-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
سبع سنوات على رحيل فارس الإعلام العربي ورائد الأعمال الخيرية:

علي فضيل.. قلبٌ حنون ويدٌ ممدودة بالإحسان

الشروق أونلاين
  • 336
  • 0
علي فضيل.. قلبٌ حنون ويدٌ ممدودة بالإحسان
ح.م
مؤسس مجمّع الشروق الراحل علي فضيل

في يوم 23 أكتوبر 2019، غادرنا، فجأة، الأستاذ علي فضيل، تاركا وراءه فراغا كبيرا، كحال كلّ الرجال العظماء الذين يتخطّفهم الموت وهم في قمّة العطاء، لكنّه ترك لنا أيضا مؤسسة إعلامية كبيرة ومتميزة لا تزال تحتلّ مكانة مرموقة في الجزائر والمحيط المغاربي والعربي، مؤسسة لا تزول بزوال الرجال.

الحديث عن علي فضيل يقتضي بالضرورة الحديث عن البدايات الصعبة؛ فهو لم يولد وفي فمه ملعقة من ذهب، بل شقّ طريقه المهني في وسط مليء بالأشواك والعراقيل.. انطلق من الصفر تقريبا، بدليل أنّه حينما قرّر في جانفي 1991 تأسيس أسبوعية “الشروق العربي” استغرق التحضير لها أربعة أشهر كاملة قبل أن يرى عددها الأول النور في 11 ماي 1991.

لم يكن ميلاد هذه الأسبوعية عاديا، فقد كانت تلفت انتباه كلّ من تقع عيناه عليها، من مسؤولين وقراء ومتابعين محايدين، بفضل محتواها المتفرّد الذي كان يعدّه، كل أسبوع، طاقم شاب متميز لمّا يتخرّج أغلب عناصره من الجامعة بعد.

كان علي فضيل يراهن على إنهاء الاختلال في الساحة الإعلامية التي كانت تسيطر عليها يوميات ناطقة بالفرنسية وتعبّر عن الاتجاه الفرنكفوني العلماني الاقصائي، ونجح الرهان وأعادت “الشروق العربي” التوازن إلى الساحة الإعلامية بخطها الوطني والعربي الإسلامي الأصيل والمعتدل، وباهتمامها البالغ بانشغالات المواطنين وهمومهم اليومية، واحتلت مكانة مرموقة في الساحة واحتضنتها فئات واسعة من الشعب وبلغ سحبها 335 ألف نسخة أسبوعيا.

عندما شعر الراحل علي فضيل بالحاجة إلى جريدة يومية ترجّح كفّة قراء العربية، أنشأ “الشروق اليومي” في 2 نوفمبر 2000، وكما حدث مع “الشروق العربي”، فقد احتضن القراء “الشروق اليومي” بسرعة ولهفة كبيرتين، وكبرت في وقت قياسي، وأضحت الجريدة الأولى في الجزائر والمغرب العربي وإحدى أكبر الجرائد العربية أيضا بفضل التسويق الذكي الذي قامت به واجهتها “الشروق أون لاين”.

وفي سنة 2012، سمحت السلطات بتأسيس قنوات تلفزيونية خاصة، فسارع علي فضيل إلى إنشاء “الشروق تي في” و”الشروق نيوز” ونجحت القناتان أيضا في وقت قياسي، واحتلتا الريادة وطنيا، وبلغت شهرتهما الآفاق.

نجاح علي فضيل لم يقتصر على الجانب الإعلامي المهني البحت، بل إنّه كان متميزا أيضا على الصعيد الإنساني؛ ففي “الشروق العربي” كان حريصا على نشر طلبات المساعدة التي كان يتقدّم بها الفقراء والمحتاجون من المواطنين في صفحة “مشاكل وحلول”، ولقيت المبادرة صدى واسعا.

وكانت الجريدة تنشر كل أسبوع ما يصلها من مساعدات موجّهة للمحتاجين في ركن “وأمّا بنعمة ربّك فحدّث” حرصا على الشفافية والنزاهة. ثم توسّع العمل الخيري ليبلغ الآفاق مع حصة “وافعلوا الخير” في “الشروق نيوز”، ومع حصص أخرى حرص فيها المرحوم على دعم الأطفال حفظة القرآن الكريم وتكريمهم وتشجيعهم، كما دعم المرحوم بعض أرامل الشهداء وأطفالهم في غزّة بما تيسّر له، وبعث “الشروق نيوز” للمشاركة في فكّ الحصار الصهيوني عن القطاع.

اليوم، نستحضر، في الذكرى السابعة لوفاته، بشهادات من عايشوه في المؤسسة، أعمال المرحوم علي فضيل الخيرية ومواقفه الإنسانية مع الزملاء والمرؤوسين وعموم المواطنين البسطاء، لنستلهم من الوجه الآخر للفقيد الدروس والعبر.

ياسين فضيل / مدير مجلة “الشروق العربي”
علي فضيل.. وقصة “الخوافي للخوافي“

شاء الله أن أكون أول وآخر من يفتح عليه علي فضيل عينيه في آخر أيامه في هذه الدنيا…

لنتوقف برهة من الزمن لنطوف حول مصاف الراحل في حياته الخيرية بعيدا عن القلم والحبر ونشر الخبر ونقله بالصوت والصورة..

فبحكم  قربنا في كل شيء.. أقول لم تمر بيننا ساعة او ساعتين من دون اتصال او تواصل اذا تعذر التحدث معا هاتفيا ..

مرت على الراحل أزمة ومحنة وتضييق من كل جانب.. كان كلما اشتدت المحن ناداني بصوت فيه حشرجة التعب..!

قال لي: أين أنت؟ تعال إلي، أريدك مستعجل..

من حسين داي إلى القبة بضاحية Jolie vue..كان الطريق طويلا.. قلت في نفسي أقوالا ودارت في ذهني أفكار وأفكار كلها تنتهي بعلامة استفهام كبيرة كبر ما حمله علي فضيل من متاعب وأثقال فوق أثقال لتنوء بها الجمال والجبال من ثقلها..

لما وصلت مكتبه وجدت واقفا ينتظر.. وأخرج من درج مكتبه غلافا بريديا به مبلغ من المال.. وقال لي وزعه على من تعرف من اليتامى.. فقلت له اليتامى أم المحتاجين؟ فكررها أقول لك اليتامى …

خرجت مسرعا.. وقصدت من اعرف من اليتامى الذين أدهشوني بقولهم “هذاك أبونا”…

اما عن مسجد “عائشة” في ديار البحري بالبليدة والقصة يعرفها أهل المنطقة.. ففي زمن الصيف وحرارته وما أدراك ما حرارة البليدة، اتصل بي احد رواد المسجد المذكور لحاجتهم للمبردات.. فاتصلت بعلي فضيل  مباشرة في حضرة رواد المسجد ونقلت له حاجة المسجد للمبردات.. كان ذلك 2008.

والحق الحق أقول ان الراحل اعطاني 50 مليون سنتيم كلها اشتروها مبردات لطابقين للمسجد المذكور..

الجميل في الأمر ان هذه المبردات ظلت تشتغل من دون عطب إلى وفاة الراحل.. عاود الاتصال بي مرتادو المسجد أن المبردات تعطلت لسبب ما..

قلت في نفسي.. ما قلت.. لكن في رؤية منامية قال لي الراحل “يمشو بإذن الله”

سبحان الله… مرت الأيام واتصل بي نفس معتادي المسجد انه تم تصليح العطب وكل المبردات عادت تشتغل…

مرة وانا مع الراحل في غبش الليل وفي ساعة متأخرة من الليل في مكتبه قال لي: متاعب الدنيا هذه يجب ان تقابلها بالخوافي والصدقة، خاصة على اليتامى..

..رحل الرجل وبقي الخير يسري ويجري وراءه

واسعداه.. من ترك أثرا حميدا به بكون طيب الذكر..

محمد مشقق / صحفي سابق بـ”الشروق تي في”
علي فضيل.. سيرة رجل عاش للآخرين

تبقى بعض الشخصيات حاضرة في الذاكرة مهما مرت السنوات على رحيلها، ليس فقط لأنها أسست مؤسسات كبيرة أو حققت نجاحات لافتة، بل لأنها تركت في نفوس من عرفوها أثرا طيبا وذكريات لا تمحوها الأيام. وفي ذكرى رحيل الأستاذ علي فضيل، رحمه الله، لا أستحضر فقط صورة الإعلامي الذي أسس صرحا إعلاميا بارزا في الجزائر، وإنما أتذكر الإنسان المتواضع، صاحب القلب الكبير، الذي ظل وفيا لأصالته الجزائرية، مؤمنا بأن قيمة النجاح لا تقاس بما يحققه الإنسان لنفسه، وإنما بما يقدمه للآخرين.

بدأت علاقتي بجريدة “الشروق العربي” منذ الطفولة، حين كان أخي الأكبر يشتريها بانتظام، فأجد نفسي مشدودا إلى صفحاتها وأركانها التي صنعت جزءا من ذاكرة جيلنا، مثل «منشاريات» و«صيحة السردوك» و«فضوليات» وغيرها من الزوايا التي منحت الجريدة نكهتها الخاصة. يومها، لم أكن أتخيل أن علاقتي بتلك الجريدة التي كنت أقرؤها بشغف ستقودني، بعد سنوات، إلى العمل داخل المؤسسة التي لطالما حلمت بالانتماء إليها.

في نوفمبر 2014، تحقق ذلك الحلم، وكان لقائي الأول بالراحل علي فضيل في مكتبه بمقر مجمع “الشروق” بحيدرة، قبل انتقاله لاحقا إلى القبة. كنت شابا في بداية مشواري الإعلامي، أملك خبرة محدودة وطموحا كبيرا، وأتوجه إلى مقابلة عمل يرافقني فيها شيء من الارتباك الطبيعي.

بمجرد وصولي إلى مكتبه، وجدته واقفا عند الباب في استقبالي، في مشهد لم أنسه إلى اليوم. سألني عن دراستي وتجربتي المهنية السابقة، وبذكائه وروحه المرحة استطاع أن يبدد توتري منذ اللحظات الأولى.

