غصة اللغة في “اللغاليغ”!
المنظومة التربوية عندنا تعاني منذ أمد غير قريب من مشكل “الشيزوفرينيا” التي تولدت عن زواج قصري بين مستعمِر ومستعمَر، لم تفصل فيه هويته، رغم كل الوثائق التاريخية التي تؤكد بأن الشعب الجزائري ليس أوروبيا ولا فرنسيا! وأنّ الهوية العربية الإسلامية الأمازيغية ثابتة، إلا أنّ البعض لازال يراهن على أن فرنسا جزء من هذه الهوية، وبالتالي فإن لغتها هي لغة هوية وطنية جزائرية! قالها مع الأسف حتى بعض الكتاب المحسوبين أصلا على العربية، عندما ساووا بين الفرنسية والعربية كلغة هوية للجزائريين!.
هذه المسألة لم تحسم سياسيا غداة الاستقلال ولاتزال إلى اليوم حصان طروادة للبعض من أجل التنكر للهوية الوطنية، والمطالبة بأن يعرف الجزائري على أنه فرنسي اللغة والتكوين!.
الحروب التي قادها بعض القادة السياسيين والإيديولوجيين ورجال الدين والإصلاح منذ الاستقلال من أجل تعريب التعليم وتعريب المحيط، لم تكن بدون ردود فعل علانية وسرية وتحت الطاولة. فالفرنسية كانت دائما حاضرة فكرا ولغة “كلبا وكالبا”، حتى لدى بعض المعربين من التيار اليساري!.
أقول هذا اليوم والمنظومة التربوية تشهد طورا جديدا من “الاستصلاحات” التي لا تصلح، ليس لكونها غير مكتملة، ولكن لكونها تحمل مضامين إيديولوجية بعيدة وتبعدنا عن هويتنا. جمعية العلماء المسلمين، حين خرجت بنداء للأمة نهاية الشهر الماضي موجهة خطابها للرئيس بغية إنقاذ جيل المستقبل من غسيل الدماغ الهوياتي الذي بدا لها حاضرا ومؤطرا لنظام إصلاحات الوزيرة بن غبريط، لم تكن من فراغ! والتوصيات التي أخرجت إلى النور من الظلمات الصيف الأخير، كان محكا لهذه الحقيقة.
ونحن نحتفل بذكرى يوم العلم في 16 أفريل، وبذكرى وفاة العلامة عبد الحميد بن باديس (الذي اختير يوم وفاته للاحتفال بيوم العلم، وكأنما أردنا أن نحتفل بوفاة العلم لا بولادته!)، سيكون من الأجدر أن نقيم إصلاحات بن بوزيد.. وزيد يا بوزيد! ثم نقيم كل الإصلاحات التي لم تصلح لنا والتي نقلناها عن ظهر “كلب” من الإصلاحات التربوية والجامعية الفرنسية من 1971، تاريخ أول إصلاح!.. تقييما كيفيا لا كميا، لأن كل المؤشرات تشير إلى أن الكم قد طغى على الكيف، كما طغت الإكستازي على الزطلة! المسألة ليست في البرامج والمناهج التي عليها أن تحين بطبيعة الحال بحسب تطور العصر والزمن، لكن المشكل سياسي بالأصل! عندما تنظر إلى ما وصلت إليه المدرسة والمتوسطة والثانوية وتلاميذها من مستوى تعليمي إلى مستوى الممارسات غير التعليمية التي تشهدها الساحة التعليمية (عنف، جرائم، اعتداءات، خطف، مخدرات، غش، تغيب، هروب، اعتداء على الأساتذة، اعتداء الأساتذة، منع الضرب والتوبيخ، تأنيش التلاميذ، تقليشهم كأنهم في روضة أطفال وليس في مدرسة!).. كل هذا يفيد بأن المسألة ليست في المناهج التعليمية، بل في النهج السياسي وأزمة نظام، لا يعتد بالعلم ولا بالتعليم! نظام يرى في التعليم واجبا فقط، عليه أن يقوم به أمام الناس وأمام العالم على أنه يقوم بعملية العلم والتعليم! لكنه في حد ذاته، لا يرى في التعليم ولا في العلم ولا في الثقافة إلا “خضرة فوق طعام”! آخر ما يبدو لهم مهما هو التعليم والصحة! لأن هذا الشعب بعيد عن اهتماماتهم ومشاغلهم! منشغلون بأنفسهم وذويهم وحساباتهم ومناصبهم ومشاريعهم هناك قبل هنا! هذا هو لب الأزمة التعليمية عندنا! نحن لا نولي اهتماما للمعلم، رغم أن المعلم كاد أن “يكون رسولا”! في اليابان عندما سئل أحد وزراء اليابان عن السبب الذي جعل من اليابان قوة علمية ضخمة في فترة وجيزة، قال لهم: “وصلنا إلى هذا المستوى، لأننا أعطينا للمعلم راتب الوزير، ومكانة الرئيس وقداسة الإمبراطور”! هذا هو السبب الذي جعل العلم يتطور عندهم وينهار عندنا! لأننا لم نستثمر في الإنسان في التعليم، بل لم نستثمر في شيء غير المصالح الضيقة والآنية والمناصب وملء الجيوب والتزلف من أجل البقاء في السلطة أو الوصول إليها!
