فصل المقال في الحكم على إسرائيل بالزوال
تتظافر الأدلة والبراهين، في كل آن وحين، وتتزايد الحجج على أن هذا الكيان الصهيوني المتغطرس والمتوحش، والذي ما فتئ يطاول في الآجال، ويقاوم الممكن بالمحال، إن هذا العدو، بجميع المعايير المنطقية، قد دنا أجله، وأصبح في حكم الماضي، حاضره، ومستقبله.
إن ما يقوم به الكيان الصهيوني اليوم من جرائم وحشية، وأعمال همجية، هي الحركات الجنونية التي تسبق الموت.
لقد تجاوز الصهاينة سن اليأس، ولجؤوا إلى كل ألوان البأس، ولم يرعووا عن محادة الله ورسوله، في أقدس المعالم وهو القدس.
هذه العلامات، إن هي إلا نُذر شؤم للصهاينة ومن شايعهم من الأعداء والعملاء، للتعجيل بنهايتهم، والإعلان عن اشتداد محنتهم، وانقراض صفهم، وكيانهم.
إذا أراد الله بقوم سوءا، هيأ لهم أسباب الزوال، وهاهم قد دبت بينهم عوامل الاختلال، وسرى بين جنود جيشهم مظهر التمرد، والعصيان، والانتحار، والانحلال.
ولا تسأل عن الغليان، والشنآن، ونفسية الجرذان، فاستحوذ عليهم الشيطان، وما ذلك إلا بتصويب الله لضربات الطوفان، وصمود الواقفين والواقفات، من أبناء غزة والضفة، والقدس، من الرجال، والأطفال، والنسوان، وبدعائهم وتلاوتهم للقرآن.
وما ظنك بقوم يحادّون الله ورسوله، فيهدمون المساجد، ويفجرون المستشفيات، ويدمرون المنازل؟
إنهم عصاباتٌ متوحشة، نُزعت من قلوبهم كل علامات الإنسانية، وركزت في عقولهم كل أعراض الحيوانية الوحشية، فاستهانوا بالأعراف، وداسوا على القيم الدينية، وخرجوا من كل المعاني الحضارية، فاستوى عندهم الصائم، والنائم، والقائم، والهائم، فالجميع في نظرهم، كتل بشرية ينبغي التخلص منها، ليخلوا لهم المكان، ويهدم البنيان، ويسود الخراب.
في هذا الجو الكئيب، والرهيب، والذي هو كما أسلفنا، بداية نهاية الدخيل الغريب، أدى شعبنا الفلسطيني، صيامه، وقيامه، وها هو يواجه العيد بالدموع، ولم يزده ذلك إلا ركوعا وخشوعا.
تبارك الذي خلق الفلسطيني، فخصّه بالعزيمة الفولاذية، وبقوة الإرادة والشكيمة، وبمتانة الصلابة في التصدي لكل المؤامرات الخسيسة واللئيمة.
وسبحان الذي أحاط الفلسطينيين بنوع من العرب، هم كجلمود صخر حطه السيل من علِ، ولسان حال الفلسطينيين أمام هذا المشهد، التمثل بخماسية الشاعر السوري عمر بهاء الدين الأميري بقوله:
تحجّر يا فؤاد، فإن حولي قلوبا، كالحجارة لا تلين
وآذانا عن الآهات صمًّا وقوماً ليس يشجيهم أنين
فإن لم تستطع فاكتم وجيبا تجدد في تردده الحنين
ولا تجتز بزفرتك الحنايا فثم ترعرع الألم الدفين
وعش طَيَّ الضلوع حبيس همٍّ كليث بات محبسه العرين
ذلك –إذن- هو حال بعض النافذين من العرب والمسلمين، في موقفهم إزاء الملحمة الغزاوية في فلسطين، وهم الذين يملكون كل الإمكانات، وهم القادرون على النجدة، وفعل كل شيء:
ولم أر في عيوب الناس عيبا كنقص القادرين على التمام
عجبت –حقا- لبعض النافذين من أمتنا، والذين يملكون كل أنواع الدعم والمساندة، ولكن أحجموا عن ذلك.
لقد طالبناهم بتحريك جيوشهم لحماية المستضعفين، فأبوا ذلك، والتمسنا لهم العذر، بأنهم لا يملكون العدة والعتاد لذلك.
وطالبناهم بفتح الحدود، لدخول الماء، والغذاء، والدواء، وهي من أبجديات الإمكانات الممكنة، فأحجموا حتى عن هذا، فقدًا للسيادة، وضعفا للإرادة.
وما لهم لا يستخدمون حتى سلاح المقاطعة، وهو أضعف الإيمان، كإشهار سلاح قطع النفط، وهو ملكٌ لهم، ويبيعون لمن يشاءون، ولكن حتى هذا لم يفعلوه، فأي تبرير نتخذه لهم، أمام هذه المواقف المخزية، إلا أن يكون التواطؤ مع العدو، وهو ما يمثل خيانة لله، ولرسوله، وللمؤمنين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾[سورة الأنفال، الآية 27].
لك الله يا شعبنا الفلسطيني المقاتل الأبي في الميدان وحدك ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾[سورة آل عمران، الآية 139]، لقد خبرناكم بالشدائد فوجدناكم نعم المؤمنين، وهذا هو سر انتصاركم على العدو، لأن الله معكم والمخلصين من عباده المؤمنين.
وعلى كل حال، فأيا كانت الذرائع، وأيا كانت العقبات، فالنصر قد بانت بشائره، والعدو قد خارت عزائمه، ذلك أن اللبنة الطيبة في أمتنا، قد تجنَّدت لنصرة غزة، واحتضان المقاومة. كما أن القوى الحية في الإنسانية، من مختلف الفئات الثقافية في العالم، ما انفكّت تبدي مساندتها للمقاومة الفلسطينية، بوصفها قضية حق، وعدل، وتحرير من الاحتلال والظلم.
على أننا نهيب بجميع فئات القوى الحية في أمتنا، وفي العالم، بذل المزيد من الدعم، ومن المساندة، المادية والمعنوية والإعلامية، لهؤلاء المقاومين والمستبسلين، لصدِّ العدوان، والوقوف في وجه الطغيان.
وأنه بفضل هذا الدعم، والمساندة، استطاعت القضية الفلسطينية أن تفرض وجودها، في المحافل الدولية، وفي المنابر الجامعية، والإعلامية.
وإن مما يؤلمنا حقا أن هذه القضية العادلة، والواضحة وضوح الشمس، في رابعة النهار، قد أدرك حقيقتها الطفل في مدرسته، والمرأة في مطبخها، والشيخ المسن في صومعته، ولكن جهلها أو تجاهلها السياسي العربي والمسلم في حكومته. فحسبنا الله ونعم الوكيل.
ويكفي أن نذكر بأن قضية بني صهيون إلى زوال، مهما اشتد البلاء وطال، وأن ذلك هو –في النهاية- فصل المقال.