عودة الشاذلي!
في ذات ليلة باردة من 11 جانفي 1992، أطلّ الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد، يُعلن للجزائريين استقالته من رئاسة الجمهورية، في أعقاب أحداث مثيرة وخطيرة انتهت بتوقيف المسار الانتخابي، ولأول مرة في تاريخ الجزائر المعاصر، تمّ تشكيل “رئاسة جديدة” وفريدة من نوعها، سمّيت آنذاك بالمجلس الأعلى للدولة.
.. وفجأة ودون سابق إنذار، انسحب “شايب الراس”، أو فرضت عليه التطورات أن “ينسحب بشرف” حتى لا تأكله “الآلة”، وشرع بعدها المجاهد الراحل محمد بوضياف، في استخلاف الرئيس المستقيل رفقة كل من خالد نزار وعلي كافي وتيجاني هدام وعلي هارون، قبل أن يلتحق بـ”الجماعة” رضا مالك، عقب اغتيال بوضياف واستخلافه بكافي.
22 سنة بعد “الاختبار” والاختيار، وقف الجزائريون على أحداث وحوادث لم يكن من السهل تجاوزها والتكيّف معها، لولا مشيئة الله وإرادة الرجال، لكن الفاتورة كانت باهظة، حيث سقط آلاف الضحايا وسط الأبرياء والعزّل، وتكبّدت البلاد والعباد خسائر بالجملة والتجزئة، وكدنا والعياذ بالله أن نغرق في فنجان الخلاف والفتنة والمواجهة المفتوحة!
الشاذلي الذي استقال، أو مثلما فهمها البعض أنها “إقالة”، واجه قبل “موجة الفيس”، أحداث الخامس أكتوبر 88، فخرج منها منتصرا بتسليم الحزب الواحد آنذاك شهادة وفاته، وإعلان ميلاد التعددية والدخول في “نفق” الديمقراطية، ردا على مطالب الشارع التي كانت اجتماعية بحتة، وهو النصر الذي لم يتكرر بعد انتخابات 91، التي انتهت بـ”عصيان مدني” توقف عند عتبة توقيف المسار الانتخابي، قبل دخول البلاد في مرحلة مقاومة الإرهاب الأعمى.
رحل “الرئيس الطيّب” من الحكم، واختفى من الواجهة، قبل أن يعود بخرجات إعلامية شحيحة، مدافعا عن نفسه وعائلته، وواضعا النقاط على حروف بعض الكلمات التي ظلّت غامضة أو مشفـّرة، وبصعود عبد العزيز بوتفليقة، إلى رئاسة الدولة عاد الشاذلي بن بعيد في لقاءات جمعت الرؤساء خلال الأعياد الوطنية، بما اعتبره متابعون أنه “رد للاعتبار!”
بعد قرابة الـ21 سنة عن “خريف الغضب” و”شتاء الرحيل”، رحل بن جديد إلى الأبد، تاركا وراءه ألغازا واستفهامات، ولم يُكتب لمذكّراته في جزئها “السرّي للغاية” أن ترى النور بعد، علّها تنير جزءا من الزاوية المظلمة لغرفة كانت مرعبة ومحاطة بالسيّاج الشائك!
الواجب الآن، هو تقييم المراحل السابقة دون عقدة ولا تحريف، بل بإحصاء المكاسب وجرد المصائب حتى لا تتكرّر الأخطاء والخطايا، وحتى يتم تصحيح ما يُمكن تصحيحه وتقويمه، بعيدا عن منطق الانتقام والأحقاد وتصفية الحسابات، وقد يكون هذا الطريق السليم والأسلم والسلمي حتى نسير نحو الأمام بسرعة مضمونة، دون أن نكسر المرآة الخلفية، فنصبح نراقب دورة المنعرج دون أن نلتفت إلى الخلف!