-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

عندما تتوحد الإرادة بالعبقرية

صالح عوض
  • 1647
  • 0
عندما تتوحد الإرادة بالعبقرية

توحدت الإرادة بالعبقرية المتجددة في الثورة الجزائرية كما لم يحدث في سواها قط.. فلطالما ارتبطت الإرادة بالتيبس أو تمسكت العبقرية بالانتهازية.. ولكن في الثور ةالجزائرية كانت الإرادة ملتزمة بالعبقرية فكانت الانتصارات المعجزات..

في مثل هذه الأيام كان الإضراب الكبير الذي أعلنته الثورة الجزائرية في أواخر شهر جانفي 1957 قد اكتمل فيما الاستعماريين وأجهزتهم الأمنية لم يغلقوا الملف بعد.. فانطلقوا في كل مكان لإلقاء القبض على المخططين والموجهين والقادة.. في مثل هذه الأيام كان الجزائريون في القصبة وأحياء الجزائر يلملمون جراحهم ويستجمعون روحهم بعد أن شن الجنرال بيجار وزبانيته من قوات المظليين الفرنسيين أبشع الممارسات في حق شعب قرر الحياة الإنسانية الكريمة.. وكما ذكر ساوريس ضابط الأمن الفرنسي المكلف بالقتل من دون محاكمات بمجرد الشبهة في التحقيق بأن مذبحة حقيقية حصلت للأسرى الجزائريين وأن فتكا واسعا بلغ الذروة بالشعب لتحطيم الإضراب وإفشاله في تحقيق هدفه السياسي.

كل هذا أقل بكثير مما شهدته أيام ذات شتاء في سنة 1957.. ولكنه مع كل مرارته وقسوته كان المعبر الحقيقي الذي اجتازته الثورة نحو الاعتراف بالقضية الجزائرية.. كان الممر الوحيد بعد أن خرس العالم وغطى الإعلام الاستعماري على أعين الغربيين والمؤسسات الدولية فلم يروا أن للجزائريين الحق في الاستقلال كبقية شعوب العالم ولم يروا في العدوان الفرنسي المتكرر على حياة الجزائريين الا مسألة فرنسية داخلية.

هنا كانت الثورة وكان قادتها وعلى رأسهم القائد الفذ العبقري العربي بن مهيدي الذي قاد ثورة المدينة وصاحب نظريتها بعد أن أدرك أنه لابد من تحريك ثوري يرتفع بالثورة إلى إهداف استراتيجية جديدة.. فبعد أن شنت القوات الفرنسية الهجومات الواسعة بعشرات آلاف الجنود والطائرات لمحاصرة الثوار في الجبال والقرى والمداشر وكاد العدو يطمئن إلى أنه يسير نحو إنهاء الثورة كان لابد أن تأتيه الضربة العنيفة من حيث لا يشعر ولا يتوقع.. ثورة شعب يؤكد للعالم أنه خلف ثورته وأنه ملتحم بها.. ثورة تكسر هيبة الاحتلال الفرنسي وتشهر الكف في وجه المخرز فتنال بذلك احترام وتقدير شعوب الأرض.. ثورة تنتقل بالمجاهدين المقاتلين إلى مرحلة نضال أوسع وأشمل.. إنه الوصول إلى الأمم المتحدة وعن طريق بحر الدم.

أجل إننا إزاء عبقرية متجددة.. لقد كان يكفي أن نفكر في ثورة استقلالية وتحريرية لنوصف بين البشر أننا عباقرة.. إذ كيف يمكن تصور أن تتحرر الجزائر من فرنسا؟؟ من كان يتوقع ذلك؟؟ لا أحد، لا أحد، إلا أولئك الشباب والرجال القلائل الذين صنعوا فجر الثورة.. ولكن العبقرية لم تقف عند هذا الحد فلقد فتح الله للبصائر والأعين عن سبل الكرامة والنجاح في كل مجال اجتماعي وإعلامي وتسليحي وقتالي وفدائي وسياسي فكانت ثورة في كل مجال.. وفي كل مجال تجدد مستمر في التفكير والأدوات.

العربي بن مهيدي عنوان هذا الإضراب.. انتصر وأدى الرسالة كاملة ووضع الجزائر في العالم، قضية جزائرية تفرض نفسها على المجتمع الدولي بقوة الدم والنضال.. وكل ما سيأتي بعد الإضراب الشهير هو تحصيل حاصل.. إذن فلتصعد روحه إلى الله كريمة طاهرة عزيزة وهو يردد: “إن جلدي يأبى أن يخون شعبه ووطنه“.. رحم الله الشهداء وتولانا الله برحمته.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!