قادة الأوراس أخفوا خبر استشهاد مصطفى بن بولعيد طمعا في الولاية
يروي المجاهد والجنرال المتقاعد، حسين بن معلم، في الحلقة الأولى من هذا الحوار، الذي أجرته معه جريدة “الشروق”، تفاصيل لقائه بالقائد الشهير العقيد عميروش رحمه الله، والتحاقه بجماعته، كما تحدث الكاتب الخاص بالعقيد عميروش عن أهم الأحداث التي عايشها معه منذ لقائه الأول به وهو في طريقه الى القلعة لقضاء عطلة الربيع مع أهله، إلى أن افترقا بعد أن طلب منه عميروش أن يتوجه إلى الشرق الأوسط من أجل الدراسة إلى جانب الوفود التي أرسلتها جبهة التحرير الوطني إلى عدد من الدول العربية لتكوين الإطارات في مختلف المجالات خاصة منها العسكري، كما تحفظ الجنرال المتقاعد عن الإجابة عن عدد من أسئلة “الشروق”، في شقها المتعلق بعهد الاستقلال وأهم الأحداث التي شهدتها الساحة الوطنية، بدافع واجب التحفظ أحيانا وتوخيا لأي حرج مع مختلف الشخصيات الفاعلة في الساحة الوطنية خاصة وأن المتحدث يرفض سياسة التجريح التي ألفناها من العديد من الثوريين والسياسيين.
تحدثت كثيرا عن طفولتك في مذكراتك ولكن لم تتح فرصة قراءتها من طرف الكثيرين، كيف كانت طفولة المجاهد والجنرال المتقاعد حسين بن معلم؟
هذا صحيح تحدثت كثيرا عن طفولتي في مذكراتي وأشرت إلى أنني عشتها كما عاشها عديد الجزائريين الذين ولدوا في عهد الاحتلال الفرنسي، قضيتها في قلعة بني عباس التي كانت في ذلك الوقت تضم سبعة آلاف جزائري، كانت القلعة معاقبة من طرف الاستعمار الفرنسي، بسبب التيار الوطني الذي بقي أهلها متمسكين به، خاصة بعد بناء أول مدرسة لجمعية العلماء المسلمين والمتخصصة في تعليم اللغة العربية في الجزائر والتي دشنها الشيخ عبد الحميد بن باديس في 1936 ودشنت المدرسة الثانية لجمعية العلماء المسلمين في 1937 بتلمسان، المهم القلعة كانت معروفة بتوجهها الوطني العربي الإسلامي، فقررت السلطات الاستعمارية معاقبتها، فكنا محرومين من كل شيء وخاصة الكهرباء، وعندما تقرر أن تصبح القلعة مكانا استراتيجيا وعسكريا لم تكن تتوفر على إمكانية إعالة سكنها بسبب الحرمان الذي أصبحت تتخبط فيها، أصبح الرجال يغادرون القلعة من أجل العمل في مختلف أنحاء الوطن وتبقى النساء والأطفال في القلعة، حيث أنه قليلا ما كان يصطحب الرجل عائلته إلى المكان الذي سافر للعمل فيه، طفولتي كانت عادية، درست في المدرسة الفرنسية بالإضافة إلى دراستي في مدرسة جمعية العلماء المسلمين، كنت أذهب في الفترة الصباحية إلى المدرسة الفرنسية، أما في الفترة المسائية فكنت أذهب إلى مدرسة جمعية العلماء المسلمين حيث كنت رفقة زملائي في القسم إلى الساعات الأولى من الليل، إذ لم يكن بوسعنا مواصلة الدراسة بسبب انعدام الكهرباء، فمنذ المعركة التي وقت في 1871 التي قادها الشيخ المقراني وهومن سكان القلعة وهومدفون فيها، أصبحت القلعة مستهدفة بشكل كبير، وإلى جانب دراستي كنت أقوم في أوقات فراغي بمساعدة والدي في مختلف الأشغال المنزلية.
