عين تموشنت… مصطافون يحوّلون الشواطئ إلى مفرغات للقمامة
تتميز ولاية عين تموشنت بشريط ساحلي يجذب آلاف المصطافين من داخل الولاية وخارجها، لما تزخر به من شواطئ خلابة ومناظر طبيعية تجعلها واحدة من الوجهات السياحية التي يقصدها الباحثون عن الراحة والاستجمام، غير أن هذا الجمال كثيرا ما تصطدم به مشاهد مؤسفة، صنعتها أياد لم تحسن التعامل مع الطبيعة، بعدما تحولت بعض المواقع السياحية إلى فضاءات تغرق في النفايات ومخلفات المصطافين، في مشهد يشوه الصورة الجميلة التي يفترض أن تميز هذه المنطقة الساحلية.
وخلال جولة قادتنا إلى عدد من الشواطئ والمواقع الطبيعية بعين تموشنت، وقفنا على صور متباينة بين جمال الطبيعة وقسوة السلوك البشري، حيث بدت بعض الأماكن وكأنها دفعت ثمن الإقبال الكبير عليها، بعدما ترك عدد من الوافدين مخلفاتهم في المكان من دون تكبد عناء جمعها أو وضعها في الأماكن المخصصة لها.
وكان الشاطئ المعروف بـ”لاقيتار” إحدى المحطات التي عكست حجم المشكلة، حيث لفتت انتباهنا أكوام ومخلفات متراكمة في عدد من النقاط، لتطغى على المشهد الطبيعي وتفسد على الزوار متعة الاستمتاع بالبحر والشاطئ، أكياس بلاستيكية، قارورات ومختلف بقايا الأطعمة وغيرها من الفضلات، وجدت طريقها إلى الرمال، في مشاهد لا تليق بموقع سياحي يستقبل أعدادا كبيرة من المصطافين خلال فصل الصيف.
وفي المكان، التقينا بأحمد بن ربيع، القادم من وهران، وكانت علامات الحسرة بادية على وجهه وهو يتأمل الوضع الذي آل إليه الشاطئ، وأكد لنا بكل أسف، أن ما شاهده من أوساخ ومخلفات طالت المكان لا يعكس جمال المنطقة ولا قيمة شواطئها، معتبرا أن المصطاف الذي يقصد البحر بحثا عن الراحة والاستجمام مطالب أيضا بأن يكون شريكا في الحفاظ على نظافة المكان الذي اختاره لقضاء يومه.
وقال أحمد، وهو يتحدث عن المشاهد التي عاينها، إن الاستمتاع بالطبيعة لا ينبغي أن يكون على حسابها، مشيرا إلى أن ترك النفايات وراء المصطافين يحوّل المواقع، التي يفترض أن تكون متنفسا للعائلات، إلى أماكن تنفر منها العين قبل أن تنفر منها النفس.
ولم تكن هذه الصورة معزولة، إذ قادتنا الجولة إلى شاطئ آخر معروف باسم “مرسى براكة”، وهناك صادفنا مشهدا مختلفا في تفاصيله، لكنه يحمل الرسالة ذاتها وهي الحاجة إلى وعي أكبر لدى المصطافين بضرورة المحافظة على نظافة الشواطئ.
وبمحض الصدفة، التقينا بالممثل محمد يبدري، الذي اختار أن يحوّل زيارته للشاطئ إلى مبادرة لتنظيفه، وأكد لـ”الشروق” أنه كان ينوي قضاء يوم هادئ في هذا الشاطئ والاستمتاع بأجوائه، غير أنه تفاجأ بما وجده من مخلفات تركها الوافدون وراءهم، الأمر الذي جعله، رفقة عدد من رفاقه، يقررون عدم ترك المكان على حاله.
وبدل الاكتفاء بالتذمر من الوضع، بادر يبدري ورفاقه إلى تنظيف الشاطئ ورفع النفايات المنتشرة فيه، في صورة تعكس أن المحافظة على البيئة ليست مسؤولية جهة واحدة، وإنما سلوك يمكن أن يبدأ بمبادرة فردية بسيطة، قبل أن يتحول إلى ثقافة عامة.