نمت على هذا الهوس من مخاطر انزلاق المنظومة التربوية نحو هاوية الهوية، على اعتبار أننا جعلنا من العربية هي السبب في كل المشاكل التي تحدث لنا وأن الدين مصدر كل مصائبنا حتى تلك المصدرة إلى الخارج في شكل بضاعة تسمى “الإرهاب”! هذا ما قد نصل إليه من هذه الخطابات التي تبجل الفرنسة على حساب التعريب، والتي تجعل من المعرب أدنى، ومن الفرنسية لغة التطور والفهامة والعلم، مما يعني أننا نفكر بعقلية المستعمر الذي استبدل فرانسوا بعمر..!
نمت لأجد نفسي أستاذ فلسفة في ثانوية فرنسية ذات طابع جزائري! ثانوية، يعتبرون العربية ثاني ثانوية! لا يتحدث تلاميذها غير الفرنسية، لأن أمهاتهم وحتى آباءهم لا يتكلمون معهم سوى بها ومنها وإليها… حتى في البيت! تصوروا الفرنسية في بيت العربية! أنانيش تشم فيهم المساكين رائحة الغربة والتغريب والانسلاخ والاستلاب العقلي واللغوي والثقافي! قال لي تلميذ جوابا على سؤال هامشي: من فتح الأندلس؟ قال لي بلغة “عرنسية”: أستاذ، “باغازاغ.. مش نابوليون بوناباغت”! قلت له: أمك العورة اللي ساكنة في الدورة..! لم يعرف أحد منهم الإجابة. بعد ذلك رحت أتحدث عن سبينوزا..! وما إن نطقت بهذا الاسم حتى قالت لي تلميذة أنوشة: ياه أستاذ.. اسمه يشبه “un nom de dinosaure“!… ضربت رأسي بكفي، واكتفيت بالسكوت حتى لا أنفجر، خاصة لما لاحظت أنهم لا يفهمون ما أقول لهم بالعربية الفصحى ولا حتى بالدارجة! هل سأعلم الفلسفة بالدارجة؟ ماذا أفعل؟ أعود للفرنسية لكي أعلمهم العربية! أعلمهم الفلسفة العربية باللغة الفرنسية! أعلمهم الفلسفة الإسلامية وإخوان الصفا والمعتزلة من خلال لغة فولتير؟ المشكل أنهم لا يفهمون حتى الفرنسية العلمية! أنا لا أملك عقدة اللغة، الحمد لله أتحدث العربية والفرنسية والإنجليزية وأعرف الأمازيغية وقليلا من العبرية.. مش مشكل! وتعلمت في المدرسة الجزائرية.. فقط! لم أسافر ولم أدخل جامعة لا عربية ولا أجنبية! ما هذا الذي يحدث عندنا؟
عندما أفقت، وجدت نفسي فاتحا فمي و”قرللو” قد دخل.. على خاطره.. حتى وصل إلى الحلق! قفزت مذعورا وأنا أكاد أختنق! يا إلهي.. هذا “القرللو” كاد أن يخنقني!. س