هذا يعني أن عائلتك كانت تحرص على توجيهك نحوالدراسة والتحصيل العلمي منذ صغرك رغم الظروف السيئة في تلك الفترة؟
هذا صحيح، فوالدي لم يذهب كثيرا إلى المدرسة ولم تتجاوز قرأته مستوى القراءة أوالكتابة فقد حرص على تعليمي وبذل كل ما في وسعه وضحى كثيرا حتى أكمل دراستي، فكنت أول طالب من القلعة يذهب لإتمام دراسته الثانوية بمدينة سطيف.
دور جمعية العلماء المسلمين في القلعة، وهل تعتقد أنها أدت دورا فعالا في الجزائر إبان الاحتلال الفرنسي رغم القيود التي فرضت على أعضائها؟
لا أحد ينكر دور جمعية العلماء المسلمين الجزائريين إبان الاحتلال الفرنسي، فقد بذلت دورا كبيرا في إرساء معالم الروح الوطنية والحس الوطني عند الجزائريين وأذكر الدروس التي كنا نتلقاها في مدرسة الجمعية والأناشيد التي حفظناها، وكان كل ما نتلقاه يركز على سبل تعزيز معالم الهوية العربية الإسلامية بالنسبة لنا كجزائريين وشحدنا من أجل تحرير الوطن من الاستعمار الفرنسي، ولا أحد بإمكانه أن يشكك في الدور الذي لعبته جمعية العلماء في تنوير العقول بحقيقة المستعمر الظالم الغاشم وهي معروفة باتجاهها الوطني منذ الوهلة الأولى من تأسيسها، ويروي أحد أقاربي من قسنطينة وكان هذا الأخير يحضر بشكل دائم الدروس التي كان يلقيها العلامة عبد الحميد بن باديس في الجامع الآخر في قسنطينة، وقال إن عبد الحميد بن باديس خاطبهم في أحد الدروس التي كان يلقيها عليهم قائلا: “عاهدوني جميعا على أن تكونوا جنودا لتحرير الوطن“.
لعبت الجمعية وبإمكانيات بسيطة دورا كبيرا في المحافظة على لحمة المجتمع الجزائري ولكننا نلاحظ اليوم تراجع أدائها في المجتمع الجزائري، لماذا في نظرك؟
لا يجب أن نقارن عمل جمعية العلماء المسلمين في عهد الاحتلال الفرنسي والآن، فالبلاد اليوم مستقلة والحمد لله وتوجد أحزاب وجمعيات، ولهذا فلا يمكن على ما أعتقد أن يكون لها نفس الدور الذي لعبته إبان الاستعمار الفرنسي، لأن الظروف في ذلك الوقت ليست نفس الظروف الآن، أذكر أن جمعية العلماء المسلمين كانت حاملة لمشعل النضال والجهاد في القلعة أيام الاستعمار الفرنسي وأرسلت القلعة وفد لحضور المؤتمر التأسيسي لجمعية العلماء المسلمين ولهذا لا يمكن أن نقارن دور جمعية العلماء إبان الاستعمار وبعد الاستقلال.
درست في ثانوية سطيف وشكلت المرحلة بداية تبلور وعيك بحقيقة الاستعمار الفرنسي وبضرورة الالتحاق بالثورة لتحرير الوطن، كيف حدث ذلك؟
كنت أول طالب يخرج من القلعة ويلتحق بالثانوية بسطيف، كان الجزائريون أقلية في تلك المدرسة وكانت الغالبية من أبناء الكولون، كانت الأوضاع طبيعية في تلك المرحلة قبل مجيء المدير الجديد الذي أظهر عداءه للجزائريين، كنا ندرس في أجواء طبيعية، إلى أن اندلعت الثورة سنة 1954 حيث تغيرت الأمور وأصبح أبناء الكولون متحفظون منا لدرجة أنهم أصبحوا يأتون إلى المدرسة مسلحين وبقي الأمر كما هوعليه إلى أن اتصلت بجبهة التحرير الوطني.
