عملة ثمينة أعادها الحراك الشعبي إلى التداول
أنجب الحراك الشعبي، الذي لا يزال متواصلا في شهره الثاني، الكثير من المعطيات، التي لم نعتد عليها من قبل، وظهر هذا في سلوكات حضارية، أصبحت مثالا حيا عن الوعي الاجتماعي.. صفق لها العدو قبل الصديق، وأماط اللثام عن الكثير من الوجوه التي اختارت الرحيل والتخفي، والتقوقع بعيدا، على أن تكون حلقة في سلسلة نظام تفنن في اجتثاث كل ما هو جميل في هذا البلد لأكثر من عشريتين كاملتين، وأصبح الحراك الشعبي اليوم شعاع أمل في الوصول إلى جمهورية ثانية، قائمة على القانون والديمقراطية، بعيدا عن المحسوبية و”الكتاف”.. ولعل من بين الوجوه التي برزت بقوة، ولقيت صدى كبيرا وترحيبا واسعا بين كل الأطياف، وأصبح اسمه مطروحا يوميا، المحامي السياسي، مصطفى بوشاشي، الذي اختار أن يكون المحامي الذي يشارك الشعب في مسيراته، لا المؤطر الذي يسير على رأس الحراك إلى حد الساعة.
من هو المحامي مصطفى بوشاشي؟
هو سياسي ومحام جزائري، من مواليد تيزي وزو سنة 1954، انتقل إلى الجزائر العاصمة من أجل إتمام الدراسة الجامعية في كلية الحقوق آنذاك.. لما نال شهادة البكالوريا، تحصل على منحة دراسية، والتحق بجامعة ساوتهابتون في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث أتم الدراسات العليا. رجع إلى الجزائر سنة 1980، والتحق بجامعة الجزائر للتدريس في كلية الحقوق، درس خلالها مقياس الإجراءات الجنائية، ثم انخرط في نقابة المحامين في الجزائر العاصمة، ومنها مزاولة مهنة المحاماة.. يعتبر عضوا فعالا وناشطا سياسيا في جبهة القوى الاشتراكية.
بين الرفض والترحيب في اختياره.. ليكون الرجل الأول في قصر المرادية

قبل تأجيل الانتخابات، قيل عنه إنه الرجل المناسب في الظروف الحالية، باعتباره أحد أشهر الحقوقيين في الجزائر، اهتم في مسيرته العملية كسياسي ومحام وناشط حقوقي في الدفاع عن القضايا العادلة وحقوق الإنسان.. لهذا، كان عضوا فعالا في المنظمات التي تهتم بهذه القضايا، حيث انخرط في الرابطة الوطنية للدفاع عن حقوق الإنسان في الجزائر، وترأسها من سنة2007 إلى غاية 2012، كما سبق له أن فاز بالانتخابات التشريعية سنة 2012 تحت مظلة جبهة القوى الاشتراكية، التي كان عضوا نشيطا فيها منذ 1979، تحت قيادة زعيمها الروحي التاريخي، “حسين آيت أحمد”، غير أنه لم يكمل عهدته واستقال سنة 2014، وأرجع أسباب هذه الخطوة التي أقدم عليها، إلى كون المؤسسة التشريعية في الجزائر هي عبارة عن مؤسسة شكلية تخضع لأوامر فوقية من طرف النظام.. لذا، لا يمكن في كل الأحوال، الاتكال عليها في طرح القضايا الجوهرية الهادفة إلى خدمة الشعب ومعالجتها باستقلالية.
أما عن الأسباب التي دفعته إلى النضال، فأرجعها في الكثير من الحوارات واللقاءات التي أجريت معه، إلى كونه مناضلا وكذا محاميا يلبي دعوة والده، الذي سقط في ميدان الشرف إبان الثورة التحريرية، وهذا من أجل بناء دولة جزائرية ديمقراطية، تضمن للشعب الجزائري العيش الكريم في إطار الحريات والحقوق.. سبق أن اختير من طرف الكثير من النشطاء السياسيين من أجل ترشحه للانتخابات الرئاسية قبل أن تؤجل في ظل الظروف الحالية، غير أنه لم يتخذ أي قرار خاص بهذه المسألة وفضل التريث والانتظار. ولعل من المواقف الصريحة التي تبناها في توجهاته، أن الشعب هو السيد في اختيار الرئيس أو البرنامج الذي تسير به البلاد، وهو المفوض الوحيد لطموحاته، لأن أي مبادرة تكون خارج إطار الشعب، هي مبادرة فاشلة منذ البداية على حد قوله، وما يصدر دون تفويض من الشعب اعتبره بمثابة صورة طبق الأصل للنظام الحالي، الذي فقد شرعيته اليوم. علق الكثير من السياسيين آمالهم على ترشح مصطفى بوشاشي للرئاسات المؤجلة لعدة اعتبارات، سواء الشخصية أم المهنية وغيرها، حيث اعتبر الكثير أنه يملك الكاريزما التي تجعل منه الرجل الأول في البلاد، ومؤهلا ليكون رئيسا فعليا لكل الجزائريين، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فقد برر بعض النشطاء السياسين من مختلف الأطياف، الذين اقترحوا المحامي الحقوقي مصطفى بوشاشي ليكون الرجل الأول في قصر المرادية،بكونه يملك وزنا كبيرا في الساحة السياسية، كما أنه لم يكن ضمن التشكيلات الحكومية أو السياسية التي سبقت، أي لم يكن حلقة من حلقات الفساد الذي طال الجزائر منذ عشريتين، أي إنه لم يكن يملك منصبا ضمن النظام الحالي، وبعبارة أخرى، هو رجل نزيه، ولم يسبق له أن شغل أي منصب في السابق من شأنه أن يلطخ شخصيته.. كما عرف عنه الكثير من المواقف المشرفة في كل الأزمات التي عرفتها الجزائر، كرجل مهتمٍّ بما آلت إليه بلادنا اليوم، التي أصبحت مرتعا للفساد والبيروقراطية، التي قضت على الزرع والضرع، في بلد لديه كل المؤهلات ليكون في مصاف الدول المتطورة، لا كما هي اليوم، حيث تحولت إلى مثالا للخروق القانونية في كل المجالات، وبؤرة للفساد بكل معانيه.
في المقابل، وقبل تأجيل الانتخابات، رفض الكثير من السياسيين وزملاء المهنة خاصة، أن يكون الرجل الذي يوصف بالعملة النادرة اليوم، كمرشح للانتخابات، واعترض بعض من يحترمون الرجل، أن يكون قامة مثل مصطفى بوشاشي أرنبا يذهب إلى انتخابات يرونها محسومة النتائج، ولا مكان فيها للنزاهة والمصداقية في ظل النظام الحالي.
رسالته إلى الشعب الجزائري بعد 22 فيفري تاريخ بداية الحراك..