ولم تتوقف مبادرته عند جمع النفايات، بل عمد أيضا إلى نشر فيديوهات توعوية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، يحث من خلالها المصطافين على رفع مخلفاتهم بعد مغادرة الشاطئ، واحترام الطبيعة والمحافظة على نظافة المكان، وهي خطوة أراد من خلالها إيصال رسالة واضحة مفادها أن الشاطئ ملك للجميع، وأن نظافته مسؤولية الجميع أيضا.
المشهد الذي صنعه محمد يبدري ورفاقه، كان يحمل دلالة أكبر من مجرد عملية تنظيف عابرة، فهو يؤكد أن بعض المواطنين باتوا يدركون أن حماية الأماكن السياحية لا يمكن أن تنتظر دائما تدخل عمال النظافة أو الجهات المسؤولة، وإنما تحتاج كذلك إلى سلوك يومي يبدأ من المصطاف نفسه، عبر جمع نفاياته وعدم تركها في الرمال أو بين الصخور أو في محيط الغابات.
أما المحطة الأخيرة من الجولة، فكانت بالغابة القريبة من شاطئ “ساسل”، حيث كانت الصورة أكثر إيلاما، بعدما بدا المكان في حالة كارثية، مع انتشار المخلفات وبقايا ما يتركه بعض الزوار بعد قضاء أوقاتهم في الطبيعة، الغابة التي يفترض أن تكون فضاء للراحة والاستجمام، وواجهة طبيعية تستقطب العائلات والزوار، تحولت في بعض أجزائها إلى مشهد يثير الاستغراب، ويطرح تساؤلات حول علاقة الإنسان بالمكان الذي يقصده للترفيه.
ففي الوقت الذي تبذل فيه الجهات المعنية جهودا لتطوير السياحة وتحسين ظروف استقبال المصطافين، تبقى هذه الجهود مهددة بالتشويه إذا لم يرافقها وعي حقيقي من طرف الزوار، فتنظيف الشاطئ أو الغابة بعد امتلائها بالنفايات قد يعالج المشكل مؤقتا، لكنه لا ينتهي ما دام السلوك ذاته يتكرر كل يوم.
وتكشف هذه الجولة أن جمال شواطئ عين تموشنت لا ينقصه شيء من الطبيعة، بحر ورمال ومساحات خضراء ومواقع قادرة على استقطاب المزيد من الزوار، لكن ما ينقص بعض هذه الأماكن هو ثقافة المحافظة عليها، فالمكان الذي يستقبل المصطاف صباحا يجب ألا يترك في المساء مغطى ببقايا الأكل والقارورات والأكياس البلاستيكية.
إن الحفاظ على نظافة الشواطئ والمواقع الطبيعية لا يحتاج دائما إلى إجراءات معقدة، بل يبدأ بخطوة بسيطة، أن يأخذ كل مصطاف مخلفاته معه عند المغادرة، أو يضعها في الحاويات المخصصة لها، سلوك بسيط، لكنه قادر على إحداث فرق كبير في صورة المكان.
وبين مشاهد النفايات المنتشرة في “لاقيتار” والغابة القريبة من “ساسل”، ومبادرة محمد يبدري ورفاقه في “مرسى براكة”، تتجسد مفارقة واضحة، وهي أياد تترك وراءها الفوضى، وأياد أخرى تحاول إصلاح ما أفسدته، وبين الاثنين تبقى الطبيعة هي الخاسر الأكبر.
ويبقى الأمل أن تتحول المبادرات الفردية، على غرار ما قام به محمد يبدري ورفاقه، إلى ثقافة جماعية، وأن يدرك كل وافد إلى شواطئ عين تموشنت أن نظافة المكان ليست مسؤولية عامل النظافة وحده، ولا مسؤولية السلطات فقط، بل مسؤولية كل من اختار أن يقضي يوما بين أحضان الطبيعة، لأن الشاطئ النظيف لا تصنعه الطبيعة وحدها، وإنما يصنعه أيضا وعي الإنسان.