غير أن أجمل ما حدث في ذلك اللقاء كان حين أخرجت من محفظتي قطعة قديمة من الطراز اليدوي، تعود إلى بداية التسعينيات. كانت والدتي، رحمها الله، قد نسجتها بألوان شعار “الشروق” لأخي الأكبر، الذي كان يرغب في المشاركة في مسابقة نظمتها الجريدة لتمثيل شعارها بالرسم أو الطرز أو النسج. احتفظت العائلة بتلك القطعة سنوات طويلة، وظلت بالنسبة لي ذكرى عزيزة من يدي أمي.

أخرجتها أمام علي فضيل، ورويت له قصتها. أمسكها بين يديه، تأملها باهتمام، ثم قال لي مازحا إن ثمن قبولي للعمل في “الشروق” هو التنازل عن ذلك الطرز! أجبته بصراحة أن الأمر صعب، لأنها ذكرى غالية من والدتي رحمها الله.

ابتسم طويلا، وقال لي بروحه المرحة وذكائه المعهود إن مكان الطرز هو بيتي، حتى تظل ذكرى الوالدة محفوظة، أما مكاني أنا فهو داخل مؤسسة “الشروق”.

من ذلك اليوم بدأت رحلتي المهنية في “الشروق”، وهو ما مثل بالنسبة لي إنجازا كبيرا، مثلما كان حلما لآلاف الشباب الذين كانوا يتطلعون إلى العمل في مؤسسة إعلامية بهذا الحجم.

مع مرور الوقت، توطدت علاقتي بالراحل، وجمعتنا لقاءات عديدة رفقة الحاج رشيد فضيل وبقية أفراد العائلة. وهناك اكتشفت جانبا آخر من شخصيته، ربما لا تكشفه المناصب ولا الأضواء، اكتشفت علي فضيل الإنسان الذي كان يرى في العمل الإعلامي مسؤولية اجتماعية، وفي مساعدة المحتاجين واجبا لا يقبل التأجيل.

كان يتابع باهتمام برنامج «وافعلوا الخير»، وكان يراه مشروعا إنسانيا يستحق أن يتحول إلى عمل خيري منظم ومستمر. ومن هذا التصور جاءت مؤسسة “الشروق” الخيرية، التي أعلن عن تأسيسها في احتفالية كبيرة حضرها عدد من الفاعلين في مجالات العمل الخيري والفن والإعلام والاقتصاد، وكان الراحل في مقدمة الحاضرين.

أتذكر كلمته في تلك المناسبة، حين أكد أن “الشروق” تفتح ذراعيها لكل الناشطين في ميدان الخير والمجتمع المدني، وأنها ستوفر كل الإمكانات التي يحتاج إليها فريق المؤسسة. كانت تلك الكلمات التزامات سعى إلى تجسيدها على أرض الواقع.

انطلقنا بعد ذلك، رفقة الحاج رشيد فضيل والشيخ فزازي بغدادي، في فتح مقر المؤسسة وتوسيع الفريق الصحفي والإداري، لتبدأ تجربة جديدة هدفها الوصول إلى الفقراء والمحتاجين ومرافقة الحالات الإنسانية في مختلف ولايات الوطن، وفق رؤية واضحة ومنظمة.

كان علي فضيل يتابع عمل المؤسسة والبرنامج باستمرار، ويسأل عن التفاصيل، ويتدخل لتذليل الصعوبات التي تعترضنا، سواء تعلق الأمر بتصوير الحصص وبثها، أو بتنظيم التنقلات إلى مختلف مناطق البلاد للوقوف على أوضاع العائلات المحتاجة. وكان يتأثر بشدة بالحالات الإنسانية، خاصة تلك التي تخص الأطفال، ويتكفل بعدد من الحالات التي مرت عبر البرنامج، من دون علم أحد.

وكان يقول إنه ابن الجزائر العميقة، وإن ما حققه من نجاح ليس ملكا له وحده، وإنما هو ملك لكل الجزائريين. ولعل هذه العبارة تلخص جانبا مهما من فلسفته في الحياة، أن النجاح الحقيقي لا يكتمل إلا حين يعود بالنفع على المجتمع الذي احتضن صاحبه ومنحه فرصة الصعود.

من المواقف التي ستظل راسخة في ذاكرتي أنني تواصلت معه ذات مرة بشأن شخصية معروفة، وجدت نفسها في ظروف قاسية، بعد ما فقدت عملها ولم يعد لديها مسكن يأويها.

لم يتردد علي فضيل، ولم يطلب مني إعداد ملفات طويلة أو انتظار إجراءات معقدة. استجاب مباشرة، دعاني لمكتبه، وأخبرني بقراره، بأن تتعاون تلك الشخصية مع “الشروق” مقابل أجرة شهرية محترمة، وأن يتكفل بماله الخاص بكراء مسكن لها. ولم يكتف بذلك، بل تكفل بتأثيث البيت كاملا.

كانت مبادرة إنسانية ولفتة طيبة، أعادت إلى إنسان كرامته وشعوره بالأمان، وفتحت أمامه بابا جديدا للحياة والعمل، وهذه الشخصية هي الآن شخصية مرموقة في المجتمع. ما بقي في ذاكرتي من تلك الحادثة ليس حجم المساعدة التي قدمها الراحل، وإنما سرعة استجابته، وغياب التردد، وابتعاده عن طلب الأضواء أو انتظار الثناء.

وفي إحدى المرات، حدثني عن دوافعه إلى فعل الخير، فأخبرني أنه يؤمن بأن الخير ينجي صاحبه، وأنه يرجو من الله أن يرزقه ذرية صالحة، وأن يجعل ما يقدمه صدقة جارية عن والديه عائشة والمسعود، رحمهما الله.

كان حديثه يكشف عن قناعة راسخة بأن المال والمسؤولية والنجاح ليست غايات في حد ذاتها، وإنما وسائل يستطيع الإنسان من خلالها أن يترك أثرا طيبا في حياة الآخرين.

امتد اهتمام الراحل بالعمل الخيري إلى البرامج الدينية والتربوية الهادفة. وكان له دور بارز في إطلاق مسابقة «الماهر بالقرآن الكريم»، التي ارتبطت بشهر رمضان، ومسابقة السنة النبوية في شهر المولد النبوي الشريف، في تجربة تلفزيونية هي الأولى من نوعها، خصصت للتنافس في حفظ سنة المصطفى، صلى الله عليه وسلم، والتعريف بها.

خصص لهذه البرامج إمكانات مالية وتنظيمية معتبرة، واستقطبت المسابقتان آلاف المشاركين، مع رصد جوائز مالية مهمة للفائزين بالمراكز الأولى. ولم يكن اهتمامه مقتصرا على توفير الميزانية، بل كان يحرص على متابعة مراحل المسابقتين، وحضور استقبال المتسابقين والسهرات الختامية.

كما كان له دور في متابعة ورعاية مسابقة «مزامير داوود»، التي يقدمها الإعلامي رضوان حسين، والتي اتسع انتشارها لاحقا. وإلى جانب ذلك، حرص الراحل على دعم برامج مفيدة، لاسيما خلال شهر رمضان، حتى عندما لم تجد رعاية من المعلنين، انطلاقا من إيمانه بأن بعض الأعمال تستحق أن تستمر لقيمتها التربوية والاجتماعية، لا لمردودها التجاري وحده.

ولم تكن هذه المبادرات منفصلة عن رؤيته للإعلام؛ فقد كان يرى أن المؤسسة الإعلامية لا ينبغي أن تكتفي بنقل أخبار المجتمع، بل عليها أن تسهم في خدمته، وأن تمنح مساحة للقيم النبيلة، وأن تستخدم إمكاناتها في تخفيف معاناة الناس وإحياء الأمل في نفوسهم.

حكايات علي فضيل، رحمه الله، أكثر من أن يحصيها مقال، ومواقفه الإنسانية أكبر من أن تختصرها شهادة واحدة. وما أرويه اليوم ليس سوى جزء مما عرفته وعشته معه، وما شهدته من مبادراته في العمل الخيري، ومن اهتمامه بالشباب، ومن حرصه على أن تكون مؤسسة “الشروق” مساحة للعمل والعطاء، وأيضا مكانا للوظيفة والارتقاء المهني.

منح الراحل علي فضيل الفرصة لآلاف الشباب لدخول عالم الإعلام وتحقيق طموحاتهم، وكان كثير ممن بدأوا مسيرتهم داخل الشروق جزءا من المشهد الإعلامي الجزائري، ومنهم من أصبح اليوم من الوجوه المعروفة، ومنهم من أسس مؤسسات إعلامية خاصة به. وتلك أيضا صورة من صور الخير؛ أن تفتح بابا لشاب، وتمنحه الثقة، وتساعده على اكتشاف قدراته، ثم تتركه يمضي في طريقه ليصنع نجاحه الخاص.

أما أنا، فستظل صورة ذلك اللقاء الأول حاضرة في ذاكرتي: مكتب في حيدرة، وقطعة طرز قديمة بألوان الشروق، وذكرى والدتي رحمها الله، ورجل اختار أن يحتفظ لي بذكراي العائلية، وأن يمنحني في المقابل فرصة تحقيق حلم مهني طالما راودني. وكلما تذكرت ذلك الموقف، أدركت أن بعض الناس لا يتركون أثرهم بما يقولونه فقط، بل بما يفعلونه في اللحظات الصغيرة التي قد تبدو عابرة، لكنها تبقى في القلب عمرا كاملا.

رحل علي فضيل، وسيرته الإنسانية والخيرية تظل حاضرة في ذاكرة من عرفوه، وفي حياة من امتدت إليهم أياديه، وفي مسارات الشباب الذين منحهم فرصة البداية، وفي المشاريع التي آمن بها وسعى لتحويلها إلى واقع. فبعض الرجال لا تنتهي حكايتهم برحيلهم؛ لأنهم يتركون في حياة الآخرين ما يكفي لتظل أسماؤهم حاضرة، وذكراهم حية، وأعمالهم شاهدة على أن أجمل ما يتركه الإنسان وراءه ليس ما جمعه لنفسه، بل ما منحه للآخرين.

