-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

علي الكنز بين الذاكرة والاختلاف

علي الكنز بين الذاكرة والاختلاف

حصل هذا على ما أتذكر في 2007…

في رحاب جامعة بوزريعة، وبعد غياب طويل فرضته العشرية السوداء التي تركت جراحها العميقة في الذاكرة الجزائرية، عاد الدكتور علي الكنز ليلقي محاضرة حول موضوع شغل الفكر العربي المعاصر طويلاً: العقلانية في الحضارة العربية الإسلامية. كانت تلك المحاضرة مناسبة لاستعادة نقاش فكري ظل معلقاً خلال سنوات الأزمة، حين فقدنا المعنى والشعور بالأمن، رغم أن الجزائر استطاعت لاحقاً أن تسترجع عافيتها وإن ظلت آثار تلك المرحلة محفورة في وعينا الجماعي.

استهل الأستاذ علي الكنز عرضه برسم خارطة لمسار الفكر العربي عبر التاريخ، مؤكداً على ما اعتبره صراعاً مستمراً بين الفكر الفلسفي والفكر الديني، تلك الازدواجية التي طبعت، في نظره، تاريخ الثقافة العربية برمته. هذه الأطروحة ليست جديدة، بل هي معروفة عند دعاة العقلانية العرب، وخاصة محمد أركون وغيره من المثقفين الذين يحملون أبا حامد الغزالي مسؤولية انتكاسة الفكر العقلاني في الحضارة العربية الإسلامية، ويعتبرون أن الفكر الديني هو السبب الرئيسي وراء ما نعانيه اليوم من تدهور وانحطاط حضاري.

كان الحضور متحمساً لما قيل، وسادت أجواء الإشادة والتوافق مع طرح المحاضر، رغم أن بعض الحاضرين لم يستحسنوا ما سمعوه، لكنهم لم يجرؤوا على مناقشته بطريقة علمية، ربما لهيبة الأستاذ أو لخوفهم من مواجهة خطاب أكاديمي راسخ في الأوساط المثقفة. لكن النقاش الحقيقي يتطلب الجرأة في طرح الأسئلة الصعبة، والتجرؤ على فحص المسلمات التي تحولت إلى يقينيات غير قابلة للنقد.

وفي نهاية العرض والنقاش، جاء دوري للتعقيب على ما قيل، فوجدت نفسي مدفوعاً لطرح بعض الإشكاليات المنهجية والتاريخية التي تكتنف هذه الأطروحة السائدة.

قلت للأستاذ علي الكنز معقبا: كيف يمكن أن نعتبر ابن رشد رمزاً للعقلانية في الفكر العربي، وهو الذي كان من أشد دعاة الأرسطية والعودة إلى منطقها الصوري. فإذا كانت النهضة الأوروبية قد بدأت فعلياً مع ديكارت في القرن السابع عشر، فإنها جاءت مناهضة تماماً للفكر الأرسطي الذي شكل البنية المعرفية للفكر القروسطي الأوروبي. كيف يمكن إذن أن نعتبر فيلسوفاً أرسطياً مثل ابن رشد رمزاً للعقلانية، في حين أن العقلانية الحديثة نفسها قامت على تجاوز الأرسطية ونقدها؟ هذا التناقض يكشف عن إشكالية منهجية في قراءة التراث العربي الإسلامي، حيث يتم إسقاط مفاهيم حديثة على سياقات تاريخية مختلفة تماماً.

أما الإشكالية الثانية التي طرحتها على الأستاذ علي الكنز، فتتعلق بالتناقض الأعمق في هذه الأطروحة: كيف يمكن أن نعتبر الفلاسفة هم رموز العقلانية والتفكير العلمي، في حين أن من أسس فعلياً حقل العلوم الإنسانية في الحضارة الإسلامية كان قاضياً وفقيهاً ومؤرخاً، وهو ابن خلدون؟ لو كانت الفلسفة هي المصدر الحقيقي للعقلانية، لكان من الطبيعي أن تتأسس العلوم الإنسانية على يد فيلسوف من أمثال ابن سينا أو الفارابي أو ابن رشد. لكن الواقع التاريخي يخبرنا بأن أول علم اجتماعي حقيقي في التاريخ الإنساني جاء على يد قاضي ومؤرخ، وهو ما يطرح أسئلة جوهرية حول العلاقة بين الفكر الديني والعقلانية، وحول الادعاء بأن الفكر الديني كان عائقاً أمام التطور العلمي.

