عمي المختار الثرثار
لأني أثرثر أكثر من نهر “الثرثار”، زوجتي التي “تطرطر” أكثر مني، لا تستطيع أن تغلبني، خاصة في عطلة الصيف! “هذاك وين” تزداد وثيرة حرارة الثرثرة لتصل إلى الذروة قبيل الدخول الاجتماعي! تقول لي زوجتي: يالمختار.؟ علاش أنت وكَّال وثرثار؟ أقول لها: لأني زوج ابنة الحاج دوارة الهدّار” (اسم أبيها!). لست أدري من أين ورثت هذه الممارسة التي صرت أخجل منها والتي تسبب لي كثيرا من المتاعب والمشاكل في العمل وفي الشارع وفي الحافلة وفي السوق وفي الإدارات.. وفي كل مكان! ربما من قراءتي لقصة “الثرثار ومحب الاختصار”؟ فتقمّصت شخصية الثرثار؟ لكن لماذا لم أتقمص شخصية “محب الاختصار”؟ هذا هو المشكل المطروح! أو ربما لأني قرأت “طرطران دي طاراسكون”؟ للفرنسي “ألفونس دودي”؟ لست أدري! كل ما أعرفه أني بدأت في “البث” المتواصل منذ أن صار عندي 12 طفلا! معناه أن هذه العاهة، قد لحقتي وأنا في مرحلة الكلاب! أكيد أنكم لا تعرفون مرحلة الكلاب التي أعنيها؟ أقصد مرحلة ما بعد الإنجاب! سوف أحكي لكم القصة، ثم أواصل: مرحلة الكلاب هذه، هي مجرد مرحلة من عمر الإنسان! فقد سمعت أسطورة تقول إن الله لما خلق الكون والكائنات الحية على الأرض، خلق الإنسان، والحمار والكلب والقرد… ثم تبعتهم الكائنات الأخرى فيما بعد! لكن هذه الحيوانات هي أولى الحيوانات التي وجدت مع الإنسان! خلق الله هذه الكائنات حسب الأسطورة، التي هي بطبيعة الحال قصة خيالية لا صحة فيها إلا ما يصح لضرب مثل، وأعطى لكل واحد منها عمره المقدر بـ25 سنة!
ماذا حدث في السنة الأولى وقبل أن تنتهي الأشهر الأولى منها؟ كان أول ما تنازل عن الـ25 سنة التي وهبها الله له، هو الحمار! لأن الحمار هو الحيوان الذي يعاني أكثر! يركب على ظهره 15 بزا وطفلا ويثقبون أضلاعه بالمهماز ويركلونه ويجذبون ذيله وأذنيه الطويلتين.. ويضحكون منه ومن بلادته، لهذا كان أو من التمس من المولى العلي القدير أن يزيح عنه هذا الثقل في الحياة ويمنح الـ25 سنة لآخر قد يقبل بها! فعرضت الأمانة على الكلب فرفض، والقرد فرفض، وقبلها الإنسان! فصار عمر الإنسان 50 سنة!. المسألة لم تنته هنا، فأيام من بعد ذلك، كان الكلب ثاني من يقدم استقالته للباري عز وجل ويتوسل إليه أن يريحه من عذاب الدنيا ومن سوء المعاملة التي يعامله بها بنو البشر: هذا يعايره هذا يضربه، هذا يجوعه، هذا يتركه للبرد والثلج، هذا يذله وينهره ويرمي له الكسرة في الأرض.. ويطلب الكلب من الله أن يعطي السنوات الـ25 للإنسان أو القرد.. لأنهما متشابهان! فتعرض على القرد فيرفض ويقبلها الإنسان بفرح وسرور! فصار عمر الإنسان 75 عاما، ثم ما لبث القرد أن قدم استقالته من الحياة الدنيا بدعوى أنه هو الآخر ملّ وكره الدنيا التي يوجد فيها الإنسان، كونه صار أضحوكة بين الناس، شادي! ترمى له قشور الموز وجوز الهند والفول السوداني ويضحكون منه.. حتى الأطفال الأبرياء يسخرون منه ويشيرون إليه “بالبنان” فتعرض سنوات القرد الـ25 على الإنسان فيقبلها من دون أدنى تردد! وهكذا صار عمر الإنسان في المجموع 105 سنة! لهذا