-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

فلسطين تُربِك هَارفَارد: العدد الممنوع!

فلسطين تُربِك هَارفَارد: العدد الممنوع!
ح. م
جامعة هارفارد

في واقعة أثارت موجة استنكار واسعة في الأوساط الأكاديمية الدولية، أقدمت دار النشر التابعة لجامعة هارفارد على إلغاء نشر عددٍ كامل من مجلتها التعليمية العريقة “مجلة هارفارد التربوية” (Harvard Educational Review)؛ وذلك بعد أن تم تجهيزه للنشر والإعلان عن نشره. لقد كان هذا العدد مخصصًا بالكامل لموضوع “التعليم في فلسطين”.

بداية الحكاية: مارس 2024

في مارس 2024، وبعد ستة أشهر من بدء الحرب الإسرائيلية على غزة، تعرّض قطاع التعليم في غزة للدمار شبه الكامل: المدارس أغلقت أو تحوّلت إلى ملاجئ، ودُمرت جزئيًا أو كليًا الجامعات الاثنتا عشرة في غزة. وفي خضمّ هذه الكارثة، قررت مجلة هارفارد التربوية إصدار عدد خاص بعنوان “التعليم وفلسطين”. فبثّت هيئة تحريرها دعوة دولية للباحثين من أجل المساهمة بأبحاث لتنشر في هذا العدد الخاص، واختارت له العنوان “التعليم وفلسطين”، مستهدفة مقاربات نقدية وجريئة حول وضع التعليم تحت الاحتلال والحصار، وطرق تدريس القضية الفلسطينية في الأكاديميات الغربية.

وبعد أن تهاطلت المساهمات البحثية، اختير منها 12 مقالا، خضعت كلها لمراجعات علمية ولغوية دقيقة كما جرت العادة في المجلة. وبحلول جانفي 2025، تم توقيع العقود مع معظم المؤلفين، وأُنجزت المرحلة النهائية من التحرير. بل إن المجلة أعلنت رسميًا، عبر غلاف عددها الربيعي، عن قرب صدور هذا الملف الأكاديمي المهم، كما تم الترويج له أيضا في مؤتمر علمي بشيكاغو.

يظهر هذا الغلاف الإعلان عن صدور قريب للعدد الخاص حول التعليم في غزة (الرمز في الأعلى على اليسار، هو 'لوغو' المجلة)

يظهر هذا الغلاف الإعلان عن صدور قريب للعدد الخاص حول التعليم في غزة (الرمز في الأعلى على اليسار، هو ‘لوغو’ المجلة)

لكن في الكواليس، كانت هناك تصدّعات خفيّة داخل الجامعة. فقد بادرت دار النشر التابعة لهارفارد، التي تتولى طباعة وتوزيع المجلة، بإبداء تحفظات على محتوى العدد، وطالبت في فبراير 2025 بإزالة بعض المقالات -المختارة للنشر- من المواد الترويجية، من دون علم هيئة التحرير. ومن المعلوم أن العدد الخاص الذي كان يفترض صدوره في صيف 2025، تضمن مقالات بحثية معمّقة توثّق لأوضاع التعليم في الأراضي الفلسطينية، خاصة في قطاع غزة بعد أشهر من الدمار الشامل الذي خلفه العدوان الإسرائيلي. كما تطرق إلى المفهوم الجديد في الدراسات التربوية “الإبادة التعليمية” (Scholasticide)، أي التدمير المنهجي للمؤسسات الأكاديمية والتعليمية تحت الاحتلال.

وفي شهر ماي 2025، تم الاقدام على خطوة وُصفت بأنها غير مهنية حيث طلبت الدار مراجعة قانونية شاملة لمحتوى العدد زاعمة أنها تخشى “اتهامات محتملة بمعاداة السامية”، وهو ما رفضه المؤلفون بشدة، واعتبروه رقابة مؤسسية على مضمون أكاديمي خضع لكافة الإجراءات العلمية المعتمدة في الجامعة.

صدمة الإلغاء

بلغت الأزمة ذروتها في 9 جوان 2025 حين تلقى المؤلفون بريدًا رسميًا من دار النشر يُعلمهم بقرار إلغاء العدد كاملاً، بدعوى وجود “تعقيدات تحضيرية”، و”استقالة أحد المحررين الفنيين”، و”غياب التوافق المؤسسي حول طريقة النشر”. وزعمت المديرة التنفيذية للدار أن القرار لا يعبّر عن موقف سياسي، ولا يتعلّق بحرية التعبير، بل يتعلق الأمر بـ”صعوبة في التنسيق” و”قصورًا في العمليات التحريرية”. لكن هذه المبررات الواهية لم تُقنع أحدًا. فقد ردّ المؤلفون برسالة احتجاج جماعي، اتهموا فيها جامعة هارفارد بـ”الرضوخ للضغوط السياسية” و”انتهاك الالتزامات التعاقدية والأكاديمية”، واعتبروا أن ما جرى يمثل سابقة خطيرة في تاريخ النشر الأكاديمي في الجامعة، خاصة أن العقود كانت كلها موقّعة والمحتوى محرّر وجاهز للطبع والنشر.