وتأتي الإشكالية الثالثة لتطرح سؤالاً حول الغزالي ودوره المزعوم في موت الفلسفة. الخطاب السائد يحمّل الغزالي مسؤولية القضاء على الفلسفة من خلال كتابه “تهافت الفلاسفة”، لكن هذا الطرح يتجاهل حقيقة مهمة: الغزالي لم يكتب “تهافت الفلسفة”، بل كتب “تهافت الفلاسفة”، وهو فرق جوهري يكشف أن نقده كان موجهاً لأشخاص معينين وآراء محددة، وليس للفلسفة كنشاط عقلي في حد ذاته. بل إن ابن خلدون، الذي يُحتفى به كمؤسس لعلم الاجتماع، كان أكثر راديكالية في نقده للفلسفة حين كتب فصلاً كاملاً في المقدمة تحت عنوان “في إبطال الفلسفة وفساد منتحليها”. فإذا كان الغزالي متهماً بقتل الفلسفة، فماذا نقول عن ابن خلدون الذي كان أشد منه نقداً؟ هل نتهمه أيضاً بالظلامية، أم أننا نتعامل مع التراث بانتقائية تخدم أطروحات مسبقة؟

هذه التساؤلات التي طُرحت في ختام المحاضرة لم تلقَ رداً من الأستاذ علي الكنز، إذ أُعلن عن نهاية الجلسة من قبل منشطها دون أن يُفتح المجال لنقاش حقيقي حول هذه الإشكاليات المنهجية والتاريخية التي طرحتها عليه. وهذا في حد ذاته يعكس أزمة أعمق في الفكر العربي المعاصر: أزمة القدرة على المراجعة النقدية للأطروحات السائدة، والميل إلى تحويل بعض الأفكار إلى مسلمات لا تقبل النقاش.

إن الموقف من هذه القضايا لا ينطلق من عداء للأستاذ أو لأطروحته، فالدكتور علي الكنز يستحق كل الاحترام والتقدير لمساهماته الفكرية، وخاصة كتابه “حول الأزمة” الذي يحتوي على مقاربات عميقة استلهت منها الكثير في دراساتي السوسيولوجية خاصة نقد الممارسة السوسيولوجية في الحقل الأكاديمي العربي من خلال أطروحة الدكتوراه “إشكالية السؤال السوسيولوجي في الفكر العربي المعاصر. لكن الاحترام الحقيقي للمفكر لا يعني التسليم الأعمى بكل ما يقول، بل يعني الانخراط في نقاش جاد ومسؤول حول رؤيته للتراث وللواقع.

إن إشكالية العقلانية في الفكر العربي الإسلامي تحتاج إلى قراءة أكثر تعقيداً وأقل أيديولوجية من تلك القراءات التي تختزل تاريخنا الفكري في صراع ثنائي بين عقل وظلامية، بين فلسفة ودين. التاريخ أكثر تعقيداً من هذه الثنائيات المبسطة، والتراث أغنى من أن يُختزل في هذه القراءات الاختزالية. ربما آن الأوان لنتجاوز هذه الأطروحات الجاهزة، ونبدأ في قراءة تراثنا بعيون جديدة، قراءة تنصف الفلاسفة والفقهاء معاً، وتدرك أن العقلانية ليست حكراً على تيار دون آخر، وأن النهضة الحقيقية لن تأتي من خلال إدانة الماضي، بل من خلال فهمه فهماً عميقاً ونقدياً.

الأزمات علمتنا أن فقدان المعنى والأمن لا يأتي فقط من العنف المادي، بل أيضاً من العنف الرمزي الذي نمارسه على تراثنا حين نقرأه بمناهج لا تنصفه، وحين نختزل تعقيداته في شعارات أيديولوجية. واستعادة العافية الحقيقية تتطلب منا شجاعة المراجعة النقدية، وجرأة طرح الأسئلة الصعبة، والقدرة على الاختلاف مع من نحترم، لأن هذا هو جوهر الفكر النقدي الذي ندعو إليه.

هذه بصفة موجزة تحربة عشتها مع الأستاذ علي الكنز رحمه الله الذي كنت أكن له كل الاحترام والتقدير.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!