-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

فساد لا يزول إلا بزوال دولته

حبيب راشدين
  • 2937
  • 10
فساد لا يزول إلا بزوال دولته

حجم الفساد المستشري اليوم في جسد المجتمع، بعد أن كان حكرا على القلة من الصفوة، يبعث برسالة تهديد مفتوحة، هي بلا ريب أخطر من تهديدات الإرهاب، ومن بؤر التوتر على الحدود، ومن انهيار أسعار النفط، لأن وسائل مواجهة الإرهاب معلومة، وحولها إجماع، كما هي معلومة طرق تأمين الحدود والتصدي للاعتداءات على السيادة، وقد عشنا في السابق حالات انهيار لأسعار النفط أخطر بكثير، مع غياب غطاء من الاحتياطي، ووجود مديونية ضخمة.

غير أن الفساد الذي تحول إلى سلوك اجتماعي “محمود” مرضيٍّ عنه، وقيمة اجتماعية مضافة لا ينكرها منكر، ويُنكِر على من يتعفف مختارا كان أو مضطرا، يطرح اليوم على المجموعة الوطنية واحدا من أكبر التحديات في المستقبل القريب، ليس لأن وسائل محاربة الفساد ممتنعة أو مستعصية، بل لأن الجهة المعوّل عليها في مواجهة الفساد هي “أمّ” الفساد ومورده، قد استوطنت مروجه ودمنه، وملأت مسالكه ومجاريه من المنبع إلى المصب، لم تترك نشاطا بشريا واحدا إلا ولوّثته بسلوك ومعاملات جانحة آثمة، أخرجته عما جُبل عليه البشر بالفطرة أو بالعرف.

غالبا ما يتوقف رصد الفساد في الخطاب الإعلامي عند الحالات الفاضحة في الصفقات العمومية الفاسدة  المحسوبة على بعض رؤوس السلطة، مثل فضائح “الخليفة” و”الطريق السريع” و”سوناطراك”، لكنها ليست هي الأخطر، فهي على الأقل معلومة من جهة الخسائر، ومن جهة الثغرات القانونية والإجرائية التي سمحت بتنفيذ هذا النوع من “السطو” الموصوف، وافتراس المال العام على يد “حرّاس بوابته” وقد يكفينا عندئذ مراجعة القوانين المنظمة للصفقات العمومية، وإخضاع الصفقات لرقابة صارمة قبلية وبعدية.

محاربة الفساد كسلوك فردي جانح تبقى ممكنة، بل هي استحقاقٌ ثابت على الأطراف المفوضة في إدارة المال العام، وليست هذه حال الفساد الجماعي المؤسساتي المنهجي، حين يصير سياسة قائمة بذاتها متواطأ عليها، ووسيلة سحرية حصرية في إدارة الشأن العام، بإطلاق أيادي المسؤولين على مختلف المستويات، ورفع الحرج والعتاب، وتعطيل الرقابة، وتمييع الملاحقة القضائية، واعتماد مبدإ “كل يرتع حسب موقعه وطاقته” حتى صرنا نعتقد أن “الصالح هو من لم تتوفر له بعد فرصة الفساد”.

الصراع اليوم بين النخب على الضفتين، ليس محله شجب الفساد المفسد للدولة، وقد أسقط هيبة مؤسساتها، بقدر ما هو صراع مغالبة على الحصص عند القسمة، حتى إن أكبر مآخذ خصوم الرئيس داخل السلطة وفي المعارضة، لم يكن بسبب إفساده للدولة، وتعطيل مؤسّساتها الدستورية، والتفرّد بالسلطة، بقدر ما أخذ عليه تفرّد محيطه وحاشيته من المنتفعين بحصة الأسد من الريع، فجاء التركيز على الحاجة لإخلاء موقع الرئاسة، الموقع الأول لتوزيع الريع، بدل محاسبة الرئيس وأركان السلطة على جريمة إفساد الدولة المنشئ للفساد كله، وإضعاف مؤسّساتها إلى حد العجز حتى عن تلطيف شراهة المفسدين، وتحصينهم من العقاب حين تصل الأقدار ببعضهم إلى قاعة المحكمة.

هل بوسع أحدكم أن يراهن بدينار واحد مفلس على فرص محاربة الفساد، على يد دولة قد طوعها المفسدون لضمان “تنمية مستديمة للفساد”، وبنخبة حاكمة تُسأل بطون كبرائها: هل امتلأت؟ فتقول هل من مزيد، وآخرين يتربصون على الأعراف لم يدخلوا “جنة” الفساد وهم يطمعون؟

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
10
  • باسم الثائر

    لقد استشرى الفساد في عقولنا ويصعب علينا اصلاحه

  • بدون اسم

    الا يمكن ان تكون ثلة من الشبابالمتعلم الثقف الاصيل هو بينوشيه الجزائر انا لااقول واحد بل مجموعة شباب مثل ما حصل قبل ثورة نوفمبر الهذه الدرجة اصبحنا . . .

  • Baki

    لقد قال يوما الملك الحسن الثانى وهو يهدد شعبه (لقد خاطبناك ياشعبى العزيز ان المذهب المالكى اجاز قتل الثلثين لاصلاح الثلث المتبقى ؟؟؟ ) كما تلاحضون يتكلم بالمفرد عن الشعب وبصيغت الجمع عن حظرته.
    لاكن فى هذا الزمن الراهن هنا فى الجزائر العزة والكرامات ما يليق لنا هو دكتاتور مثل بينوشى يقطع رؤس كل المتلاعبين بهذا البلد الشهيد
    والسلام

  • فاروق

    كنا نعتقد بعد التعددية الحزبية ستولد العدالة والديمقراطية التي تنشر الرخاء والاخاء والنضباط والنظام البمحترم فاذا بنا نحن الى ما يشبه ما قبل التعددية الحزبية اي ما قبل 1988 وذلك لكون الفاسدسن والمفسدين هم هم انفسهم ولن يمكن التخلص منهم ولو يثورات وليس ثورة لانهم ببساطة قد اعدوا لهم قاعدة للارتكاز اساسها افساد مناهج التربية المدرسية والاسرية وخلخلت البنية الاجتماعية بقوانين حصادها بقاء العلل والمعتلين في هرم السطه الى يوم الدين وقد جاراهم الطامعون في الريع بالتصفيق والرضاء.

  • بدون اسم

    شكرا على التوصيف البليغ

  • نصرو الجزائري

    فعلا الجزائر تحولت من دولة لا تزول بزوال الرجال الىدولة تزول بزوال الرجال بفضل السياسة العرجاء

  • بدون اسم

    تولاها الله برحمته وحسبنا الله ونعم الوكيل.

  • Zoulou

    Bravo Mr , c'est la réalité depuis 15 ans que l'Algerie vie dans l'anarchie totale , la preuve les affaires de trahison comme el khalifa et l'autoroute Est-Ouest , les marchés informels , le payement obligatoire de stationnement aux rejetés de la société , et la liste et vraiment longue , la devise de Mr Tab-djnanou et son système , après moi c'est le déluge. que Dieu vous protège pauvre Algerie.

  • بدون اسم

    المشكل في هذا البلد أن الناس أصبحت تقول: "إن أفسد الناس أفسدنا و إن أصلحوا أصلحنا" هذا هو المفهوم السائد اليوم لدى أغلبية المجتمع إلا من رحم ربي...فالاشكالية ككل في العالم الثقافي للمجتمع الذي انهار و إذا انهار هذا العالم فانتظروا الفناء؟

  • بدون اسم

    ’فساد لا يزول إلا بزوال دولته‘ وكيف تزول دولته ؟