-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
بينما تتمكن أسر فقيرة من الادخار

فوضى الإنفاق تقود أسرا ميسورة إلى الديون والأزمات

نسيبة علال
  • 54
  • 0
فوضى الإنفاق تقود أسرا ميسورة إلى الديون والأزمات
بريشة: فاتح بارة

تنجح بعض الأسر، ذات الدخل المحدود، في تدبير شؤونها حتى نهاية الشهر، دون الشعور بالحرمان أحيانا، بينما تعاني أسر أخرى، رغم امتلاكها مداخيل مرتفعة، من عجز دائم واضطراب مالي. مفارقة ذات بعد اجتماعي واقتصادي، تتحول إلى ظاهرة يصفها خبراء الاقتصاد السلوكي بـ”فوضى الإنفاق”، وتحليلها المنطقي يكشف أن المشكلة لا ترتبط فقط بحجم الدخل، بل بثقافة الاستهلاك وأنماط التسيير المالي داخل الأسرة.

تشير بيانات الديوان الوطني للإحصائيات إلى أن متوسط إنفاق الأسرة الجزائرية يقدر بحوالي 72.5 ألف دينار شهريا، مع تضاعف إجمالي نفقات الأسر تقريبا خلال عقد واحد كما ارتفع الدخل المتاح للأسر بنسبة 53% خلال خمس سنوات.

الأرقام تعكس تحسنا نسبيا في القدرة الشرائية، لكنها تكشف في الوقت نفسه عن تزايد النزعة الاستهلاكية، حيث يذهب جزء كبير من الدخل إلى الاستهلاك، بدل الادخار، وهو ما يجعل الأسر أكثر هشاشة أمام الطوارئ الاقتصادية والأزمات، التي ترتبط عادة بالمناسبات مثل رمضان، ومواسم الأعياد، والدخول المدرسي، لتضع المواطن في دوامة متواصلة، غير أن التراجع النسبي في الإنفاق، الذي سجلته إحصائيات وتقارير رسمية، بدءا من شهر رمضان 2024، نتيجة حملات التوعية ضد التبذير والإسراف، أكد لنا أن السلوك الاستهلاكي قابل للتعديل عندما تتوفر الثقافة المالية، فقد انخفض الإنفاق من 8 ملايين شهريا إلى 7 ملايين كمعدل تقريبي.

ما الرابط بين الدخل المرتفع والأزمات المالية؟

يرى مختصون في الاقتصاد السلوكي أن هناك عدة عوامل تفسر التناقض بين دخل مرتفع لا يغطي متطلبات الأسرة، وبين دخل محدود يمكن أسرة أخرى حتى من الادخار، إذ يرجع الأمر بحسب الأستاذ بربري أمين، خبير اقتصادي إلى: “التضخم الخفي لنمط الحياة (Lifestyle Inflation) بحيث كلما ارتفع الدخل، ارتفعت معه المصاريف تلقائيا على الكماليات، خاصة المطاعم، الملابس، الديكور والإكسسوارات… ما يؤدي إلى تآكل الزيادة دون تحقيق استقرار مالي، أما العامل الثاني والأهم، فهو غياب التخطيط المالي، الذي يجعل من الأسر الميسورة تميل إلى الإنفاق العفوي والعشوائي، بدافع اجتماعي أو نفسي، عكس الأسر ذات الدخل المحدود التي غالبا ما تعتمد على التخطيط الصارم، لضبط الميزانية”.

من جانب آخر، يؤكد الأستاذ بربري على أن الضغط الاجتماعي وثقافة الظهور والتميز في المجتمع الجزائري، خاصة في المناسبات، والانتقام من ضغط العمل، تؤثر بشكل ملحوظ في سلوك الإنفاق غير الضروري، وتنمي ثقافة عدم الادخار وتجعله سلوكا ظرفيا مرتبطا بالهدف أو الأزمة وليس منهجيا.

استراتيجيات الأسر محدودة الدخل لضبط ميزانيتها

يتفق مهتمون بالشأن الاقتصادي والاجتماعي على تأكيد فرضية أن الأسر ذات الموارد المحدودة تطور استراتيجيات فعالة، يقول الأستاذ لزهر نور الدين، خبير اجتماعي: “في المجتمع الجزائري، الأسر ذات الدخل المحدود تمتلك خصوصية تحديد الأولويات، بحيث يكون الغذاء والسكن والتعليم في مقدمة إنفاق الراتب، بينما الأسر الميسورة، والتي عادة ما تقيم في ملكيات خاصة، تنفق على الكماليات والبراندات ولا تسير بمبدأ الشراء الذكي، كاستغلال التخفيضات وشراء الحاجيات بالجملة..”

هناك أيضا عدة استراتيجيات مالية علمية، مصممة من أجل تفادي فوضى الإنفاق استنادا إلى أدبيات الاقتصاد السلوكي وتقارير المؤسسات المالية، منها ما هو مطبق في المجتمع الجزائري، بحسب ما يؤكده الخبير الاقتصادي بربري أمين، الذي يسمح للعائلات ذات الدخل المحدود بالتمتع باستقلالية مالية مع تفادي الديون، أهما: “قاعدة 50/30/20 50%  للحاجات الأساسية 30% للكماليات 20%  للادخار. هذه القاعدة تساعد على ضبط التوازن المالي، حتى مع دخل محدود، وتجعل رب الأسرة يتحكم في الأزمات ويسير المناسبات التي تتطلب ميزانية عالية.

هذا، ويشير الخبير إلى أن من أهم أسباب الإفلاس الصامت، وعدم القدرة على التحكم في الميزانية مهما كانت مرتفعة، هو الاستسلام لسلوك الاستهلاك العاطفي، أي الشراء بدافع التوتر والحالة النفسية سواء الجيدة أم السيئة أم التقليد الاجتماعي والانجذاب إلى الترند.

أبعاد نفسية تدعم العامل الاقتصادي

لا يمكن فهم فوضى الإنفاق دون التطرق إلى بعدها النفسي. إذ تؤكد الأخصائية نادية جوادي على أن الشعور بعدم الأمان أو الرغبة في إثبات المكانة الاجتماعية يدفع الأفراد إلى إنفاق مفرط، كما أن المقارنة الاجتماعية عبر وسائل التواصل أصبحت عاملا جديدا يضغط على ميزانيات الأسر”. في المقابل: “تميل الأسر محدودة الدخل إلى تطوير وعي مالي أعلى نتيجة الإكراه، ما يجعلها أكثر قدرة على التكيف”.

وبالتالي، فإن الدخل ليس دائما هو العامل الحاسم في الاستقرار المالي، بل طريقة إدارته، وترسيخ ثقافة الاستهلاك الواعي، وتعزيز التربية المالية داخل الأسرة، كل هذا لم يعد ترفا، بل ضرورة في ظل التحولات الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!