علي فضيل …أنقذني دون أن يعرفني
كانت صبيحة مشمسة من أواخر شهر أفريل 2013، استيقظت باكرا، لم أنم إلا سويعات واستيقظت وزهير محركات الطائرة التي وصلت على متنها متأخرا ليلة الأمس يغمر أذنيّ،.. كنت متشوقا لأصل إلى حيي في ساحة أول ماي، وآخذ فطور الصباح رفقة من أجده هناك من أصحابي وجيراني، عله يخفق عني حنين البلد الذي يراودني وأنا في ديار الغربة.
وأنا في الطريق لساحة أول ماي كنت اتصل مرارا بمصوّر كنت قد اتفقت معه مسبقا، لأني لم آت هذه المرة إلى بلدي زائرا، بل قدمت في مهمة لتغطية كأس الجزائر بين الإخوة الأعداء مولودية الجزائر واتحاد العاصمة.
ظل الهاتف يرن مرارا دون أن يجيبني أحد، حاولت إيجاد آلاف الأعذار لأصبر نفسي، رغم أنني كنت متيقنا أنني في ورطة حقيقية، كيف لا وأنا الذي أصررت على القدوم وطلبي للقيام بهذه المهمة لدى مدير القناة كان بإلحاح كبير.
كنت أودّ أن أبدل قصارى جهدي لأعطي صوّرا جميلة لكرة القدم الجزائرية، كنت أريد أن يدرك المشرقي والمغاربي والعربي والأعجمي حجم ديربي الجزائر وتاريخه ومكانته الكبيرة.
وصلت إلى ساحة أول ماي في حدود الساعة السابعة صباحا، اتجهت نحو المقهى وعينيا لم تفارقا بتاتا هاتفي النقال.. حلمي الوحيد في تلك الدقائق كان أن يرن الهاتف وأن يخرج منه صوت المصور ليطمئنني، حلمي الوحيد في تلك اللحظة كان قراءة رسالة “آس آم آس” من المصور يخبرني فيها أنه متأسف على عدم الرد لأنه كان يقود سيارته ويتوجه إلى مكان الموعد.
انتظرت مطوّلا إلا أن هاتفي لم يرن والرسالة لم تصل.
صبرت نصف ساعة تناولت من خلالها فطور الصباح، فطور لم يكن باللذة التي انتظرتها، وحتى لقائي بأصحاب الحي لم يكن حارا كما حلمت به. كنت منهمكا في إيجاد الأعذار لحاج عدلان ومنير زغدود وعمي عبد القادر وعمر بطروني لأبرر غيابي عن الموعد الذي كنت قد أعطيته إياهم لإنجاز روبورتاج عن الديربي، كنت أتخيل ردة فعل مديري الذي شوقته وأنا أروي له تاريخ النهائيات بين المولودية والاتحاد عندما أخبره بأنني لم أقو على أداء مهمتي لأن المصوّر لم يرد على مكالماتي.
اختلط الحابل بالنابل بداخل رأسي، ولم أجد حلا يقيني هذا المأزق. وفجأة أخذت هاتفي واتصلت بمديري السابق في جريدة الشباك ياسين معلومي والذي يشغل الآن منصب رئيس تحرير القسم الرياضي لجريدة الشروق، دون أن أبالي بالوقت المبكر، ياسين ألف اتصالاتي في أوقات مختلفة من الْيَوْم، فغالبا ما يكون سندا لي حين تغلق الأبواب في وجهي.
كم سعدت حين رد ياسين على مكالمتي وكعادته مازحا: “واش بيك مع صباح ربي” وأضاف: “واقيلا حاوزوك من الدار”، كلمات أثلجت صدري لأنني أدركت أنه كان مستيقظا.. كلمات سرعان ما أعادت لي البسمة والأمل فأجبته: “ياسين راني في حصلة كبيرة”، ثم رويت له سبب قلقي. فكر لوهلة ثم قال لي بصوت منخفض: “سأعطيك رقم علي فضيل، اتصل به في حدود الساعة التاسعة عله يجد لك حلا”.