محمد يعقوبي:
علي فضيل…
مدرسة الأفكار والأفعال 

كلما طُلب مني الكتابة عن المرحوم علي فضيل، تتبعثر كلماتي، ولا أعرف من أين أبدأ الحديث عن رجل اتسعت أحلامه حتى ضاقت بها الكلمات. كيف أختصر سنوات من العِشرة والعمل، وكمًّا هائلا من الذكريات والمواقف، وفضلًا ترك أثره في مساري المهني وفي ذاكرة جيل من الصحفيين؟

قلت في مناسبات سابقة إن ثلاثة من كبار الصحفيين في الجزائر كان لهم فضل خاص عليّ، فتحوا لي الأبواب وأخذوا بيدي وأسهموا في تشكيل تجربتي المتواضعة في عالم الصحافة.

الأستاذ عبد الله قطاف، أطال الله في عمره، آمن بموهبتي وعزز ثقتي وجعلني أكتشف نفسي. والأستاذ بشير حمادي، رحمه الله، كان يصحح أخطاءنا بالقلم الأحمر، فتعلمت معه قواعد المهنة وأبجديات الصحافة. أما علي فضيل، رحمه الله، فقد منحني من الثقة والفرص، ما تجاوز أحيانًا حدود ما كنت أستحقه وقتها.

كنت يومها ذلك الفتى الغضّ العود، القادم من الريف، يبحث عن حلمه وسط كومة الفوضى الإعلامية، ووسط طوابير طويلة من الحالمين مثله بالصحافة.

جعلني علي فضيل رئيسًا لتحرير “الشروق”، رغم وجود من هم أقدم مني تجربة وأكثر مني خبرة، ووضع بين يدي مسؤولية مرعبة لأي شاب قليل الخبرة كثير الطموح. ثم رافقني بلطف وعناية قرابة عشر سنوات كرئيس للتحرير، رفقة فريق شاب يعج بالطموح والطاقة والاندفاع. عشنا خلالها مرحلة استثنائية في مسارنا الإعلامي وصنعنا فيها، بمعية طاقم شاب ومتفانٍ، مجد “الشروق”، حتى أصبحت الجريدة الأولى عربيًا وإفريقيًا، وتجاوز توزيعها عتبة المليون نسخة يوميًا، إنجاز ظل، أشبه بحلم لا نكاد نصدق أننا عشنا تفاصيله حتى اليوم.

كان علي فضيل رجلًا حالما لا يعترف بالمستحيلات. يرى الفكرة في مهدها مشروعًا قابلًا للحياة، ثم يلاحقها بإصرار حتى تصبح واقعًا. لم يكن ينتظر الظروف المثالية، بل يصنع من الإمكانات المتاحة طريقًا نحو أهدافه. وكان قارئًا جيدًا للجمهور، يدرك أن نجاح الصحيفة تصنعه الأفكار قبل الأخبار والجرأة المدروسة والقدرة على التجدد، والابتكار، وكان رحمه الله يقول لي… لا أحد سواي أنا وأنت يعرف خلطة نجاح الشروق. فلا تخبر أحدا ! كان ذلك الإطراء يمدني بطاقة عجيبة من العمل، تجعلني مثل الماكنة، أصل الليل بالنهار من أجل ألا أخيب ظنه.

لكن ما بقي في نفسي من هذا الرجل الكبير، يتجاوز أرقام التوزيع والنجاحات المهنية. فقد كان يؤمن بأن الصحافة رسالة ومسؤولية وأثر، وأن للمؤسسة الإعلامية دورًا في حفظ الذاكرة الوطنية والاحتفاء برجالات الجزائر وعلمائها والوقوف إلى جانب قضايا المجتمع والأمة.

أستحضر باعتزاز تبنيه ودعمه لمشروع تكريم العلماء، الأحياء منهم والراحلين. فقد استطعنا، بفضل الله، تكريم ما لا يقل عن خمسة وثلاثين عالمًا، وكنت أشرف شخصيًا على اختيار الأسماء وتنظيم التكريمات وإخراجها صحفيًا، كتابةً وتصويرًا.

من بينهم عبد الرحمن الجيلالي، وعبد القادر شارف، ولكحل شرفاء، وشيبان، ومهري، وشريف قاهر، وآيت علجت، ومحمد فارح، ومأمون القاسمي، ومالك بن نبي، ومولود قاسم نايت بلقاسم، وغيرهم من الأعلام الذين يستحقون أن تحفظ الأجيال آثارهم. وكان للصديق تومي عياد الأحمدي دور مهم في طباعة كثير من هذه الشهادات والكتب، التي حرص علي فضيل على أن يدخل بها صالون الكتاب.

كان الرجل يدرك أن مثل هذه المبادرات ليس لها أي مردود مالي، بل كان يراها واجبًا تجاه التاريخ والعلم والعلماء، ووفاءً لرجال أفنوا أعمارهم في خدمة الجزائر.

وكان الإيمان نفسه حاضرًا في مواقفه تجاه فلسطين وغزة. فلا أنسى دوره في تأسيس اللجنة الشعبية لدعم غزة، التي ضمت شخصيات وطنية من بينها عبد الحميد مهري ولخضر بورقعة، رحمهما الله، وكانت المجاهدة جميلة بوحيرد، أطال الله في عمرها، رئيسة شرفية لها.

وأستعيد باعتزاز العدد الخاص الذي أصدرناه عن غزة عقب حرب 2009، ووزعنا منه مئات الآلاف من النسخ، وعادت أرباحه إلى أيتام القطاع. كما تبرع علي فضيل بسيارة إسعاف ضمن أول قافلة إغاثة تدخل غزة.

لم تكن تلك مواقف عابرة، بل تعبيرًا عن إيمان بأن الصحافة تستطيع تجاوز حدود الكلمة إلى الفعل، وأن يكون لنجاحها معنى إنساني يتجاوز أرقام المبيعات وحسابات السوق.

وفي داخل “الشروق”، حرص علي فضيل على بناء روح عائلية جمعتنا حول مشروع واحد، قوامه الثقة والتنافس وتحمل المسؤولية. كانت تلك الروح تمنحنا طاقة استثنائية، وتدفعنا إلى تجاوز المتوقع، رغم محدودية الإمكانات وضخامة التحديات. وكثيرا ما كان رحمه الله يقودنا في طابور من السيارات، لنزور والده الحاج المسعود في بير غبالو أين كان يغمرنا بكرمه، رحمه الله.

أتذكر زيارة الإعلامي المصري الراحل حمدي قنديل إلى الجريدة، حين أخبرناه بأن توزيع “الشروق” تجاوز المليون نسخة يوميًا، فلم يصدق الرقم، إلى أن أطلعه عمنا محمد زلاقي على فواتير الطباعة، فتأكد من أنه أمام حقيقة ماثلة للعيان، وهو القادم من أم الدنيا، حيث لم يكن يتجاوز طبع الأهرام حينها 350 ألف نسخة يوميا. وليتجاوز قنديل هذا الحرج النفسي معنا، مازحنا بقوله… نحن في مصر نقرأ الكتب وأنتم تقرؤون الصحف!

لم يأت ذلك الإنجاز من فراغ، فقد استثمر علي فضيل في الرياضة والثقافة، واهتممنا بحوليات البكالوريا، واحتفينا بالعلماء، واشتغلنا على الأعمال الخيرية، وخضنا منافسة يومية شرسة من أجل السبق الصحفي. صنعت تلك التجربة منا إعلاميين أكثر نضجًا، ومهّدت الطريق لتأسيس قناة “الشروق” التلفزيونية مطلع عام 2012.

كان إطلاق القناة امتدادًا لرؤية رجل لم يعتبر نجاح الجريدة نهاية الطريق، بل بداية لأحلام جديدة. وهكذا تحولت الخبرة الصحفية والجمهور والثقة المتراكمة إلى مشروع تلفزيوني واعد، أصبح من المؤسسات البارزة في المشهد السمعي البصري الجزائري.

حين أستعيد تلك السنوات، لا أتذكر الأرقام وحدها، بل الوجوه والليالي الطويلة والقرارات الصعبة والضغط النفسي والفرح الذي كان يعقب كل إنجاز. أتذكر رجلًا منحني كل الثقة، وفتح الأبواب أمام الجميع، واحتضن المواهب، وأتاح لكثير من الصحفيين اكتشاف قدراتهم وصناعة مساراتهم المهنية.

قد تختلف التقييمات حول الأشخاص والتجارب، لكن الوفاء يقتضي أن نعترف بالفضل لأهله، وأن نحفظ للرجال إسهاماتهم بإنصاف. فالذاكرة المهنية ليست سجلًا للمناصب والرواتب والمعاشات والأرقام فحسب، بل ذاكرة أيضا للأيادي التي امتدت إلينا فساعدنا وفتحت أمامنا الأبواب، حين كنا نخطو خطواتنا في أول الطريق.

أما أنا، فأجدني مدينًا لعلي فضيل بالفرص التي منحني إياها، والثقة التي وضعها فيّ، والتجربة التي صنعت جزءًا أساسيًا من حياتي المهنية المتواضعة. وربما لهذا أعجز كلما كتبت عنه، لأن بعض الرجال لا تختصرهم الكلمات، ولأن الحديث عن فضلهم يستدعي من الذاكرة أكثر مما يستطيع القلم تحمله.

رحم الله علي فضيل.

بشير فريك:
الوجه الإنساني الخيري في حياة علي فضيل، رحمه الله 

تحلّ الذكرى السابعة لانتقال الأخ الصديق والإعلامي المتميز علي فضيل طيب الله ثراه إلى جوار ربه، وإن رحل عن الفانية، فإن ذكراه وأثره مازالت باقية ماثلة لدى كل من عرفه وتعامل معه منذ الطفولة إلى الدراسة وسنوات التألق الإعلامي في الصحافة العمومية، قبل أن يقتحم الإعلام المستقل مع التعددية السياسية التي رافقتها التعددية الإعلامية بإنشائه أسبوعية “الشروق العربي” التي برزت كظاهرة إعلامية متميزة في الساحة الوطنية والعربية بسحب قياسي آنذاك، لتليها الشروق اليومي التي استطاعت أن تحتوي المشهد الإعلامي الوطني وحتى العربي في ظرف زمني قصير.