وبالموازاة مع ذلك، أعربت هيئة تحرير المجلة، التي تتمتع باستقلال علمي داخل الجامعة، عن “خيبة أملها العميقة”، مؤكدة أن القرار اتُّخذ دون استشارتها، وأنه يمثّل انحرافًا عن تقاليد المجلة التي مضى على تأسيسها قرن من الزمن. وجاء في بيان هذه الهيئة: “إن حرية النشر الأكاديمي لم تعد مضمونة حتى داخل أرقى المؤسسات العلمية، إذا ما تعلّق الأمر بفلسطين”، مشيرة إلى ما يُعرف الآن بـ”الاستثناء الفلسطيني” في العالم الأكاديمي الغربي حيث تُمنع بعض الأصوات والمواضيع من الظهور بذريعة “الحساسية السياسية”.

ومن الدراسات التي ضمّها هذا العدد الخاص الملغى، نذكر المقالات التالية، فضلا عن مقالات تنتقد السياسات الأكاديمية الأميركية التي تحاصر موضوع فلسطين داخل الحرم الجامعي:

1) تدمير البنية التعليمية في غزة خلال الحرب الأخيرة، بما في ذلك استهداف الجامعات والمكتبات،

2) تحليلات معمّقة لمفهوم “الإبادة التعليمية” بوصفه سلاحًا ضد الشعوب المحتلة،

3) دراسات حول أشكال المقاومة التربوية في المخيمات والمدارس البديلة.

كان من المتوقع أن يشكّل هذا العدد مرجعًا فريدًا للباحثين والحقوقيين والمدرّسين، ويوفر نظرة شاملة حول معاناة الفلسطينيين من زاوية تعليمية وإنسانية، لكن قرار الإلغاء وأد هذا الجهد العلمي في لحظاته الأخيرة.

إقرأ أيضا – “الجامعة الأمريكية باتت هدفا في ظلّ ثورة ترامب الشمولية على مؤسسات المجتمع المدني”

جاءت هذه الحادثة في ظلّ هجوم سياسي عنيف تتعرّض له جامعة هارفارد منذ أواخر 2023، بسبب مواقف بعض أساتذتها وطلبتها المؤيدة للقضية الفلسطينية، وهو الأمر الذي دفع السياسيين المحافظين إلى تهديد الجامعة بقطع التمويل وفتح تحقيقات فيها حول “معاداة السامية”. وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن إلغاء العدد ليس معزولًا عن هذه الضغوط التي أدت قبل ذلك إلى استقالة رئيسة الجامعة، بل يأتي كـ”تنازل إداري” لتفادي الصدام مع الجهات والمؤثرة سياسيًا، حتى وإن تمّ تغليفه بلغة إدارية تبدو محايدة.

وقد أثار الإلغاء ردود فعل غاضبة داخل وخارج الولايات المتحدة. فهذه مثلا صحيفة “الغارديان” البريطانية تنشر في 22 جويلية تحقيقا مفصلا حول الفضيحة، وهذه الصحيفة الطلابية “ذي هارفارد كريمسن” The Harvard Crimson، التي تأسست قبل قرن ونصف، تنشر يوم 24 جويلية تقريرا يدين الحادثة. كما وقّع مئات الباحثين رسالة مفتوحة تدعو لإعادة النظر في قرار الجامعة. وأُطلقت عريضة إلكترونية بعنوان “دعوا العدد يُنشر” على موقع إلكتروني، جمعت آلاف التوقيعات خلال أيام، معتبرة أن ما حدث هو “حالة رقابة مكشوفة”.

ومن جهة أخرى، أعلن المؤلفون أنهم بصدد نشر مقالاتهم في مجلات أكاديمية أخرى، والتعاون مع مراكز بحثية مستقلة لإعادة طرح مضامين العدد على الرأي العام. كما تنوي هيئة التحرير تنظيم ندوات مفتوحة لمناقشة سبل حماية حرية النشر من الهيمنة المؤسسية في جامعة هارفارد.

تكشف حادثة إلغاء نشر عدد “التعليم في فلسطين” عن عمق الهشاشة التي أصابت الحريات الأكاديمية حتى في الجامعات المصنفة بين الأعرق عالميًا. فالقرار لم يكن مجرد إجراء إداري عابر بل كان مؤشّرا صارخا كشف عن مدى تشابك المصالح بين رأس المال والسياسة والبحث العلمي داخل مؤسسات أكاديمية يفترض فيها الاستقلال والجرأة، وفي مقدّمتها جامعة هارفارد. ومن هنا يبرز السؤالان: هل ما تزال الجامعة تمثّل ذلك المكان الرحب الذي يتيح المساءلة ويطرح القضايا الشائكة، ويناقش الأزمات، ويبدي الآراء المتضاربة؟ الجواب: لا! وهل تظل فلسطين استثناءً يُربك المعايير الأكاديمية ويكشف حدود حيادها، حتى في أعرق جامعات العالم، جامعة هارفارد؟ الجواب: نعم!

فحين تُذكر فلسطين، تسقط الأقنعة الأكاديمية… حتى في هارفارد!

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!