“عندما يُسرق اللحن ويُشوَّه الطبق.. هل سيكون الذكاء الاصطناعي حارسا أمينا لتراثنا؟”
هل استوقفك منشور صغير على مواقع التواصل الاجتماعي ذكّرك بلباس تقليدي أو طبق شهي، موسيقى أو قطعة أثرية تعرف تفاصيلها وتدرك أنها من تراثك لكنها تٌنسب إلى بلد آخر؟
إذا كانت الإجابة نعم فأنت محق جدا فما نراه يوميا على مواقع التواصل الاجتماعي من مشاحنات بين عدة دول على قطعة تراثية، موسيقى أو طبق شعبي شهي، يُحيلنا إلى التفكير العميق في حماية هويتنا الثقافية وكنوزنا من خطر التشويه الذي أبدع فيه محترفو السرقات الحديثة، فهل سيكون الداء هو الدواء ويكون الذكاء الاصطناعي المنقذ والحارس الذي نحتاجه؟
ساعد الذكاء الاصطناعي.. فكّر في التوثيق
فكّر في توثيق قصة أو تقليد من عائلتك أو منطقتك باستخدام فيديو أو تسجيل صوتي هذه خطوة بسيطة لكنها مهمة نحو حماية موروثنا الثقافي عبر التكنولوجيا وبمساعدة الذكاء الاصطناعي.
سيكون من المهم أن يحفظ كل منا جانبا من التراث بطريقته الخاصة وإيصاله بطريقة أو بأخرى إلى محترفي الذكاء الاصطناعي.
قد تبدو خطوة غريبة، لكنها بالغة الأهمية. فالتوثيق الذكي هو أول خط دفاع أمام محاولات محو أو تشويه الهوية، خاصة إن تم عبر قنوات رسمية تتعاون مع محترفي الذكاء الاصطناعي لحفظ التراث.
المعركة مستمرة.. والوعي يتزايد
ويسعى الكثير من الشباب الجزائري إلى توثيق لباس أو طبق تقليدي، قطعة حلي أو موروث شفهي، بعد أن كان الربط بينها وبين الجزائر من المسلمات أصبحت بين عشية وضحاها ضحية للسلب بطرق خبيثة جدا يصعب كشفها، في عالم امتلأ بتقنيات ذكية سهلت على السارق تنفيذ جريمته بإتقان بعيدا عن الأعين.
ويحاول البعض جاهدين محاربة السرقات عبر إقامة المعارض أو من خلال مواقع التواصل الاجتماعي رغم الهجمات التي يتعرضون لها حيث أصبح كشف الحقائق هدفهم عبر الغوص في التاريخ البحث عن صور قديمة لتدوين التراث ونسبه لأصحابه الحقيقيين من أمثلة ذلك صفحة الجزائر المحروسة عبر فيسبوك التي تركز على وضع النقاط على حروف التاريخ وإبراز جانب كثيرة من تراثنا وتسليط الضوء على السرقات التي حدثت في السنوات الماضية.

كما وقفت حصص تلفزيونية وصفحات أخرى عبر فيسبوك وتويتر ندا لمحاولات السرقة والتشوية مساهمين في توثيق الكثير من الموروث في انتظار أن يستلم الذكاء الاصطناعي المهمة.

وبرز الذكاء الاصطناعي مؤخرا كـ “منقذ”، وحل فعال في الميدان الثقافي بصورة خاصة حيث تحول إلى وسيلة صون متطورة للتراث الثقافي للمجتمعات ولم تكن الجزائر استثناء حيث لجات إليه بحثا عن مصدر آمن لحفظ المورث وصيانته بطرق جد حديثة.
كيف يحمي الذكاء الاصطناعي الموروث الثقافي؟
سألنا الذكاء الاصطناعي كيف يمكنه حماية الموروث الثقافي فكانت هذه إجابته:

“اكتشف الجزائر”: توثيق ذكي.. خطوة أولى في طريق الحماية
وفي جوان الماضي، أطلقت وزارة الثقافة تطبيق “Discover Algeria” (اكتشف الجزائر)، الموجه للتعريف بالتراث الجزائري والمواقع التاريخية عبر وسائط رقمية تفاعلية مدعومة بتقنيات الذكاء الاصطناعي.
ويحمل التطبيق ثماني لغات، يُمكّن المستخدمين من تصفح محتوى مرئي تفاعلي يشمل صورًا وفيديوهات قصيرة ومسارات جغرافية، ما يجعله أداة ذكية لتعزيز الوصول إلى الموروث الثقافي الجزائري داخل وخارج الوطن.