وعلى ضوئها اقتحم الراحل علي فضيل رحمه الله عالم السمعي، البصري من خلال القنوات التلفزيونية (الشروقية) حيث كان السباق إلى ذلك في الجزائر، مشكلا ما يعرف بمجمع الشروق الذي كان فعلا إشراقا إعلاميا وثقافيا وفكرياً وسياسيا ورياضيا ومازال يقاوم عواصف ومطبات المحيط والمهنة بفضل تضحيات الشباب من الصحافيين والصحافيات والفنيين والإداريين الذين ظلوا أوفياء للمؤسس والأب الروحي للمجمع الراحل علي فضيل، الذي غرس فيهم روح التضحية والمهنية العالية، وقبل ذلك كرس البعد الخيري الإنساني والاجتماعي في أعمال المجمع، المستمد مما كان يتسم به المرحوم من عمل الخير في حياته اليومية الشخصية كما يشهد على ذلك جل من عرفه.

عرفت علي فضيل عندما زارني في ولاية وهران سنة 1996 رفقة الأخ الصديق سعد بوعقبة- أطال الله في عمره- ثم تعمقت العلاقة تدريجيا إلى الصداقة عندما كنا نلتقي يوميا بمكتبه بمعية مجموعة من الإعلاميين منهم سعد بوعقبة، بشير حمادي رحمه الله، وعبد الله قطاف، وآخرون، وذلك بهدف إطلاق جريدة “الشروق اليومي”، وكنت وقتها قد غادرت وظيفة الوالي في 1999، إلا أنني ولظروف شخصية فضّلت الانسحاب من مشروع الشراكة، حيث حاول سي علي فضيل إقناعي للمواصلة معهم دون، إلا أنني اعتذرت له اعتذار تفهم أسبابه، وفي أثناء تعرضي لمؤامرة السجن، وفي الوقت الذي انخرطت الكثير من الأقلام الإعلامية المأمورة المأجورة في حملة قذرة ضدي بأوامر سلطوية، وقفت الشروق اليومي وقفة مهنية مشرفة محاولة تحري الحقيقة وكشفها، متعاطفة معي عندما تأكدت من وجود مؤشرات التآمر ضدي خاصة خلال التغطية للمحاكمات الصورية التي كشفت المستور.

علي فضيل طيب الله ثراه، لا يمكن الحديث عنه في الذكرى السادسة لرحيله دون استحضار الجوانب الإنسانية الخيرية في شخصيته، والبداية من اللفتة الإنسانية الصادقة إزاء عائلتي، ذلك أنني كلفت ابني الأكبر عادل للاتصال به في مقر الجريدة لأمر إعلامي وكنت على شهر من مغادرة السجن، يروي الابن أنه بعد استقباله بالأحضان كعادته في كل مرة يزوره والتجاوب مع موضوع الزيارة إيجابا، وهو يتأهب للمغادرة مد المرحوم علي فضيل يده إلى الدرج فأخرج مبلغا ماليا محترما وسلمه له، قائلا: والدك سيخرج من السجن وسيكون لديكم زوار كثر، فاستعينوا بهذا المبلغ، طبعا الابن اعتذر شاكرا لهذه اللفتة الطيبة الصادقة من إنسان صادق، والتي لا تصدر إلا من رجل متشبع بقيم الخير والتعاطف مع الغير.

ولأن سي علي فضيل- ألف ألف رحمة على روحه الطاهرة- يمثل قيم الإنسانية من التواضع وعمل الخير ومساعدة من يرى أنه يحتاج للمساعدة، ويبادر إلى كل عمل فيه الخير مهما كان، فقد فضلت التواصل مع السيد محمد زلاقي أهم الأعمدة الإدارية لـ”الشروق” منذ بداياتها لإبداء شهاداته حول الجوانب الإنسانية الخيرية في شخصية عميد الإعلام الوطني المستقل الذي رحل عنا وهو في أوج العطاء، حيث يقول:

قضيت سنوات طويلة مع المرحوم علي فضيل كمدير للإدارة، وما يمكن تسجيله بداية، أن سي علي كان في قمة التواضع، بحيث لم يضع نفسه يوما موضع مدير أو مسؤول، فهو يتعامل مع الجميع معاملة الأخ الكبير، بل يعتبر نفسه بمثابة عامل مثل الآخرين صحافيين أو إداريين، مما أكسبه الاحترام والتقدير لدى أسرة الشروق منذ كانت في المهد إلى أن أصبحت مجمعا كبيرا له مكانته المتميزة في المشهد الإعلامي الوطني.

فسي علي كان رجل خير ولا يمكن إنكار أو تجاهل ذلك، حيث إنه بحسب علمي لم يحدث أن رفض طلب مساعدة من أحد المنتسبين للمؤسسة، سواء في شكل مساعدة مباشرة أم قرض دون تردد، سواء بسبب الزواج أم دفع أقساط السكن أم ختان أم مرض، كان هو السند لمن لا سند له وولي من لا ولي له، فالكل عنده كانوا بمثابة الأسرة أو العائلة الواحدة.

لقد ساعد الكثير من العائلات المعوزة في تسديد ديون كراء وتأجير المنازل، مما فتح أبواب الرحمة على المحتاجين الذين مازالوا يدعون له بالرحمة والمغفرة، وإن شاء الله تقبل دعاواهم.

لم ينحصر العمل الخيري للمرحوم علي فضيل في محيط مؤسسته وعمالها، بل كان يتولى سنويا وخلال شهر رمضان المبارك بانتقاء العديد من المدارس القرآنية، ويغدق على حفظة القرآن الكريم فيها بجوائز تشجيعية معتبرة وقيمة، مما شجع التلاميذ وأولياءهم على المواظبة على التعليم القرآني وتخرج أفواج من حفظة كتاب الله على أسس سليمة عصرية وفق المنهج والمذهب المالكي المتبع في المغرب العربي والجزائر خصوصا.

كانت مساهماته الخيرية في بناء وتجهيز المساجد عبر العاصمة وخارجها من سمات عمله الخيري الدؤوب، فكان لا يرد أبدا جمعية مسجدية تلتمس الدعم والمساعدة، حيث يذكر سي محمد زلاقي، وهو مدير إدارة المجمع، أن أحد المساجد اتصلت به جمعيته فلم يتردد في منحه شيكا بمبلغ كبير ساهم في إنجازه، وعندما أتم البناء سلمه شيكا واتجه إلى مؤسسة “سامسونغ” واقتنى المبردات الكافية، بحسب مساحة المسجد وعدد المصلين فيه، وهي لحد الآن شغالة، نتمنى أن تكون له في ميزان الحسنات وصدقة جارية.

وإيمانا منه بدور العلم والعلماء فقد دأب سنويا وخلال الشهر الفضيل على تكريم العلماء بجوائز ومبالغ مالية محترمة، أسبوعياً لخلق حركة ثقافية علمية تنافسية في الوسط الثقافي العلمي.

هذه عينات من أعمال علي فضيل الخيرية بحسب شهادة أحد إطارات المجمع، السيد محمد زلاقي المتقاعد حاليا. والأكيد أن هناك أعمالا خيرية أخرى، قام بها في مواقع مختلفة غير معروفة، فهو كتوم في عمله الخيري، حيث إنني لم أسمع منه يوما أنه صرح بخدمة أو مساعدة قدمها لأي كان شخصا أو هيئة عامة دينية أو اجتماعية.

وعلى الصعيد المهني الإعلامي، نسجل للمرحوم علي فضيل تلك المواقف الرجولية الإنسانية المشرفة إزاء بعض الإعلاميين المعروفين الذين كانت السلطة في عهد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة غير راضية عن أدائهم المتسم بالانتقاد الشديد للسياسات العامة وبعض التجاوزات في الأداء الحكومي، فمنعتهم من الظهور عبر قنوات التلفزيون والعناوين الورقية لمجمع الشروق وطلبت من الرئيس المدير العام للمجمع علي فضيل إبعادهم نهائياً من الحقل الإعلامي، تحت طائلة اتخاذ إجراءات ردعية ضد المجمع بمنع الإشهار أو التوقيف الخ… إلا أنه فضل الاحتفاظ بهم دون عمل مع الإبقاء على أجورهم كما هي حفاظا على كرامتهم وحفظا لقوت عائلاتهم، وقد استمر الأمر كذلك لسنوات، قبل انفراج الوضع وعودتهم من الباب الواسع بأكثر تميز وتألق في المجال الإعلامي.

ولعله من الأهمية التذكير بموقفه المشرف والإنساني إزاء إعلاميين آخرين أغلقت في وجوههم سبل العيش الكريم بعزلهم من مواقع إعلامية أو غلقها فلم يجدوا غير “الدار الكبيرة” ممثلة في مجمع الشروق الذي احتضنهم بعزة وشرف، شرف وعزة المرحوم علي فضيل الذي سيبقى رمزا من رموز الإعلام الوطني والعربي، وصورة صادقة من صور الكرم والبذل والعطاء في السر قبل العلانية فجزاه الله حسن الجزاء، وجعل مثواه مع الأنبياء والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.

أول مقدم لبرنامج “وافعلوا الخير” ومدير مركز “الشروق” للإنتاج والنشر الإعلامي سابقا
تومي عياد الأحمدي: علي فضيل… المسؤول الوحيد الذي فهم طموحاتي

كلما حلّت ذكرى رحيل الزميل والأخ والمعلم، فارس الإعلام في الجزائر الأستاذ علي فضيل، رحمه الله، إلا واختلطت في نفسي مشاعر الحزن والفخر والاعتراف بالجميل دفعة واحدة. كيف لا وأنا أعترف بأنه المسؤول الوحيد الذي فهم طموحاتي وفتح أمامي الباب واسعا للخوض في غمار الصحافة دون حدود منذ اليوم الأول لالتحاقي سنة 2008 بجريدة الشروق اليومي، بعد تجارب محدودة في منابر إعلامية أخرى.

أتذكر جيدا وبالتفاصيل يوم استقبلني في مكتبه بمقر “الشروق اليومي” بدار الصحافة بالقبة مع الأخ مختار زلاقي شقيق الرجل الفاضل محمد زلاقي مدير الإدارة والمالية، ودار حديث بيننا أعتبره محطة مفصلية في حياتي المهنية والإنسانية، ومن جملة ما قاله لي: “تابعت كتاباتك التي تنشرها في جريدة “الخبر”، وقلمك واع وسيال ولابد من أن تكون شروقيا معنا… أنا أحب الكفاءات الطموحة القادمة من العمق الجزائري مثلي”، وأعطاني إشارة الالتحاق بالجريدة من اليوم الموالي، وهو يؤكد تفجير طاقاتي بطرفته المعهودة التي تحمل في طياتها معنى الصرامة المبطنة.

