فوز الإمارات بـ “إيرينا”.. الدّولة والتّمكين
كانت لحظة صعبة على الأنفس.. ذرفت الدموع وبلغ الحزن مداه، واعتقد بعض المراقبين أن الإمارات العربية المتحدة تمر بلحظة صعبة من تاريخها، وقد كان ذلك حقيقة.. اللحظة المقصودة هنا هي وفاة الشيخ زايد بن سلطان في الثالث من نوفمبر 2004 .
-
وقبل أن يعود الناس إلى رشدهم من هول الصدمة، أو يرحل الحزن تاركا الإماراتيين يتأقلمون مع وضعهم الجديد، اعتقد البعض أن رحيل الشيخ زايد، باعتباره زعيما وقائدا، سيؤثر سلبا على مسار الدولة، وعلى من سيخلفه تحديدا، قياسا على تجارب عربية سابقة خصوصا في مصر والجزائر، مع أن الشيخ خليفة، ابنه الأكبر، كان الأقرب إليه، لكن خوف الناس كان له ما يبرره، فالرجل ـ الشيخ زايد ـ ما كان ليعوض على مستوى الفعل والقيم التي آمن بها، وما كان لخليفته وما ينبغي له أن يكون مثله أو مطابقا له.. إنما المهم أن يسير على خطاه، وقد تحقق ذلك بالفعل، بعد مدة من رحيل الشيخ زايد وبعد تولي الشيخ خليفة السلطة سرت شائعات أو مخاوف بين الناس مفادها: أن دولة الإمارات ستتراجع لجهة علاقتها مع الآخرين خصوصا مع العرب عن ذلك الذي حققته لعقود سابقة.
-
وزادت التساؤلات بعد أن رفع في الإمارات شعار التمكين للدولة، وكنت من الذين تساءلوا أي تمكين للدولة والدولة قائمة بالفعل؟ وكان علينا أن ننتظر سنوات غير قليلة لمعرفة الإجابة.
-
الإجابة عن سؤالي لنفسي قد تختلف عن قناعات وإجابات الآخرين، إذ إن ما سأقوله رأيا يلزمني ولا يلزم غيري، وما أراه هنا: أن التمكين هو تلك النقلة النوعية التي عاشتها الدولة من الانتقال في سياستها الخارجية لجهة الفعل والمشاركة من الإقليمي إلى القومي إلى العالمي، وفوزها باستضافة مقر الوكالة الدولية للطاقة المتجددة (ايرينا) الاثنين الماضي في شرم الشيخ، هو خير مثال يدلل على هذا التمكين، فقد قضت عقودا ذاهبة للآخرين، ومشاركة في حياتهم ومعيشتهم من خلال ماحباها الله من خيرات، وبدا عملها في المجال الخيري بلا مقابل أو ثمن، وأتصور أنها ما كانت لتبحث عن هذا خصوصا في مساعداتها المتواصلة للمحتاجين، حتى عندما واجه العالم أزمة اقتصادية طاحنة.
-
إذا، فدولة الإمارات تنتقل اليوم من المساهمة في الدعم المالي والاجتماعي لكثير من دول العالم إلى المساهمة في الحضارة الإنسانية وتبني موقفا نجحت فيه وبامتياز، والمتمثل في تلك النظرة الجديدة لتوزيع المؤسسات الدولية بين قوى العالم، بما يجعل أهل الجنوب شركاء وليسوا فقط أسواقا للاستهلاك أو فقط عناصر متخلفة يقبل منها ـ على استحياء ـ عناصرها المبدعة بشكل فردي.
-
صحيح أن عرضها التقني كان قويا، وصحيح أيضا أن دبلوماسيتها كانت ناجحة بامتياز، لكن الذي يجب أن لا يغيب عن أذهاننا هو ثلاثة مسائل رئيسة: أولها: أن هناك تراكما لفعل الخير وللحضور والاهتمام بمشاكل العالم بدءا من التلوث والأمراض والزلازل والبراكين وليس انتهاء بقضايا قيميّة تطلبت الدفاع رغم الخلاف السياسي بين الدول.
-
ثانيها: الحديث مع الدول الكبرى بلغتها، فما كان لها أن تفوز بمقر إيرينا مثلا لولا أن عرضها مقبول، والدليل على ذلك ليس فقط تصويت الدول الكبرى لصالحها، وإنما انسحاب المتنافسين وخاصة ألمانيا التي تملك تجربة قوية في مجال الطاقة.
-
ثالثها: الوعي بطبيعة المرحلة سواء من ناحية التغيير الحاصل في المواقف السيّاسيّة الدولية لضرورة القبول بالجنوب فاعلا في الأحداث الكبرى، أو بتوظيف القدرات المادية والمعنوية لما يخدم الهدف الأساسي.
-
نتيجة لذلك، يمكن القول أن الإنجاز الحالي، تم التحضير له من سنوات بهدف اقتناص واع للحظة زمنية تاريخية، وهناك أيضا تجاوز لحال العجز التي نواجهها على المستوى العربي والإسلامي و»العالمثالثي« إن جاز التعبير، حيث المنافسة النووية في المجال العسكري بلغت أشدها، ونحن أهل الطاقة في الغالب نبتعد عنها، فالإمارات هنا عملت على استرجاعها ووظّفت مقدراتها لصالح تلك اللحظة التاريخية..
-
هكذا إذن، يدخل العرب مرحة جديدة من التاريخ بوعي إماراتي متميز، وإن لم تع كل الأطراف ذلك لأن مشاغلها وهمومها أكبر من أن تفكر في الوقت الحاضر فيما يمكن أن يسفر عنه المستقبل.
-
مهما يكن وعي الآخرين بما حققته الإمارات، فإن الرشد في اتخاذ القرار يتجلى يوما بعد يوم على صعيد الفعل العربي.. إننا نغير الصورة على المستوى العالمي بهذا الفعل، ونغيّر الواقع أيضا، فلم يعد بعد اليوم الترويج لحرب مؤسساتية بيننا وبين الغرب في الشق المتعلق بالطاقة.. فها هو خطاب الشرق يعلن عن أن ما أدخلنا الغرب فيه من سباق نووي يمكن أن يتحول إلى سباق في الطاقة.. سباق سلمي يكرس فرص العيش ويمد قنوات للاتصال من أجل حماية البيئة في عالمنا.
-
علينا، ونحن نتحدث على فوز العرب ممثلين بالإمارات بمقر ايرينا، أن لا ننسى أن الأرض العربية التي نهجرها تكشف كل يوم على أنها محمّلة بالخير وقادرة على إعطاء الطاقة الروحية أولا، والمادية ثانيا، والمتجددة ثالثا، لكل العالم مرة أخرى فوز الإمارات بمقر “إيرينا” يجعل العالم يأتينا سعيا، خوفا من مستقبل قريب، حين لن تسعه أوطانه، وستسعه الصحراء العربية بما فيها مادام أهلها يقومون على تصدير فكر طيب، ويجعلون الأرض خضراء ويخاطبون العالم بلغة يفهمها، أهم ما فيها أن التغيير يبدأ من هنا.