فإن الإنسان هو أطول عيش من هذه الكائنات كلها! لهذا السبب، نجد أنّ الإنسان بحسب الأسطورة دائما، يعيش مرحلته الحقيقة التي خص بها وهي مرحلة الشباب.. كإنسان 25 سنة! ثم يدخل في مرحلة الحمير، عندما يتزوج ويصبح مثل الحمار ينقل السلة والقفة ويحمل ويرفد ويهز ويرفع ويشتري..! ثم يدخل بعد الأربعين في مرحلة الكلاب.. التي أنا فيها الآن! عندما يصير له بزاوز، بنون وبنات، يخرجون له عقله من فرط الصراخ والعويل والصياح والخصام والتقرقيج.. فيبدأ في النباح المتواصل: واش راك تدير آقدور بن الكلب؟ أرواح هنا آلعور المخنز! أقعد، ريح آوجه الفكرون..! الله يمسخك يا عينين بلالا.. وين راها أمكم؟ أروح أنت هنا.. ريح أنت، أخرجي أنت!.. نباح متواصل! لأنه يعيش مرحلة الكلاب! ثم يدخل بعده ذلك في مرحلة القردة لما يصير يمشي على أربع لا يقوى على الوقوف، يتكمش وجهه وينبت الشعر في لحيته ويديه ويخرج له من أذنيه وأنفه وتهبط حواجب عينيه ويعوج فمه وتنحني رقبته ويحدودب ظهره! فهو الآن يعيش المرحلة التي أخذها من القرد! إنها مرحلة القدرة! هذا ملخص الأسطورة لكي تفهمون كيف أني أعيش الآن مرحلة الكلاب مع 12 بزا! لهذا الثرثرة قد تكون بسبب الهبال والحمق الذي أوصلني إليه أبنائي.. “الدوز صالوبار”!.
الصيف، هو شهر الثرثرة عندي بامتياز! فإذا لم أكن في البحر أو في السوق، فأنا في المطبخ عند أذن زوجتي: واش درتي؟ وهذا واش هو؟ كفتة وإلا بوراك؟ وعلاش مادرتيناش السلاطة باردة في هذا السخانة الحامية؟ ولمحاجب وقتاش تديري يمات يماهم؟ أنا نبغي ناكلهم قاع في خطرة؟ والشربة. كاينة وإلا حتى لغدوة؟، ونتاع البارح ما بقاتش؟ وعلاش راكي تضيعي في الثوم والبصل؟ وهذا الشطب نتاع القصبر اللي رميتيهم، جاو باطل؟ وكلام من هذا النوع طول النهار! زوجتي على “طرطرتها” أشهر العمل، لا تغلب ثرثرتي في الصيف، لهذا تفضل السكوت! لكني أنا لا أسكت، مما جعلها تطلب اللجوء السياسي عند والديها..؟ لكن من يملأ لي المعدة التي لا تتوقف عن الهضم والبلع؟ من لي بمن ينهال علي بمسلسل من المأكولات! حتى بناتي.. “برا كاصي” لا يعرفن حتى كيف يقلين بيضة، أما أبنائي فحدث ولا حرج: لو وجدوا من “يصرط” لهم لكان أحسن! بل حتى من يذهب بدلهم إلا بيت الخلاء!، لهذا كان علي أن أتفاوض معها ومع والديها ووصلنا إلى اتفاق مشترك وحل وسط، خاصة بعد أن عرفوا أنّ مرض الثرثرة التي يسمونها هم بـ”التنقريش” وفي رواية أخرى “التنوقير”، لا يمكن أن أتخلى عنه لأنه مكون جيني داخل الكروموزومات! توصلنا إلى حل وسط: يوم لـ”التنقريش” ويوم من دونه!
هكذا تم توقيع الاتفاق وعادت زوجتي بعد ثلاثة أيام لنطبّق اتفاق الهدنة!

المشكل هو أنها المسكينة يوم التنقريش، تصم آذانها وتنتظر يوم الغد بشق الأنفس، لكن يوم الغد أكون عند رأسها وأنا أردد: اليوم ما كانش التنقريش.. ما عليهش، صحة، متفاهمين، رانا تفاهمنا عليها، بصح غدوة.. غدوة نوريك النتقريش كي داير؟ أنا اليوم ما نقرش عليك، بصح قارع غدوة! التنقريش نتع الصح!.
وأبقى طول اليوم أردد الكلمات والجمل نفسها كأسطوانة مشروخة!.