وجدت نفسي في اليوم الموالي في قاعة تحرير “الشروق اليومي”، إلى جانب ثلة من الزملاء الشباب، وهم من خيرة الصحفيين الذين – وبفضل هذا الرجل – كتبوا أسماءهم بأحرف من ذهب في سجل الإعلام الوطني، وصاروا مع مرور الوقت قادة لمؤسسات إعلامية عامة وخاصة، ومناصب متقدمة في قطاع الإعلام داخل الوطن وخارجه، ويصعب علي ذكر أسمائهم لكثرتهم، فلا يكاد اسم إعلامي معرب في الجزائر إلا ومر على مدرسة “الشروق” أو “الزاوية” كما كان يسميها الأستاذ علي فضيل، رحمه الله.

في قاعة تحرير “الشروق” بقيادة الأخ العزيز والصحفي المخضرم محمد يعقوبي وثلة من المسؤولين المتمكنين أمثال رشيد ولد بوسيافة، جمال لعلامي، محمد بغالي، العربي زواق، مصطفى فرحات، سعيد جاب الخير، سميرة بلعمري، وإلى جانب صحفيين شباب كانت مسيرتي الحقيقية في مجال الصحافة المحترفة التي لا تؤمن بالعوائق ولا الصعوبات، ضمن القسم الثقافي بداية ثم توسع نشاطي إلى المساهمة الدائمة في القسم الوطني.

كنا نعمل من دون كلل، وأصبحت مؤسسة “الشروق” بيتنا الثاني الذي نتقاسم فيه حماسة التنافس لاصطياد السبق الصحفي وتحرير الأخبار والمقالات، ومن دون أن نحس وفي زمن قصير وجدنا الشروق تتصدر المشهد الإعلامي برمته في الجزائر والعالم العربي، بسحب تجاوز المليونين في حادثة أم درمان. كل هذا لم يكن من قبيل الصدفة بل برؤية قائد السفينة، الذي آمن بمؤسسته وبرسالتها فأعطاها جهده الكامل، فتنامت فروعها كشجرة مثمرة يأكل منها البشر والطير وحتى (الزواحف والقوارض والهوام). وفي رحابها وأيامها كانت لنا فرصة لقاء مئات الشخصيات الفاعلة وطنيا وعربيا ودوليا، وكذلك فرصة السفر لتغطيات صحفية داخل وخارج الوطن.

تجربة تكريم علماء الجزائر ومفكريها

من أهم المحطات التي عشتها في جريدة الشروق اليومي، تجربة تكريم علماء الجزائر، التي بدأت بفكرة ولدت في مكتب الأستاذ محمد يعقوبي وبمتابعة من الزميل رشيد ولد بوسيافة، اللذين كلفاني بأول تكريم للشيخ العلامة عبد الرحمان الجيلالي رحمه الله، قبل رحيله بأشهر، ثم الشيخ العلامة الطاهر آيت علجت والشيخ محمد شارف والشيخ بلحاج شريفي والشيخ عبد الرحمان شيبان وعشرات العلماء والمفكرين الذين تركوا بصمتهم في سجل الجزائر الحافل. وما لا أستطيع نسيانه في هذا السياق هو تشجيع وحضور الأستاذ علي فضيل في نشاط هذه التكريمات من بدايتها إلى نهايتها وكان يكرم المُكرمين معنويا وماديا، وكان يقول: “هؤلاء هم بركة البلاد، إذا أكرمناهم أكرمنا الله”، وكان يعزف أحيانا عن استقبال شخصيات هامة في حين يستقبل العلماء والمفكرين بسعادة ونبل.

علي فضيل… مهندس منشورات “الشروق”

كانت لدي تجربة في نشر الكتب قبل التحاقي بمؤسسة “الشروق”، وشاء القدر أن ترى النور مجددا بذات المؤسسة خلال الصالون الدولي للكتاب 2010، وبمحض الصدفة، فقد أخبرني آنذاك الزميل المحترم محمد بغالي وقد كان نائبا لرئيس التحرير مكلفا بالقسم الثقافي وحاليا يشغل منصب المدير العام للتلفزيون الجزائري، أن الأستاذ علي فضيل يريد توثيق المادة الإعلامية النوعية التي تنشر في الجريدة في شكل حلقات أو في شكل مقالات من خلال تحويلها إلى كتب، وقد اقترحت أن تكون أنت من يتابع وينفذ هذا المشروع بحكم تجربتك في ميدان النشر، فاستهواني الأمر بتشجيع من الأستاذ محمد بغالي والأستاذ محمد يعقوبي، وبتكفل تام ورعاية خاصة من الأستاذ علي فضيل، ورغم ضيق الوقت وصعوبة المهمة استطاعت “الشروق” أن تشارك في الصالون الدولي للكتاب 2010 بثلاثة عناوين هامة “ما بعد الرصاص… الإسلاميون والأسئلة الساخنة” للأستاذ الراحل نذير مصمودي، ودعاية الكراهية للدكتور أحمد عظيمي والنظام السياسي في الفكر العربي الإسلامي للأستاذ صالح عوض، وشاء القدر أن تحدث المشاركة ضجة إعلامية كبيرة توجت بمواصلة النشر في الطبعات التي تلتها لأقلام جزائرية وعربية هامة، وكانت تجربة نشر مذكرات العربي زبيري مثلا ظاهرة فريدة من نوعها، حيث وصلت طوابير القراء إلى خرج قصر المعارض. وبفضل الله ثم بفضل نظرة الأستاذ علي فضيل تم نشر 52 عنوانا مهما خلال خمس مواسم، ولولا الظروف المالية التي عانت منها المؤسسة بسبب الغلق الذي مورس عليها على فترات بسبب مواقفها لكانت دار “الشروق” للنشر من أهم الدور حاليا.

برنامج “وافعلوا الخير” وسخاء علي

في سنة 2012 كانت جريدة “الشروق” قد تربعت على عرش الإعلام في الجزائر، وامتدت أغصانها الممتلئة حتى صارت درعا حقيقيا يخدم الوطن والمجتمع بإيمان مجاهد، وتتواصل طموحات المؤسس علي فضيل ليخوض مغامرة جديدة غير محسوبة العواقب، من خلال تأسيس قناة الشروق في ظل عراقيل تتعلق بالبث والأهلية القانونية ونقص التجربة وندرة الكفاءات، ورغم ذلك أصبح الأمر واقعا وظهرت هذه القناة لتكون أول قناة خاصة في الجزائر تبث من الخارج، بحزمة محدودة جدا من البرامج.

ومع معركة البداية ولد برنامج “وافعلوا الخير” الذي ولد في مكتب الأستاذ الفاضل رشيد فضيل. هذا الرجل الملتزم الهادئ اقترح علي أن نصمم برنامجا خيريا فيه روح دينية بعنوان “وافعلوا الخير”، ليكون ضمن أول شبكة برامجية للقناة بعد انتهاء بثها التجريبي، وأمام العراقيل التقنية تم تصوير العدد الأول في مساحة لا تتجاوز أربعة أمتار وبإمكانيات تقنية محدودة وبمباركة وتشجيع خاص من الأستاذ علي فضيل، ليكون من أول البرامج من تقديمي التي بثت في القناة، وكم كان حجم المشاهدة والتفاعل مذهلا، حيث كان ولايزال منبرا للفئات الهشة والمحرومة التي تئن بعيدا عن أنظار المجتمع، ومع مرور الوقت تحول البرنامج إلى مدرسة للعمل الخيري، وكان الأستاذ علي فضيل رحمه الله مرافقا دائما له، مساهما من ماله الخاص في مساعدة العديد من الحالات التي كانت تظهر في البرنامج. والآن يحل الموسم الخامس عشر بعد تأسيسه ولايزال بنفس الرسالة ونفس الأهداف بعد أن تحول إلى مؤسسة خيرية متكاملة وصدقة جارية للأستاذ علي فضيل رحمه الله، ويُشكر في هذا الشأن الحاج رشيد فضيل الذي واصل المسيرة وقدم الكثير لحقل العمل الخيري في الجزائر.

كان يساعد العديد من الفنانين والمثقفين والصحفيين المعوزين في الخفاء

كانت تجربتي في إدارة مركز الشروق للإنتاج الإعلامي من وحي رؤية الأستاذ علي فضيل رحمه الله، فهو من طلب مني أن ننشئ مركزا لإنتاج البرامج توجه للبث عبر قنوات “الشروق”: “الشروق” العامة، “الشروق نيوز”، “بنة تيفي”، وجاء هذا الطرح بعد أن أثقل اقتناء البرامج من المنتجين والموزعين للمواد السمعية، البصرية كاهل المؤسسة خاصة البرامج العادية التي لا تحتاج في إنتاجها لإمكانيات كبيرة، وهي نظرة ثاقبة من الأستاذ علي فضيل، فبعد إنجاز هذا المركز تمكنا من إنتاج أكثر من 30 برنامجا موزعا على القنوات الثلاث، وهو ما صنع التنوع في القنوات ووفر مبالغ كبيرة كانت ستصرف في حالة الشراء، وصار هذا المركز صمام أمان يغطي جزءا كبيرا من مساحة البث. وكان الأستاذ علي فضيل يقول لي: ركز في الإنتاجات على الأعمال الجادة والمحافظة، فهي ليست مجرد برامج عابرة بل امتدادنا في القيم التي تربينا عليها.

هذا المركز امتد لإنتاج أعمال فكاهية ودرامية كبيرة بمشاركة أسماء لامعة، ومن الأشياء التي استوقفتني في الأستاذ علي فتحه المجال للمواهب الشابة وللفنانين المبتدئين، وأشهد أنه ساعد العديد منهم ماليا خاصة الذين يمرون بظروف مادية صعبة من دون أن يجرحهم، فكان يطلب مني أن أدعوهم للمشاركة في بعض الأعمال أو يطلب مني أن أجد لأحدهم تصميما لبرنامج أو فقرة في برنامج حتى يتقاضى أجرا مبررا. وأذكر كم من مرة قدم مساعدة في الخفاء لفنانين ومثقفين وحتى صحفيين عاطلين عن العمل أو لأسباب مرضية، وكان يحذرني من أن أخبر أحدا.