لم يسبق لي وأن تعاملت في السابق مع علي فضيل، مدير مجمّع الشروق، التقيه مرة أو اثنتين ولم تتعد علاقتنا المصافحة، كان مسؤولا كبيرا في أكبر مجمع إعلامي في الجزائر، كان واحدا من الإعلاميين المخضرمين الذين عايشوا فترة الإعلام الحكومي ثم فترة بزوغ الإعلام الخاص ولم أكن أنا سوى شاب مبتدئ في عالم الصحافة.
لم أقو على الصبر لغاية الساعة التاسعة، كلمته في حدود الساعة الثامنة إلا الربع صباحا، وبعد رنتين، سمعت صوتا يحيني: “آلو السلام عليكم”، إجابتي كانت بسرعة البرق: “سلام سي علي فضيل، آسف على الإزعاج في وقت مبكّر، أنا عثمان طايبي صحفي في قناة فرانس 24، أنا هنا في الجزائر لتغطية نهائي كأس الجزائر، أنا في ورطة حقيقية لأن المصور الذي اتفقت معه لا يرد ولدي مواعيد عدة بهدف إنجاز روبورتاج عن “الديربي”، فهل هناك إمكانية أن تساعدني من فضلك وأن توفر لي مصوّرا من قناة الشروق؟! صمت لبضع ثوان، ثوان مرت علي كأنها أسابيع أو شهور أو بالأحرى سنوات. ثم أجاب: “هل هذا رقمك؟” فقلت: “نعم إنه رقمي الفرنسي استعمله إلى غاية شراء شريحة محلية”. ثم قاطعني مسرعا: “سأرى ما بإمكاني القيام به ثم أعاود الاتصال بك على هذا الرقم”.
صراحة إجابته لم تقنعني، كيف لمالك مجمع الشروق أن يرى ما يمكنه القيام به لمساعدتي؟!!! فما عليه سوى إعطاء أمر حتى يوفر لي مصوّرا.
حالتا الغضب واليأس التي كنت فيهما جعلتاني أتخيل سيناريوهات كثيرة.. سوف لن يعاود الاتصال بي، قد لا يرد مجددا على مكالماتي، قد يتجنب أي شبهة قد تجعل منه عرضة لانتقادات ألفتها في الجزائر عندما يتعلق الأمر بقناة أجنبية عموما وفرنسية على وجه الخصوص.
وأنا منهمك في إعداد سيناريوهات سلبية وأبحث في ذات الوقت عن حل آخر قد يخرجني من هذا المأزق، رن هاتفي مجددا، إنه علي فضيل: “أهلا، لا تقلق، ستقوم بمهمتك، اصعد حالا لمقر القناة في حيدرة، ستجد مسؤولة الموارد البشرية في انتظارك، هي على علم بكل شيء وستوفر لك مصوّرا وكل الدعم اللوجيستيكي”.
أخذت السيارة مسرعا واتجهت لمقر الشروق في حيدرة، وجدت السيدة في انتظاري وعلى علم بكل شيء، وحتى سعر الخدمة كان مدوّنا على العقد الذي أمضيته في خمس دقائق. خرجت من هناك رفقة مصوّر ذي كفاءة وأخلاق عالية اسمه زياني، رافقني لقرابة الأسبوع قمنا من خلاله بتصوير روبوتاج عن تاريخ الديربي وضمنا سويا تدخلات من الملعب ومن أحياء باب الوادي وسوسطارة وساحة أودان قبل وأثناء وبعد اللقاء.
فهذه هي المرة الأولى والأخيرة التي تعاملت من خلالها مع المرحوم علي فضيل الذي أنقذني ذات يوم من مأزق حقيقي دون أن يعرفني.
رحمة الله على الأستاذ علي فضيل وأسكنه فسيح جناته وألهم ذويه جميل الصبر والسلوان.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
تعازينا الخالصة لأهله ولزملائي في مجمع الشروق في هذا المصاب الجلل.