فرنسا من دون “عرب”!
خلت قائمة الـ 23 التي سيخوض بها منتخب فرنسا كأس أمم أوروبا الـ 15 لكرة القدم (10 جوان – 10 جويلية 2016) من أسماء لاعبين ينحدرون من جذور عربية خلافا لما ظلّ يطبع الديوك على مدار العقدين الماضيين.
بعدما تجاهل “سمير نصري” متوسط “مانشستر سيتي” الانجليزي ودفعه للاعتزال دوليا، ثمّ تغييبه “كريم بن زيمة” رغم تبرئته قضائيا من (حماقة) “فالبوينا”، لم يتحرج الفرنسي “ديديه ديشامب” (47 عاما) عن استبعاد “حاتم بن عرفة” (29 عاما) رغم الموسم الكبير لصاحب الأصول التونسية مع نادي “أوجي سي نيس” الفرنسي (18 هدفا – 5 تمريرات حاسمة).
وبالتزامن مع شطبه اسمي “ماثيو فالبوينا” و”بلال ريبيري” وتسويغه ذلك بـ “الموسم المتوسط للأول” و”اعتزال الثاني دوليا”، ارتضى “ديشامب” إسقاط “بن عرفة” الذي تجرّع خيبة مواطنه السابق “صبري لموشي”، ويتواجد “بن عرفة” ضمن قائمة السبعة احتياطيين، في وقت كان الجميع ينتظر تواجد “حاتم” ضمن الـ 23 التي خلت من أي اسم “عربي” خلافا لما ظلّ يطبع الزرق منذ “يورو 1996” بإنجلترا مع جيل “زين الدين زيدان”.
وفي مؤتمر صحفي أعقب الإعلان عن الديوك المعنيين بـ “اليورو الفرنسي” المرتقب بعد أقل من شهر، رفض “ديشامب” اتهامه بإقصاء “بن عرفة” لاعتبارات غير كروية، وردّد: “كان خيارا رياضيا، بن عرفة لعب جيدا لكن هناك عدة لاعبين آخرين أدوا موسما رائعا، ولو كان استبعاد بن عرفة لأسباب غير رياضية لما وضعناه في قائمة السبعة بدلاء”.
لكن القرار لن يمرّ بهدوء في بلد اهتزّ قبل خمس سنوات على وقع فضيحة “القانون التمييزي” ضدّ الفرنسيين من أصول إفريقية، بالتزامن مع انتقاد تعاطي الفرنسيين مع مسألة الإدماج، ما دفع أبناء الجيل الثالث والرابع من المهاجرين المغاربيين ولا سيما الجزائريين في الالتحاق بوطنهم الأمّ (باستثناء رقص “نبيل فقير” على الحبال قبل عام ونيف).
وعاش جزائريون ومغاربيون اختاروا منتخب فرنسا أياما سوداء على غرار “صبري لموشي”، “كمال مريام”، “عادل رامي”، “سمير نصري”، و”كريم بن زيمة”، رغم كون مهاجم “ريال مدريد” الاسباني يعدّ أفضل هداف حاليا بمنتخب فرنسا برصيد 27 هدفا في 81 مباراة.
وإذا كان القضاء الفرنسي برّأ “بن زيمة” من قضية الابتزاز التي استخدمت كمبرر لاستبعاد “بن زيمة” عن الديوك في ديسمبر 2015، إلاّ أنّ “نُوّال لوغرات” رئيس الاتحاد الفرنسي ومعه “ديديه ديشامب” قررا حرمان “بن زيمة” من عرس القارة العجوز.
يُشار إلى أنّ اللاعب المثير للجدل “نبيل فقير” الذي كان بطلا لفصل كروي (رديء) إثر اختياره الديكة في العاشر مارس 2015، 96 ساعة بعد إبدائه الرغبة للانضمام إلى محاربي الصحراء، لم يُحظ أيضا بـ (اهتمام) “ديشامب” حتى وإن كانت إصابته التي أبعدته زهاء سبعة أشهر عن الميادين، جعلته أبعد عن اللحاق بـ “اليورو”.
يؤشر ما حصل على صفحة مغايرة ستدفع أصحاب الجذور العربية من الجيل القادم للتفكير مرتين قبل اتخاذ قرار باللعب لمنتخب فرنسا الأول، ولعلّ هذا ما يفسّر أيضا حسم المغربي “سفيان بوفال” وصديقه الجزائري “ياسين بن زية” لمستقبلهما الدولي مع أسود الأطلس ومحاربي الصحراء تواليا.
ويعني الأمر أيضا أنّ “نجوم” المستقبل أمثال: زين الدين مشّاش، إسماعيل بن ناصر، ريان سويسي وغيرهم سيختارون الجزائر، ولن يغامروا بالدخول في حسابات الزرق واحتمالات تغريدهم خارج مونديالي 2018 و2022 و”يورو” 2020.
وظلت عدة قنوات ومراجع في بلاد “موليير” تنتقد ما سمته “تنكّر” لاعبين تكوّنوا في فرنسا واستفادوا من رعاية فرنسية ليصنعوا بعد ذلك الأيام الجميلة لمنتخبات بلدانهم الأصلية.
ولم يتحرج الصحفي الرياضي الفرنسي “دانيال ريولو” من توصيف قرار “بن زية” بـ “الانتهازي”، متوقعا أن ينسج “آدم أوناس” على المنوال ذاته، وتعجّب “ريولو” كيف يمكن للاعبين أن يستفيدوا من مسار تكويني كامل في فرنسا، قبل انقلابهم فجأة، وتسائل عما إذا كان الأمر ينطوي على محاولة للفت انتباه مدرب الديكة (…) أم لأنّ جملة اللاعبين من جنسيات أجنبية صاروا لا يحسون أنفسهم فرنسيين.
وجرى التذكير بتغريدات قديمة لـ “آدم أوناس” متوسط “بوردو”، وقيامه بمهاجمة “ديديه ديشامب” مدرب منتخب فرنسا بعد استبعاد الأخير لـ “سمير نصري” من مونديال البرازيل.
وذهب متدخلون إلى أنّ الأمر في عمقه يعكس مشكلة اجتماعية جدية بشأن ما ينتاب الراهن الفرنسي، في حين أطلق آخرون النار على الاتحاد الجزائري لكرة القدم الذي يرمي بكل ثقله لـ “حرمان” فرنسا من مواهب حقيقية.
المثير أنّه في وقت اختار بعض الفرنسيين انتقاد تعاطي مواطنيهم مع خطوة “بن زية”، حرص فريق ثالث على التنويه بما فعله “كريم بن زيمة” و”نبيل فقير” من حيث انتصارهما لصوت العقل على حساب القلب، لكن ذلك لم يحظ بعرفان الفرنسيين فيما يبدو!