مواقف لا تنسى مع علي فضيل

توطدت علاقتي كثيرا بالأستاذ علي فضيل رحمه الله على مدار سنوات، وكان يستأمنني على الكثير من الأمور المهنية وحتى الشخصية، وعايشت معه فترات صعبة جدا أعتذر عن سردها لخصوصيتها، خاصة خلال السنوات الأربع قبل رحيله، فترات عصيبة لا أزال محتارا كيف تحملها بمفرده وكيف استطاع أن يواجهها بابتسامته وجلده ودعائه الذي لا يغادر شفتيه “ربي يقدرنا”… أذكر أنه كان يقول لي دائما عندما ينال مني الإرهاق: أنت لست مجرد عامل في الشروق أنت فرد من العائلة، وليست لديك مزية على أخيك علي… كان محنكا في إدارة المواقف والظروف الصعبة بهدوء الرجل الحكيم وسلاسة المتمكن الخبير، تدخل إلى مكتبه غاضبا فتخرج ضاحكا منشرح الأسارير، وعلى قدر حلمه لديه وجه آخر في حالة الغضب لكنه سرعان ما ينسى ويكون سباقا للصلح.

لقد كانت علاقتي بهذا الرجل علاقة تلميذ بأستاذه، فقد تعلمت منه الكثير من الأشياء التي أصبحت نقاط قوة في حياتي المهنية والشخصية، ولن أنسى فضله ونبله وحلمه ووطنيته وأصالته وحبه للخير. وتبقى “الشروق” مدرستي التي قضيت فيها كل شبابي وفجرت فيها طموحاتي في الإعلام. وفي ذكرى وفاته، ليس لي إلا أن أدعو له بالرحمة والمغفرة.

حسان زهار:
دير الخير وانساه… لكن الله لا ينسى يا علي
!

لا أدري لماذا عندما اتصلت بي رئاسة تحرير “الشروق” للكتابة عن مسيرة الخير والعطاء للراحل الكبير علي فضيل، باعتباري واحدا من بين أبرز من عايشوا بدايات حياته المهنية منذ انطلاقة “الشروق العربي” أوائل التسعينيات من القرن الماضي، أحسست برهبة الذكرى، كيف لي أن أشهد على عطاءات رجل، كنت أنا الكاتب الصحفي من بين حسناته، وكان قلمي هذا الذي يعرفه بعضكم، من أجمل صدقاته الجارية، بعد أن آمن بموهبتي وفتح لي مجال الكتابة وأنا ما زلت لم أتخرج بعد من الجامعة؟

لكني ونزولا عند طلب تقديم الشهادة في ذكرى الرحيل الموجعة هذه، أجدني محاصرا بكم هائل من ذكريات اليد السخية، تلك التي كنت أراها ومنذ عام 1991، بمثابة طوق نجاة للكثير، وإذ أذكر فلن أنسى الأيام الأولى من انطلاقة الشروق العربي، وقد كنا وقتها في ذروة الشباب والتحدي، وفي عنفوان الفاقة وقلة ذات اليد، عندما كان بعضنا يدخل لشراء “كاسكروط فريت أوملات”، وإذ بنا نفاجأ في كل مرة بصوت علي “راهم خالصين”، فنستحي وتحمر وجناتنا خجلا، فلا يزيد على أن يقول: تفرج بإذن الله.

لقد تفتقت ملكة التضامن وحب الخير بشكل مبكر من اللحظة الأولى التي تعرفنا فيها على علي فضيل، حيث كان يسعى علاوة عن إنشاء مؤسسة إعلامية رائدة، أن ينشئ “أسرة واحدة” من مجموع الصحافيين حوله، كان هو بمثابة المدير والأب والأخ في نفس الوقت، قبل أن تنتقل تلك الروح باتجاه مساعدة الفقراء والمحتاجين، أين كانت الشروق العربي من أولى الجرائد الجزائرية التي بادرت بفتح المجال لتناول مشاكل القراء، النفسية والاجتماعية وحتى المادية منها، وقد كان الراحل يشرف شخصيا على إيصال بعض المعونات العينية للأسر الفقيرة، كما دفع من خلال فتحه لصفحة “الزواج” باعتبارها من أولى المحاولات في هذا الجانب في الصحافة الجزائرية المستقلة، التي كان من نتائجها المباشرة تزويج الكثير من اليتيمات وبنات الأسر الفقيرة، دون أن ننسى كيف عمل الراحل الكبير على فتح أبواب الجريدة لتكون أشبه بالعيادة الطبية للمحتاجين مرة كل أسبوع، أين كان الدكتور رشيد حميدي وبتكليف من المدير علي فضيل، يقوم باستقبال المرضى وتقديم العلاج والمساعدة والتوجيه.

لقد كانت كل تلك الخطوات بمثابة إرهاصات أولى لأكبر المشاريع الخيرية في بلادنا عبر قنوات الشروق الفضائية في ما بعد، التي يعرف القاصي والداني مدى ما ساهمت به من أوجه الخير، وكلها برعاية سامية من علي فضيل مباشرة.

غير أني أود أن أتوقف عند محطات بعينها– لا حصرا لكل المحطات- عايشتها بنفسي، من فيض عطاء الرجل وروحه النقية، ومن بينها ما أسميها “حادثة الجزار”، أين كنت بصدد العودة لرئاسة تحرير الشروق العربي بعد مدة من الغياب عنها نهاية التسعينيات، وقد استقبلني بحفاوة كبيرة، وقرر أن يرافقني في عودتي للبيت، وفي أثناء ذلك توقفت عند أحد الجزارين لشراء كيلو من اللحم، وعلي فضيل معي يراقب الوضع، وما إن طلبت كيلو اللحم إياه، إذ بوجه علي فضيل يتغير، ويقرر على الفور طلب 5 كيلو جيغو، 2 أو 3 “كيلو كوتليت، 2 كيلو كبدة، رغم أني كنت أترجاه أن يتوقف، خاصة وأن البيت ما زال غير مؤثث، ولا يوجد به ثلاجة، ومع ذلك كان يردد: “بحبح روحك” “خلي لولاد يفرحو”، الأمر الذي اضطرني إلى إقامة وليمة مفروضة دعيت إليها الجيران بفعل الكرم الحاتمي لعلي فضيل.

والمثير، أن الراحل وقتها التقط جملة “ماعنديش فريجيدار”، من دون أن يعلق عليها، وفي الصباح كانت الثلاجة قد وصلت البيت، هدية منه من دون حتى أن يخبرني بالأمر، رحمه الله.

كما أذكر بعد مغادرتي منصبي كرئيس تحرير للشروق اليومي، في حدود عام 2007، أني التقيت بالراحل في أحد مطاعم الشواء بالعاصمة، لكني بعدما تناولنا الغداء معا، نهضت وإذا بي أسقط بسبب الأرضية الزلجة لتكسر ذراعي اليسرى، فسارع بنفسه إلى أخذي إلى المستشفى، وبقي معي إلى أن أدخلت الغرفة لإجراء العملية، وقد تكفل بمصاريف العلاج، كما قام رحمه الله بالاتصال بالدكتور حميدي والزميل جمال بن علي لمرافقتي في المستشفى والاطمئنان علي.

أما خلال مرحلة قيادتي لتحرير الشروق اليومي في أيامها الزاهية، فأكثر ما كان يلفت انتباهي تلك الأعداد غير المحددة من الناس وهم ينتظرون الدخول إلى مكتب علي فضيل، وكنت ألاحظ في العديد من المرات، أن من يخرج من المكتب كان يحمل ظرفا مغلقا، وقد دفعني الفضول ذات مرة وسألت السيد المدير عن سر تلك الأظرفة التي يخرج بها البعض من مكتبه، فرد مبتسما… دير الخير وانساه.

لكني اليوم أتذكر كل ذلك، وأقول في نفسي مخاطبا علي فضيل وهو في قبره… ولكن الله لا ينسى يا علي، الله لا ينسى.

وأود هنا أن أعتذر للجميع، لأني كتبت هذه الكلمات بسرعة بسبب بعض الانشغالات، وإلا فإن الكتابة عن مآثر الرجل الخيرية، وعن يده البيضاء معنا ومع غيرنا، تحتاج إلى صفحات وصفحات طويلة، لكن عزاؤنا أن ما تركه الراحل من إرث هو كله بمثابة صدقات جارية، ونسأل الله أن يكون في هذه الكلمات ما يزيد في ميزان حسنات الراحل الكبير، على الرغم أننا نسينا الكثير بفعل الزمن، لكن الله عز وجل لا ينسى “وكل شيء أحصيناه في إمام مبين”.

رشيد ولد بوسيافة:
تجربتي مع فارس الإعلام الإنساني علي فضيل

تتداخل الذكريات في سجلات الصحافة الجزائرية والعربية، لكن بعض الشخصيات تترك بصمة لا تمحوها الأيام، وتظل شاخصة في الذاكرة كرموزٍ للمهنية والإنسانية، من بين هؤلاء الرجال، يقف الأستاذ الراحل علي فضيل، مؤسس مجمع “الشروق”، باعتباره قامة إعلامية متميزة جعلت من العمل الميداني وخدمة قضايا الأمة والإنسان جوهر الرسالة الصحفية.

منذ المحطات الأولى في مشواري مع الراحل علي فضيل في جريدة الشروق، كان واضحاً أن الرجل يمتلك رؤية مغايرة للصحافة، كان يؤمن بأن الحقيقة لا تُستقى من وكالات الأنباء ولا تُكتب على المقاعد المريحة، إنما تُنتزع من أرض الواقع، وتصاغ من قلب المعاناة، لذلك شجعنا على العمل الميداني والتجول في الجزائر العميقة وتسليط الضوء على احتياجات الناس وملامسة قضاياهم.

وفي المقر المركزي للشروق، وجهنا بإعطاء الأولوية للحالات الاجتماعية التي كنا نستقبلها بالعشرات في الأسبوع الواحد، وما إن تنشر الحالة في صفحات قسم المجتمع إلا وتنهال الاتصالات من المؤسسات الرسمية ومن الجمعيات والمحسنين لعرض المساعدة الفورية والتكفل بالحالة.

