السياحية، من أكبر الدول، ولمّا سألت عن “سفيرنا” علمت أنه لم يحضر وأوفد ممثله، ولا تسألوني عن السبب، لأنه محرّض على الانتحار !
..هذه بعض النماذج الحية، التي تجعل الملايين من الجزائريين “يهربون” من سياحة بلادهم نحو سياحة عبر ملاذات أخرى، تضمن لهم الخدمة المريحة وأحيانا المجانية، أو في أسوأ الحالات بتعريفة معقولة ويقبلها القانون والأخلاق، والأهم من ذلك التعامل المستقطب و”اللسان الحلو” الذي يُغريك ويجعلك تعود المرّة القادمة دون أن تفكـّر في البديل !
للأسف، تحوّلت السياحة عندنا إلى “جياحة” عند “خالتي حاحة وتفاحة”، ولذلك لا غرابة في الفرار الجماعي لوزراء وأغنياء و”فقراء” ومزلوطين نحو بدائل قريبة وأخرى بعيدة، ولا عجب عندما يلجأ هؤلاء إلى “الكريدي” والقروض البنكية لقضاء عطلة مريحة بعيدا عن سياحة “القرلو” و”الشمة” و”البوكوار”، ولم لا يصدّق عليه أن ينزل إلى أقرب مطعم أو فندق أمامه؟
عقلية “النيف والخسارة” تتعارض مع المصطلحات المتضمنة في قاموس السياحة، ولذلك فشلت عندنا السياحة، ولم يتمكن أصحاب الوكالات والمستثمرون وحتى الحكومة من إغراء واستقطاب السياح، ولذلك أيضا استقال المعنيون من هذه المهنة الشاقة، ورموا المنشفة، وغيّروا طبيعة نشاطهم، ومنهم من ضرب رأسه على “الحيط” بعدما تيقن إلى ما لا نهاية، بأن طريق السياحة هو طريق مسدود عندنا وفق الظروف والعقليات المتاحة !
لا أعتقد أن أغلبية الجزائريين بإمكانها أن تتنازل وتحمل “شنطة” السياح مثلا عند مداخل الفنادق حتى وإن كانت من خمس نجوم، أو تتكلـّف وتكلـّف نفسها ما لا تطيق، فيصبح لسانها ينطق عسلا وليس بصلا، وتمارس “الشيتة” لمعشر السياح مقابل “البقشيش” !

هذه هي عقليتنا، تبقى “سبيسيفيك” و”خشينة”، ولذلك إذا جاء السياح أهلا وسهلا ومرحبابهم، وإذا لم يأتوا “طريق السدّ ألـّي تدّي ما تردّ”..هذه هي المفارقة والمقاربة، التي تجعل السياحة بالنسبة لنا ثانوية وليست أولوية، بل وفي ذيل الترتيب، وهو ما يجعل الأغلبية تفرّ في من الداخل إلى الخارج، ولسان حالها يردّد بلا تردّد: “ما عندناش وين أروحو..الله غالب يا الطالب ويا العازب”.
من الطبيعي أن يعرض علينا الجيران والأجانب، خدماتهم السياحية، فالسياحة تجارة وشطارة، وهناك دول تعيش بها ومنها وعليها، فيما مازالت تكبّد لنا خسائر بالجملة والتجزئة، وهذا ناتج أيضا على عقلية “خبز الدار ياكلو البراني” !