فَضلُ 20 أفريل على الجزائر
يُذَكِّرنا 20 أفريل من كل سنة بالربيع الأمازيغي، وبمنطقة القبائل على وجه التحديد. وككل سنة يجري إحياء هذه الذكرى بمزيد من النشاطات والفعاليات المُعبِّرة عن الأبعاد العميقة لهذه الذكرى خاصة في جانبها الثقافي المتعلق بالهوية.
على صعيد النقاش الفكري نلاحظ في كل سنة تطورا ملحوظا في طرح مسألة الهوية والثقافة في الجزائر يسير باتجاه الخروج من دائرة الصراع الإيديولوجي القائم على الإقصاء والتهميش والتخوين، إلى دائرة البناء الوطني القائم على الاعتراف بأصالة المطلب الأمازيغي ووطنية أبعاده المختلفة.
وفي هذا المجال أعجبني ما كتبه السيد “جمال زناتي” في جريدة “الوطن” التي خصَّصت جل عددها لنهار أمس للحدث، ومن بين ما قاله “إن المعارك التي خاضتها منطقة القبائل كانت معارك من أجل الجميع. كانت غايتها دوما الدفع بالبلاد نحو التقليل من التعسف والزيادة في الحرية…” وهو أفضل ما ينبغي أن يُقال بهذه المناسبة، ذلك أن المنطقة لم تكن يوما لتناضل من أجل نفسها، أو تسعى لأن تنفرد بمفردها بطرح قضايا جوهرية هي من صميم اهتمامات كافة الجزائريين، وعلى رأسها مسألة الثقافة واللغة والهوية والتاريخ الوطني.
وبالفعل إن المتتبع لتاريخ هذه المنطقة، ولتضحياتها، ومواقف رجالها ونسائها، على عكس ما يُرَوَّج له، يكتشف أفضالها الكثيرة حيث كانت باستمرار تُقدِّم للجزائر أكثر مما تأخذ؛ ففي جانب العمق التاريخي، لا يوجد أكثر أهمية لدولة تسعى لأن تكون “قوة” بين الأمم من أن تكون لها جذورٌ تعود إلى عشرات القرون قبل الميلاد تعتز بها وتستثمرها في مجال إعادة بناء ذاتها اليوم وغدا. وفي جانب استعادة السيادة الوطنية على كامل الإقليم لا يمكن أن نجد من يستطيع القول إن تضحيات المنطقة لم تكن من أجل كل الجزائر كما كانت تضحيات كل الجزائر من أجل المنطقة.
وقس على ذلك الجانب المتعلق بالدفاع عن الحريات، والشرعية السياسية، والانتخابات النزيهة، وكل مقومات الشخصية الوطنية بما في ذلك الدين الإسلامي واللغة العربية. أبدا ما كان القادة السياسيون والمناضلون الوطنيون المدافعون عن اللغة والهوية الأمازيغية بالمعادين لهذين المكونين الأساسيين للشخصية الوطنية إلا عندما كانا يتحولان إلى أدوات إيديولوجية في يد البعض لقمع الآخر والتنكر لوجوده، وتكفي قراءة متأنية للإنتاج الفكري والسياسي لأقطاب المنطقة، باستثناء حالات خاصة، لنكتشف موضوعية الطرح السائد اليوم، سواء في ما تعلق بترقية الأمازيغية لغةً وطنية ورسمية، أم بالنقاش السائد حول الحرف الذي ينبغي أن تُكتب به، أم بالدور الذي ينبغي أن تؤديه الأكاديمية أو المجلس الأعلى للأمازيغية، أم بضرورة أخذ الخصائص الجهوية بعين الاعتبار في التصور المقبل لشكل الدولة.
وعلى خلاف ما تُروِّج له بعض الجهات المعادية التي تُضمِر شرا لبلادنا، لا أظن أنه سيكون هناك خلافٌ كبير بين الجزائريين في مثل هذه المسائل مستقبلا. ولعلنا لن ننتظر كثيرا لنحتفل بالربيع الأمازيغي ليس فقط في منطقة واحدة من الجزائر، بل وفي كامل التراب الوطني، وسيكون ذلك بحق من مؤشرات الوحدة ومن علامات المستقبل المشرق لبلادنا.