كان يوجه الصحفيين بضرورة فتح صفحات الجريدة للتكفل بالحالات الإنسانية والاجتماعية المستعصية، وكثيراً ما كان يتدخل بنفسه ويقدم مساعدات مالية من ماله الخاص للمرضى والمحتاجين الذين يقصدون الجريدة، بعيداً عن أضواء الكاميرات، وأنا شخصيا أقول هذه الشهادة وقد مضى الرجل إلى ربه، إذ كلفني بإعطاء مبالغ لحالات اجتماعية صعبة.

ويعود الفضل للأستاذ علي فضيل في تخصصي في الإعلام الإنساني عبر سلسلة من المهمات الصحفية داخل الوطن وخارجه، بدأت سنة 2005 حين أرسلني إلى الصحراء الجزائرية للقيام بتحقيقات صحفية ثم إلى موريتانيا لمتابعة قضية الجزائري عيسى إسماعيل الذي لفقت له تهم الإرهاب وزج به في السجن، وبعد أن تناولت الشروق قضيته عبر سلسلة من التحقيقات ظهرت براءته وأطلق سراحه وقد زار الشروق وتكلم مع الراحل علي فضيل ومع مدير التحرير آنذاك شاكرا لهم إثارة قضيته.

وحين اندلعت حرب تموز 2006 في لبنان، وكان القصف يدمر مدن لبنان، لم يتردد الراحل علي فضيل لحظة واحدة في إرسالي إلى خطوط النار الأولى بعد أن وجد عندي الرغبة في الذهاب، وكان الهدف يتجاوز مجرد التغطية الإخبارية العابرة، إلى ضرورة الانتصار للقضايا العادلة ونقل مأساة الشعب اللبناني تحت القصف الصهيوني، وبالفعل كانت تجربة ثرية استطعنا من خلالها أن نسلط الضوء على الجوانب الإنسانية في الحرب ومن بين الأعمال الصحفية روبورتاج داخل كنيسة في بيروت فتحت أبوابها للفارين من القصف، حيث كانوا يؤدون الصلاة جماعة داخل الكنيسة في مشهد يبرز روح التلاحم الإنساني الذي يتجاوز الخلافات حتى وإن كانت دينية.

خلال أيام الحرب العصيبة، كان اتصاله اليومي لا ينقطع، ينصحني بدقة حول كيفية التحرك في بيئات الموت، ويشدد على قواعد السلامة الصحفية قبل التغطية، ويطمئن على أبسط التفاصيل اللوجستية، وكان يجمع بين صرامة القائد الإعلامي الذي يطلب الانفراد والسبق الصحفي، وحنان الأب الذي يخاف على سلامة أبنائه.

وفي سنة 2008، في أثناء الأزمة الأمنية والتجاذبات المعقدة التي شهدها لبنان، تكررت المهمة في ظل ظروف سياسية وأمنية مشحونة، كان نصحه الدائم يستند إلى الحكمة والموضوعية، موصياً بالابتعاد عن الاصطفافات السياسية والتركيز على البعد الإنساني ووجع المواطن البسيط، مما جعل تغطيتنا تحظى باحترام وصدقية عالية.

جسد الراحل علي فضيل نبض الشارع الجزائري في دعمه غير المشروط للقضايا العادلة وعلى رأسها القضية الفلسطينية، ففي عام 2010، كلفني بمهمة إنسانية ونبيلة تمثلت في نقل مساعدات مالية مباشرة إلى أيتام قطاع غزة المحاصر.

أتذكر جيداً موقفه الأبيّ والواضح حينها، إذ أصرّ على تخصيص مبلغ 500 دولار لكل عائلة شهيد، ورفض رفضاً قاطعاً إعطاء أي مبلغ أقل من ذلك، مؤكداً أن كرامة عائلات الشهداء وأيتامهم تتطلب منا العطاء بأقصى طاقتنا، وأن الدعم الإعلامي يجب أن يرافقه سند مالي وإنساني ملموس يلامس أوجاعهم ويخفف عنهم وطأة الحصار، وقد تنقلنا فعلا إلى قطاع غزة رغم الصعوبات حينها بسبب غلق معبر رفح إذ بقينا يومين كاملين في مدينة العريش ننتظر فتح المعبر للقافلة حينها أشار عليَّ علي فضيل بالبحث عن طريقة أخرى لإيصال المساعدات وبدأنا فعلا مع الأستاذ صالح عوض في تدبر كيفية تنقلي عبر الأنفاق إلى داخل قطاع غزة لكن السلطات المصرية بادرت إلى فتح المعبر والسماح بدخول القافلة الجزائرية وتم تنظيم احتفالية كبيرة لتوزيع المساعدات وقد ألقى الراحل علي فضيل كلمة مؤثرة مباشرة عبر الهاتف تفاعل مع الحاضرون من عائلات الشهداء ومن الشخصيات الفلسطينية في قطاع غزة.

ومن كرم علي فضيل أنه أراد التكفل حتى بمصاريف أعضاء الوفد المتضامن الذي تنقل إلى قطاع غزة بمن فيهم صحفيين من مؤسسات إعلامية أخرى، إذ سلمني مبلغ ألفي دولار وطلب مني تسليمها لرئيس الوفد للتكفل بالمشاركين في القافلة، وهو رئيس جمعية الإصلاح والإرشاد حينها نصر الدين شقلال، لكن أعضاء الوفد فضلوا أن يتكلفوا بمصاريفهم ووجهوا بإضافة المبلغ إلى المساعدات الإنسانية للفلسطينيين.

ومن بين أهم المحطات التي تجلت فيها إنسانية علي فضيل واهتمامه بالأزمات الدولية الكبرى، كانت أزمة الروهينغا وفور وقوع المجازر بحق المسلمين عام 2017، كان الراحل من أوائل المسؤولين الإعلاميين الذين استجابوا لنداء الضمير الإنساني، إذ أرسلني فوراً إلى الحدود البورمية البنغالية، حيث تتكدس مئات الآلاف من الناجين من المجازر في ظروف كارثية، وكلفني بإنجاز تحقيقات ميدانية شاملة تسلط الضوء على حجم الانتهاكات والمجازر، وأفلام وثائقية توثق المأساة الإنسانية بالصوت والصورة لكسر التعتيم الإعلامي الدولي، وعلى إثر تلك الأعمال تحركت من الجزائر حملة تضامنية كبيرة توجت بقافلة إنسانية كبيرة محملة بأدوية وأغذية وأجهزة طبية وسياسات إسعاف، وقد كلفني الراحل علي فضيل بمرافقة هذه القافلة وإنجاز المزيد من التحقيقات، وكان متابعاً لجميع مراحل القافلة، يتابع وصول المواد الإغاثية خطوة بخطوة، ويحرص على أن تصل الأمانة إلى مستحقيها.

لا أذكر أني دخلت يوما إلى مكتب علي فضيل وطلبت منه الإذن في السفر في إطار تغطية الأزمات الإنسانية ورفض أو تردد، إنما كان دائما يشجعني على الاستمرار في هذا النهج والعمل على نقل القصص الإنسانية للعالم وكانت قضية الروهينغا واحدة من القضايا التي أثارت اهتمام علي فضيل إلى جانب القضية الفلسطينية.

لقد رحل علي فضيل بعد أن خلد اسمه في محطات حافلة بالعطاء والشجاعة، لكن الإرث الإعلامي والإنساني الذي تركه يظل مدرسة قائمة بذاتها، تعلمنا منه أن الصحافة تتجاوز مفهوم نقل الخبر إلى موقف أخلاقي وانحياز دائم للإنسان وللقضايا العادلة… رحم الله الأستاذ علي فضيل، وأسكنه فسيح جناته، وجعل كل ما قدمه في خدمة الوطن والقضايا الإنسانية ونصرة المظلومين في ميزان حسناته.

تقرب من الأيتام والفقراء وشجّع برامج الخير والتضامن
علي فضيل… اختار الصحافة جسرا بين الخيّرين والمستضعفين
أعمال الخير جينات طبيعية في فارس الصحافة… ورثها وورّثها

ب.ع

من حسن حظ الجزائر، أن صحافتها تزيّنت على مدار عقود، بأسماء فاضلة ظلت تعجن مهنة المتاعب منذ أكثر من قرن، بقضايا المتعبين من فقراء وأيتام ومظلومين، صحافة كسَرت قيود الاستعمار، ورفضت دعاة الاستئصال والتغريب في زمن الاستقلال، من عمر راسم باعث أول صحيفة باللغة العربية سنة 1907 أطلق عليها اسم الجزائر، مرورا بالشيخ عبد الحميد بن باديس الذي أسّس ثلاث صحف، وكان كاتب افتتاحية من الطراز الموجع للعدو، ووصولا إلى المٌشرِق بمجمع الشروق الأستاذ علي فضيل.

ومن سوء حظ الصحافة الجزائرية بثقافتها وفكرها، أن جميع هؤلاء الصحافيين، غادروا في عز الحاجة إلى حنكتهم، ولكنهم مع ذلك تركوا إرثا صحافيا لا يمكن الافتخار به فقط، وإنما الاستلهام منه، لأن خدمة المستضعفين هو مبتغى وهدف بالنسبة لهم.

الحكاية بدأت في الجرائد العمومية

يخال المتتبع لبدايات الراحل علي فضيل، في جريدتي الشعب والمساء، بأن الرجل الذي حمل القلم ورأسَ التحرير، في الصحيفتين العريقتين التابعتين للدولة، كان يميل للسياسة والشأن العام، ولكن الرجل كانت له لمسة اجتماعية واضحة، وعندما حانت فرصة الصحافة الجزائرية للاستقلالية اغتم الفرصة كاملة، وقدّم أول جريدة عائلية يتداول أفراد الأسرة الواحدة من الابن إلى الأم على قراءتها والتمتع بمحتوياتها الراقية، عبر أسبوعية الشروق العربي، الصحيفة التي زلزلت الصحافة الناطقة بالفرنسية وقلبت أرقام المقروئية رأسا على عقب، فكانت تفقد قراءها لصالح اللغة العربية، إلى أن تسيّدت الصحافة العربية في زمن الشروق اليومي وربحت العربية قراء بالملايين في الجزائر.

حمل الراحل علي فضيل بذرة الخير التي ورثها عن والديه، وكان كلما حلّ بأرض إعلامية خصبة إلا وغرسها وسهر على إروائها، وسيكون من الصعب أن نضرب مثلا من أفعاله، وللرجل أمثال في فعل الخير يسابق كل فعل، الآخر، يحاول أن يخفيها، ولكن طبع الصحافة يكشفها خاصة في المناسبات الدينية والاجتماعية الكبرى.