تم تطوير التطبيق بالتعاون بين الديوان الوطني لتسيير واستغلال الممتلكات الثقافية المحمية والمؤسسة الناشئة “ألفا أيرو سيستمز”، ويجسد التزام الدولة بحماية الهوية الوطنية وتثمين التراث الثقافي، انسجامًا مع رؤية رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون.
الذكاء الاصطناعي ليس ترفا بل حارسا أمينا لتراثنا
أصبح الفضاء الإلكتروني ساحة معركة لا ترى فيها العيون كل ما يحدث “خلف الكواليس”، فتغريدة غير بريئة أو منشور بسيط هو فرصة متكاملة الأركان للسرقة أو التزوير. فلك أن تتخيل أن تراث أمتنا الثقافي يُستغل بسهولة كبيرة تحت مسميات براقة وجذابة؟
أجاب البروفيسور عبد القادر دحدوح أستاذ باحث في التراث الثقافي ومدير عام الديوان الوطني لتسيير واستغلال الممتلكات الثقافية المحمية سابقا في تصريح لـ “الشروق أونلاين” عن سؤال متعلق بالذكاء الاصطناعي وهل من الممكن أن يكون بديلا للمختصين والخبراء في حماية تراثنا وهويتنا الثقافية؟
يقول البروفيسور دحدوح: ” للتكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي دور كبير في الحفاظ على التراث الثقافي المادي وغير المادي، وقد بذلت الجزائر ممثلة في وزارة الثقافة خاصة جهودا معتبرة في هذا المنحى وقطعت أشواطا لا بأس بها، فقد تابعنا جميعا أن وزارة الثقافة والفنون في إطار احتفاليتها الخاصة بشهر التراث لسنة 2025 الذي ينعقد بين 18 أفريل و18 ماي من كل سنة خصصت التظاهرات كلها نحو التراث الثقافي في ظل الذكاء الاصطناعي.”
نسير نحو حماية التراث بخطوات متزنة
وأضاف البروفيسور عبد القادر دحدوح أن الجزائر تبنت تجارب عديدة تخص استخدام التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي في خدمة التراث الثقافي بداية من الجرد والاحصاء الالكتروني واعداد الخرائط الرقمية والاستعانة بتطبيقات في البحث الأثري وتكنولوجيا متطورة في التنقيب، واستغلال تطبيقات الكترونية في التصوير والتوثيق، وإعادة تصور للمواقع والمعالم المندثرة ثلاثية الابعاد، فضلا عن استغلال تطبيقات الواقع الافتراضي والواقع المعزز والهولوغرام في عرض التحف والمعالم والمواقع الأثرية.
الكرة في ملعب الذكاء الاصطناعي والتسويق
كما أكد البروفيسور دحدوح أنه وعلى غرار الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساهم التسويق الرقمي هو الآخر في الترويج للتراث الثقافي واستقطاب السياح من داخل الوطن وخارجه وما له من انعكاس على الاقتصاد الوطني من خلال جلب عملة صعبة، وخلف فرص الشغل، ومؤسسات ناشئة وتطوير المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وخاصة المؤسسات الخدماتية،
وأضاف أنه لا يمكن أن يتحقق هذا دون اعتماد التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي في الحفاظ والترويج لتراثنا الثقافي من خلال استحداث منصات رقمية تروج للتراث والوجهات السياحية داخل الجزائر.
التوثيق والتكنولوجيا الحديثة حجة قوية أمام سارقي التراث
ونبه البروفيسور دحدوح إلى أهمية حماية التراث الثقافي الجزائري من السرقة والتهريب قائلا: “فكلنا نتابع تعمد الجارة الغربية سرقة بعض من عناصر تراثنا الثقافي غير المادي ومحاولة تسجيلها باسمها على مستوى المنظمة العالمية لليونيسكو في قائمة التراث العالمي، على غرار تسجيل الفنتازية، وقناوة، ومحاولات تسجيل القفطان والزليج وغيرها، كما لا يخفى على أحد الجهود التي تبذلها الدولة الجزائرية ممثلة في وزارة الثقافة والفنون وزارة الخارجية في سبيل التصدي لهذه المحاولات اليائسة، ولا تزال الدبلوماسية الثقافية الجزائرية تحقق السنة تلوا الأخرى خطوات مهمة من خلال تسجيل في كل سنة على الأقل عنصر أو عنصرين ضمن قائمة التراث العالمي.”
وأشار المتحدث إلى أنه “وبلا شك فإن التسويق الرقمي لتراثنا ونشره في المواقع الإلكترونية والمنصات الرقمية الرسمية سيكون أداة حماية وحجة قوية أمام كل من يحاول تبني أو سرقة عنصر من عناصر تراثنا الثقافي، فضلا عما تقدمه هذه التقنيات من أهمية للترويج للتراث الجزائري وهوية أمة عريقة تذهب في عمقها التاريخي إلى أزيد من 2.4 مليون سنة من الزمن، أمة غنية بتراثها الثقافي المادي وغير المادي، أمة لا تزال تحافظ على عناصر هويتها التي تشكلت فيها منذ أن وطأت قدمها على هذه الأرض، وبالرغم مما تعرضت له عبر التاريخ من حروب ومعارك واستعمار روماني وندالي بيزنطي وأخيرا فرنسي إلا أن أبناء هذه الأمة لا يزالون يتشبثون بأرضهم وهويتهم وأصالتهم الحضارية.”