غسيلنا منشور في كل مكان؟
في عام 1973، عندما بلغت العنصرية أسوأ درجاتها في فرنسا، قام أحد أعضاء المجلس البلدي بمدينة ليون الفرنسية بتعليق وثيقة في أحياء المدينة الفقيرة، نصح فيها العائلات الجزائرية المحافظة بأن لا تنشر الثياب الداخلية لنسائها على شرفات مساكنها، فتشوّه المكان وتجعل أسرار العائلات المحافظة أمام مرآى الجميع.
وبالرغم من أن البيان كان عنصريا، إلا أن سكان تلك الأحياء من المهاجرين الجزائريين انقلبوا مائة وثمانين درجة، وتحوّلوا إلى مضرب للمثل في النظافة والنظام، ونالت أحياؤهم الفقيرة في السنة الموالية جائزة أرقى أحياء مدينة ليون، ثاني أكبر مدن فرنسا على الإطلاق. وبعثت هاته الأحياء عددا من مشاهير فرنسا في الوقت الحالي، ومنهم نجم ريال مدريد كريم بن زيمة الذي ترعرع في هاته الأزقة، ويقال إن فيلا والده الوهراني هي أجمل ما وُجد في مدينة ليون قبل شهرة اللاعب، والآن وبعد مرور أربعين سنة، وبعيدا عن العنصرية، وفي قمة الموضوعية، تتفضل وسائل إعلام أوروبية ومؤسسات قضائية إيطالية وكندية بفضح غسيل وسخ، به بُقع غاز وبترول من ثياب ظلّت داخلية لعدد من المسؤولين الجزائريين وأبنائهم وحتى خليلاتهم، دون أن يتفاعل الشعب والنظام بالمقولة الشهيرة التي تولّد من الأزمة الهمّة، كما حدث مع الأحياء الجزائرية الفقيرة في قلب مدينة ليون الفرنسية، ودون أن ننتظر لاعبا من مهندسي الأزمة يتقمص ألوان مدريد أو غيرها من الفرق الملكية، بل إنهم جميعا صاروا مستشارين بدرجة “حاجب” في مؤسسات أجنبية نظير تورّطهم في الغسيل البترولي الأسود الذي شوّه صورة بلد التأميمات.
وستجد الجزائر اليوم الأحد، المصادف للرابع والعشرين من شهر فيفري، صعوبة كبيرة في الاحتفال بذكرى تأميم المحروقات، لأنها صارت تعلم بأن عمر هذه المحروقات صار محدودا، مما يعني أن عمر الاحتفال أيضا محدود، وأن التأريخ لا بد أن يذكر هاته الفضائح، التي نسفت ما بذله الرجال في زمن كان فيه التأميم أشبه بالثورة المسلحة في وجه الاستعمار. وإذا كنّا في كل احتفالية بعيدي الاستقلال والثورة نطالب بتجريم الاستعمار، ومحاكمته، فإن الاحتفال بذكرى المحروقات لا معنى له، ما دامت المطالبة بتجريم وزير المحروقات السابق الأمريكي الجنسية، وابن وزير الخارجية السابق الفرنسي الجنسية، وممثل الشركة الكندية التي تحصلت بالرشوة على النفط الجزائري الكندي الجنسية، ما زالت غائبة، وسيذكر الناس تلك الجملة التي قالها بحماس الرئيس هواري بومدين وصُوّرت بالأبيض والأسود: “قررنا تأميم المحروقات”، وسيستفيقون على محروقات في زوال وتأميم غائب من قاموس رجالات سوناطراك الذين تداولوا على نهب الثروة، وأحيانا تبذيرها في جيوب الكنديين والإيطاليين والأمريكيين، وما خفي أعظم وأوسخ بالتأكيد.
هل قدرُ الجزائريين أن يبقوا يتفرّجون على غسليهم المنشور في روما ومونتريال، وأن يبقوا يجمعون الملايير التي نُهبت من قوتهم وقوت أبنائهم، في عمليات حسابية قاربت إلى حد الآن العشرين مليار دولار، وأن يبقوا يحفظون أسماء شكيب وفريد ورياض ضمن عصابات النهب الجهري والعلني مع سبق الإصرار والترصد، وأن يبقوا يتلعثمون في ذِكر أسماء الشركات الأجنبية التي وُلدت من رحم بلاهتهم، وستموت بعد أن يستفيقوا من تيهانهم؟.. أسئلة جارحة وقاسية جدا ولكنها ليست أقسى من الإجابة.