فنسان إيف بوتان.. جاسوس نابليون الذي حضر لاحتلال الجزائر
لم يكن الاحتلال الفرنسي للجزائر وليد فكرة طائشة، بل خطط له منذ عشرات السنين. ولا يذكر التاريخ كثيرا الجواسيس الذين كانت ترسلهم فرنسا للتجهيز لهذه الخطة الاستعمارية.. الشروق العربي، تكشف الغطاء عن أهم جاسوس فرنسي أرسله نابليون للتجسس، ومهد تقريره الذي كتبه قبل عشرين سنة لاحتلال الجزائر .
إنه العميل السري “فنسان إيف بوتان”، الذي زار الجزائر العاصمة عام 1808، لدراسة النزول الفرنسي المحتمل على المحروسة، والتأسيس النهائي لدولة الاستعمار. وقد حمل شارع “تونس حسين” اسمه سابقا، في القصبة السفلى.
في تقريره حول “الحصون والبطاريات الحربية في الجزائر” ، الذي أرفقه بأطلس يضم خمس عشرة خارطة ومخططا سريا، كان الكولونيل إيف بوتان أول من حدد الموقع المثالي لدخول الجزائر. وذلك بإنزال القوات الفرنسية في الجزء الغربي لشاطئ سيدي فرج. ووصف هذا الجاسوس الخطير أفضل طريقة للنزول، بمهاجمة المواقع الدفاعية في الجزائر وقوات الداي، ولم تخلُ توصياته من احترام الناس والبضائع. هذا التقرير، الذي أرسل في 18 نوفمبر 1808 إلى الأميرال ديكريس، وزير البحرية والمستعمرات، وصفه المؤرخ “فرانسوا شارل رو” على النحو التالي: “إن هذه الوثيقة تشكل أول دراسة مختصة لظروف الحملة العسكرية ضد الجزائر، وأول عرض منهجي للبيانات اللازمة لخوض مثل هذه الحروب، ولا مجال لمقارنة هذه الوثيقة المصيرية بدراسات سابقة على قلتها ولو كانت فيها بعض الفائدة”.
![]()
اعتبر نابليون هذا التقرير مرضيا لأبعد الحدود، خاصة أنه سبق له أن أرسل جاسوسه الرسمي “بوتان” إلى القسطنطينية (الآن إسطنبول في تركيا) في عام 1807، (ولاحقًا بعثه في مهمة جوسسة إلى مصر وسوريا 1811). وتم الاحتفاظ بهذا التقرير في أرشيف الجيش لاستعماله في الوقت المناسب، ولأن الإمبراطور عدل عن خطته لإحباط مخططات إنجلترا ومطامعها في البحر الأبيض المتوسط، وكان حلمه أن يصبح المتوسط “بحيرة فرنسية”.
يوميات جاسوس في المحروسة
في 24 ماي 1808، دخل المهندس فنسان إيف بوتان إلى الجزائر العاصمة، متخفيا. وقد كان في استقباله أقرب أقاربه، القنصل دوبوا ثينفيل، الذي ادعى أن قريبه في مهمة تجارية. وأنشأ بوتان ينفذ مهمته حتى 17 جويلية، متحديا الحظر المفروض على “الروميين”، الذين كانوا يمنعون من التجول في معظم أنحاء المدينة. كان
يتنقل بين سيدي فيروش، أو سيدي فرج حاليا، وكاب ماتيفو متنكرا في زي متجول وصياد. ووصلت تحركاته إلى الداي، فهدده بالطرد. قبل رحيله، دوّن بوتان جميع ملاحظاته حول ميناء الجزائر وتحصيناته، بما في ذلك الطريق بين سيدي فرج والعاصمة. بعد عشرين عاما، أصبح تقريره مرة أخرى مرجعا ودليلا لإمكانية “غزو” الجزائر العاصمة.
نهاية جاسوس
في عام 1830، تم اتباع تعليمات بوتان حرفيا. ولكن هذا الأخير غيبه الموت قبل خمس عشرة سنة، ولم يكن حاضرا ساعة نزول القوات الفرنسية في سيدي فرج، فقد مات في ظروف غامضة، في أفريل 1815 أثناء مهمته كخبير هندسي في مصر وسوريا، وهو في الواقع كان يتجسس كعادته لصالح أمه فرنسا.. وترجح بعض الروايات أنه قد تم قتله بعد أن تم اكتشاف أمره.