وعلى بساطة بعض المبادرات، إلا أن مغزاها كبير جدا، ففي زمن الشروق العربي، كان يلتقط بين الحين والآخر أسماء عائلات بائسة وعناوينها ويرسل إليهم جريدة الشروق العربي بملحقاتها ومنها الثقافي، عبر البريد، كمساعدة رمزية، حتى لا يدفعون ثمن الصحيفة وينهلون من محتوياتها التي كانت فعلا دسمة، يخبئها الناس في رفوف مكتباتهم مع كتبهم النفيسة.

وعندما افتتح أركان للاستشارات الطبية والزواج والدراسة، كان يقول: “هناك من لا يمتلك ثمن الكشف فحقّ علينا مساعدته”.

وحضرنا في مناسبات كثيرة تأثره وبكاءه لحال أناس عجزوا عن تطبيب أبنائهم، أو فقدوا آبائهم في حوادث متفرقة من زمن الإرهاب إلى زمن الإجرام والحوادث المرورية المميتة.

كان يطلق الأفكار، وإذا بزغت فكرة من زميل أو حتى قارئ تصبّ في خانة الخير، يسارع لدفعها للتجسيد، فتحولت الشروق اليومي، وهي تشق طريق النجاح بالمليون والمليونين إلى وزارة تضامن غير معلنة، بحقابها الخيّرة وليس بحقيبة واحدة.

لم يكن العمل الخيري بالنسبة لعلي فضيل واجب مفروض عليه، وإنما طبيعة تسري في عروقه، حتى إن جريدة الشروق اليومي كانت تنتج صفحات الخير وتدريس لطلاب البكالوريا وتقديم الإعلانات الإشهارية ذات البعد الخيري والتضامني بالمجان، وتطلب من المراسلين التوجه إلى نقاط الظل، ومتابعة الذين هم من دون مأوى واليتامى والفقراء والمرضى، في قمة العمل الخيري الذي كان يقوده علي فضيل وهو في بهجة وكأنه في أيام عيد يتكرّر يوميا.

حِفظ القرآن وفِعل الخير… قرة العين

يحضر علي فضيل سواء في الجريدة أم القناة بين الحين والآخر “بريفينغات” التحرير، يضع يده على خده، يتابع بإمعان كل صغيرة وكبيرة، ويسعد كل السعادة للأفكار ذات البعد الاجتماعي، التي تقدم للعائلات ولعامة الناس ما يفيدهم. حدثني مرة عن حصة وافعلوا الخير التي يشرف عليها شقيقه الأستاذ رشيد فضيل قائلا: “يجب أن تضعوا أيديكم جميعا في هذه الحصة، أراها حسنة تتبع صاحبها حتى بعد موته”.

لم يكن يتردد عن دفع كل الحصص التي تجلب الخير للفاعل والمعني بالفعل، ويساعد بالنصيحة وبالتشجيع في حصص قرآنية متنوعة مثل مزامير داوود وقصتي مع كتاب الله قائلا: “لا تترددوا ولا تبخلوا في تشجيع حفظة القرآن”، وفي بعض الحصص كانت القناة تقدم لحفظة القرآن من الأيتام ومن ذوي الاحتياجات الخاصة ما يطلبونه من مساعدات، إضافة إلى رحلات إلى البقاع المقدسة لأداء مناسك العمرة.

رحل علي فضيل في ريعان عطائه الإعلامي، ولم تسعه الايام لتحقيق الكثير من الأمنيات ذات البُعد الخيري، ولكن الحسنات التي تتبع صاحبها بعد موته، مازالت تتبعه في حصص خير، وورّاث الخير لا يتوقفون أبدا عن العطاء، بالرغم من افتقادهم للمسة الأخ الكبير، علي فضيل الذي كان يبصر بعيني القرآن الكريم وأفعال الخير.

جمعتني بالأخ علي، صداقة، تعود إلى منتصف تسعينات القرن الماضي، التقينا مرة في مدينة عين امليلة بولاية أم البواقي، في سنة 2001، زارها من باتنة، وقدمت أنا من قسنطينة، تناولنا غداء خفيفا في أحد مطاعم الشواء في مدينة عين مليلة، ثم رأيته يطلب من صاحب المطعم أن يحضر له “ساندويتش” من أفخم ما لديه من الشواء، فظننته سيأخذه معه في عودته إلى مدينة باتنة، ولكنه بمجرد أن خرجنا من المطعم حتى دسه خفية بين يديْ عجوز، كانت خرائط البؤس ترسم حالتها على محياها.

افترقنا ولكنني ما نسيت هذا المشهد البسيط جدا والعظيم في تأثيره، ربما غادرت العجوز وقد غادر هو، ولكن الحسنة التي تحدث عنها أكيد ستتبعه بعد رحيله.

في المسابقات الكبرى التي كان يسهر على إنجاحها خاصة في الزمن الذهبي للشروق اليومي، كان يبحث دائما عن السبونسور ويحاول تزيين جوائز المسابقات بسفريات عمرة، قدر المستطاع. قائلا: “ربما ربحنا دعوة خير من الفائز بعمرة فيذكرنا أمام قبر الرسول- صلى الله عليه وسلم- في المدينة المنورة، أو أمام بيت الله الحرام في مكة المكرمة. ومن طمع في دعوى من مؤمن، ما خاب.

رفقا بالمصريين إنهم إخواننا

خلال أزمة أم درمان التي فجرت فتنة بين الشعبين الشقيقين الجزائري والمصري، كان علي فضيل أول من طلب الرد على الإعلامي عمرو أديب الذي تطاول على الجزائر، وكتب علي فضيل، بقلمه ردا على بعض أبواق الفتنة ثم انطلقت المعركة الإعلامية بين جهة كانت من دون فرامل، تبحث في تاريخ الجزائر ثم تتطاول حتى على الشهداء، وصحيفة ورقية جمعت حينها ما لا يقل عن مليوني قارئ وراحت تردّ بما استطاعت من قوة.

جمعنا الأستاذ علي الذي كان يقرأ كل ما نكتبه، فيُعجب بفقرة ويبدي تحفظه عن أخرى، وردّد مرة: “رفقا إنهم إخواننا، ردّوا على من بدأ ولا تعمّموا”. وكما اشتغل في “الشروق اليومي” و”العربي”، بأقلامهم، إخوة من مصر وسوريا ولبنان والعراق وتونس وفلسطين، أشغل أيضا إخوة من العالم العربي ومن تركيا في نهضة قناة “الشروق” العامة و”الشروق” الإخبارية، فقدم علي نموذجا فريدا من الألفة والتمسك بالأخوة في اللغة والدين والمصير المشترك، حيث كانت القضية الفلسطينية بالنسبة إليه قمة فعل الخير التي لا يتردد فيها إطلاقا، وتشعر أحيانا أنه في الجبهة، وليس في قلب صحيفة أو قناة، لا يحمل قلم الرصاص وإنا الرصاص، ولا يطلق كلمة وإنما نارا، آخذا من اسمه الكثير علي وما حمله علو مَن كرّم الله وجهه، وفضيل وما منحه الله من شكر فضل الناس والتمسك بالفضيلة.

إضافة إلى الاقلام والميكروفونات الشروقية التي عمّت في المشرق العربي والخليج وحتى أوروبا من التي تتلمذت في الصرح الإعلامي الكبير، مجمع “الشروق”، فقد خرجّت الشروق الخيّرين الذين ساهموا في زرع البسمة في عيون الفقراء.

أذكر في بداية الألفية الحالية، عندما قام الزميل نسيم عليوة من مكتب الشروق اليومي في ميلة بكشف معناة شقيقتين معوقتين لا تستطيعان التحرك في أعلى قمم جبال ميلة، حيث وجدهما الزميل يفطران في شهر رمضان بالتين الشوكي والخبز اليابس وبعض الحشيش، وتم تحويل الروبورتاج المحزن عن الشقيقتين بالصورة والكلمة إلى “ترند” في زمن لم تكن فيه كلمة “ترند” بأي معنى. وثار الجزائريون بكل ما تعنيه الثورة للصور الصادمة للشقيقتين اللتين لم يزرهما إنسان في كوخهما منذ شهور، فبدأ الاتصال بالجريدة من كل جهات الوطن ومن خارجه من جاليتنا في المهجر، وكان ضمن المتصلين الأخ علي فضيل.

تصوروا مدير جريدة يتصل مثل كل الناس بالجريدة التي يديرها هاتفيا، طالبا شرف مساعدة الشقيقتين!

الناس… أبدا لن ينسوه

يمكن وصف الأستاذ علي فضيل بصحافي الأجيال، فقد بدأ مشواره في زمن الحزب الواحد والرأي الواحد والقلم الواحد، وخاض مع المغامرين أول تجربة في الصحافة الحرة، ونجح عندما قلّ الناجحون في جعل الشروق العربي، ظاهرة معرفية وتثقيفية وعائلية عندما كان الناس يَمسون على العمليات المسلحة والاغتيالات، ويصبحون على الجثث، وصار اسما كبيرا في الصحافة العربية وهو يقود يومية لتحطيم أرقام السحب القياسية التي لم تصلها جريدة في بلاد المغرب العربي ولا في مشرقه، ومكّن موقع الشروق أونلاين من أن يفتك المرتبة الثانية عربيا بعد موقع اليوم السابع المصري على المستوى العربي في مناسبتين، وكسب حب الناس جميعا عندما أطل عليهم بعدد من القنوات التي عيّشت الناس واقعهم وعاشوا معها في جو جزائري عرف خلاله الجزائريون واقتنعوا بأنهم قادرون على الإبداع في كل الفنون.

لقد مرت الأيام والسنوات على رحيله وما مرّت وما رحل، كل حقول الخير وروائع الصحافة ومجالس الأخوة تذكره، بل هو من يفرض نفسه فيها، كان هنا وبقي هنا وهناك، يحقق الحسنات التي طلبها حتى بعد موته.

لأجل ذلك، عندما حمل حقيبته ذات خريف وغادر من دون أن يودعنا بكاه الناس حرقة، لأن أصعب ما في الحياة ألا ترى الفارس الذي ملأ كل الساحات انتصارا.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!