دعا المحامي مصطفى بوشاشي، منذ البداية، إلى السلمية في كل المظاهرات، لأن النظام السياسي يملك الكثير من وسائل العنف، لذا يجب ألا يقع المتظاهرون في مثل هذه الاستفزازات، والقائمون على حفظ الأمن هم أولادنا وأولاد الشعب، وهم هنا للقيام بعملهم فقط وليس لتعنيف الأفراد، لذا، فإن الحفاظ على سلمية المسيرات والمظاهرات هو وسيلة للاستمرار في المطالب.. وهو كذلك رسالة إلى كل شعوب العالم. كما أن سلمية المظاهرات جعلت من المواطن الجزائري فخرا ومثالا عن التحضر الذي وصل إليه، وكل الجالية الجزائرية اليوم تفتخر بهذا الحراك وما وصل إليه من تنظيم وسلمية لم يحدث مثلها من قبل.
كيف علق على الحراك الشعبي منذ البداية؟
– “هبّة الحراك الذي وقع في الجزائر، حررتنا وحققت لنا حلما كنا ننتظره أكثر من 20 أو 30 سنة، وهو الجلوس إلى طاولة الحوار والحديث بكل حرية،كما كان شاملا لم يحرك فقط المحامين أو الموظفين أو الأساتذة فحسب، بل كل الشرائح الاجتماعية بكل أطيافها، وهذا فخر لنا، حيث أصبح مثالا حيا يقتدى به في كل العالم لسلميته”.
– “النظام السياسي قام بتعطيل منظومة القانون منذ فترة بعيدة، وكان أداة فساد، لذا يجب على هذا النظام الحالي الذهاب والانسحاب من الساحة السياسية الحالية”.
– “كان عندي أمل منذ أكثر من 30 سنة، وهو أن ألقي محاضرة لطلبة الحقوق خارج الدروس بكل حرية عن الواقع في الجزائر، وهو ما حققه الحراك اليوم”.
– ” أشكر كل من وضع فيّ الثقة لتـأطير الحراك الشعبي، لكننا لسنا في هذه المرحلة، ويجب ألا نقع في هذا الفخ، فهذا يضر بالحراك، وينقص من العزيمة في المظاهرات، ولو تكون هناك قيادة جماعية أكيد لن تكون في مستوى آمال وتطلعات كل الجزائريين.. أنا، عن نفسي، لا أحتاج إلى أن أكون الناطق الرسمي له ولا لتأطيره، فقط يجب أن نشارك الشعب هذا الحراك، وننتقل معه إلى كل الولايات، وأنا أعرف ومتأكد من أن الشعب الجزائري يعرف ما يريد، دون الاحتكام إلى التأطير أو ممثل ينوب عنه، في المطالبة بما يسعى إليه”.
وتبقى له الأفضلية بين كل الوجوه المقترحة…

رغم رفضه أن يكون المؤطر للحراك، إلا أن اسمه بقي مطلبا عند الكثير من الأشخاص ليكون كذلك، انطلاقا من عدة اعتبارات وخصوصيات لا توجد إلا في شخصه، ويكفيه أنه لا يريد أن يسرق هذه البطولة من الشعب وأنه يجب الاعتراف بأن السيادة له دون غيره ولا يحتاج إلى من يقوده على الأقل في الفترة الحالية، كما عبر عنها في الكثير من المرات، كما أن ثقته في الشعب كبيرة، في رسم خارطة طريق تكون بمثابة المخرج من هذا الانسداد الذي يزيد ضيقا في ظل تعنت القائمين على النظام إلى حد الساعة، واتباعهم سياسة التملص والهروب إلى الأمام، في مقابل إصرار الشعب على موقفه.. والدليل واضح في تزايد عدد المتظاهرين من جمعة إلى آخر، وأصبحت سنّة عند الجزائريين، خاصة لما حافظت على سلميتها.
هو وجه سياسي وقانوني، يطفو على المشهد السياسي الحالي اليوم، في ظل الحراك الذي تشهده الجزائر اليوم، سواء كان مؤطرا أم رجل قانون في منصبه.