في معسكر
ما إن ترجّلت عن رحلتي إلى مدينة سيدي بلعباس، حتى رنّ هاتفي.. كان المتحدّث هو الأستاذ علي زنادرة، مدير الشؤون الدينية والأوقاف بولاية معسكر، يدعوني للمشاركة في إحياء ذكرى مبايعة المجاهد عبد القادر بن محيي الدين من طرف سكان المنطقة لقيادة جهادهم ضد فرنسا الصليبية المعتدية.
كنت أنوي أن ألقي معاذيري بعد شكري على الدعوة.. ولست أدري كيف تحوّل اعتذاري إلى الموافقة، لأن المناسبة لا تحتمل إلا ذلك.
لقد سمعت أكثر من مرة الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي يقول: “إنّ أبرز شخصية جزائرية في القرن التاسع عشر هو المجاهد بالسّنان عبد القادر بن محيي الدين، وأبرز شخصية جزائرية في القرن العشرين هو المجاهد باللسان عبد الحميد بن باديس”.
لقد شاركت عدّة مرات في إحياء مناسبات ذات صلة بالإمام ابن باديس، ولكنّ ظروفي لم تسمح لي بالمشاركة في ملتقيات عن المجاهد عبد القادر بن محيي الدين إلا مرتين أو ثلاث.
حللت بمدينة معسكر قبيل المغرب، وبعد الاستقبال، توجّهنا إلى مدينة غريس، التي تتوسّط أحد أخصب سهولنا التي أسالت لعاب فرنسا الناكرة للجميل، شأن كلّ لئيم.
أدّينا فريضة المغرب في مسجد “التوحيد”، وبعد كلمة ترحيبية، أحيلت لي الكلمة، فقلت بعد حمد الله والتصلية على رسوله، والترحّم على علمائنا العاملين، وشهدائنا الميامين، ومجاهدينا الصادقين، إنّ أهمّ ما جاء به الدين الإسلامي، وأبدأَ وأعاد القول فيه، وبشّر وأنذر، هو “توحيد الله”، عزّ وجل و”وحدة الأمة”.
لا مرية في أنّ الجزائريين كانوا موحّدين لله -عزّ وجل- منذ منّ الله عليهم باعتناقهم الإسلام، لكنّهم للأسف، لم يكونوا موحّدين (بفتح الحاء وتشديدها)، وهذا ما كان السبب الرئيس في تغلّب فرنسا المجرمة على جهادنا في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.
إنّ عدم توحيد صفّنا وقيادتنا هو ما تنبّه إليه “النوفمبريون” وهو ما دعت إليه، وكرّرت القول فيه جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وأبرز دليل على ذلك ما كتبه الإمام ابن باديس في مجلة “الشهاب” في شهر سبتمبر 1937، إذ قال مخاطبا الجزائريين: “كوّنوا جبهة متحّدة لا تكون المفاهمة إلا معها”.
وفي صبيحة يوم الثلاثاء، تشرّفت بالالتقاء مع السادة الأئمّة في مسجد “الإمام مسلم”، تحت رئاسة السيد مدير الشؤون الدينية الذي حرّك سواكن معسكر، ونفخ فيها من روحه، وذلك ما سمعته من أكثر من إمام.. فندعو له بالتوفيق والسداد في مهمّته النبيلة.
تأسّفت إذ لم أحضر فعاليات “مبايعة المجاهد عبد القادر بن محيي الدين” لارتباطي بمواعيد أخرى، ناويا العودة إلى ولاية معسكر لأزور بعض مدنها كالمحمّدية وسيق التي عمل فيها منذ مدّة كلّ من الشيخين العربي التبسّي ومحمد الطاهر الجيجلي (ساحلي)، وهما من ركائز جمعية العلماء وقادتها.