كيف حدث أول اتصال لك بالمجاهدين؟
رغم أنني كنت أدرس في الثانوية بسطيف إلا أنني لم أنقطع عن الذهاب إلى القلعة في أيام العطل، وكانت القلعة في ذلك الوقت تحتضن الكثير من الأحداث الثورية، حيث كانت لي فرصة لقاء القائد كريم بلقاسم وعميروش وأنا في طريقي إلى القلعة في العطلة الربيعية، واللذين كانا قد جاءا إلى القلعة من أجل استقبال وفد من الأوراس.
كم كان عمرك في ذلك الوقت؟
كان عمري 17 سنة في ذلك الوقت، وكنت عندها رفقة صديق يدرس معي، كنا قد طلبنا الانضمام إلى جيش التحرير الوطني، ولكن كريم بلقاسم وعميروش رفضا طلبنا بحكم أننا صغار ونصحانا بمتابعة دراستنا بحجة أن الجزائر المستقلة بحاجة إلى الإطارات، فعدنا إلى الثانوية والتزمنا بتعليمات عميروش وكريم بلقاسم، ولكن بعد إضراب الطلبة التحقنا بجي التشحرير الوطني والتقيت مجددا بعميروش وقلت له طلبتم منا في الأول العودة إلى مقاعد الدراسة فعدنا ولكن بعد أن طلبتم منا أن نلتحق بمعاقل الكفاح فها نحن نلبي نداءكم بالانضمام إلى إضراب الطلبة فقدمنا بدوره لقائد القطاع وقال لي سنلتقي لاحقا، فمشيت مع قائد القطاع الذي قدمني بدوره للمحافظ السياسي محمد آكلي نايت كعباش الذي بقيت معه نحوشهرين في منطقة “الجعافرة” التي كان مسؤولا عليها، وبعدها جاء مؤتمر الصومام الذي كان عبان رمضان والعربي بن مهيدي قد حضرا كل الوثائق والقرارات ومشاريع قراراته في العاصمة كما كلف عميروش بكل ما يتعلق بالجانب الأمني و“اللوجيستيكي” للمؤتمر، وكان بمحض الصدفة أن قرر القادة عقد مؤتمر الصومام في قلعة “بني عباس” التي أنحدر منها ولكن طرأ حادث أدى إلى تغيير خارطة العمل، ويتعلق الأمر بالكمين الذي واجهه كل من عبان رمضان والوفد الذي رافقه وكذا أوعمران والوفد المرافق له عندما كانوا في طريقهم إلى “القلعة” حيث وقع تبادل لإطلاق النار بين الطرفين، كانت الفرس التي تحمل كل الوثائق المتعلقة بالمؤتمر ضمن الوفد، وهي الفرس التي كان جيش التحرير قد أخذها من أحد مراكز العدوالفرنسي ولهذا فإن الفرس التي هربت بعد سماعها لإطلاق النار المتبادل هربت إلى المركز الفرنسي الذي استقطبت منه وهكذا عرفت فرنسا بأن المنطقة ستحتضن مؤتمرا كبيرا ومهما، الأمر الذي جعلها تفكر في ضرب المنطقة وقامت قوات الاستعمار الفرنسي بمعركة كبيرة في أول من شهر أوت في القلعة وهذا ما جعل القادة يغيرون مكان عقد المؤتمر، حيث وقع الاختيار على منطقة “إفري” التي احتضنت فعاليات المؤتمر فيما بعد وبقي عميروش مكلفا بكل ما يتعلق بالجانب “اللوجيستيكي” والأمني بالإضافة إلى كونه مسؤولا على المنطقة ولهذا استدعى كل مسؤولي المناطق لمساعدته وكنت في ذلك الوقت مع المحافظ السياسي الذي استدعاه عميروش لحضور المؤتمر والتقينا في الطريق مع وفد الولاية الثانية الذي ترأسه زيغوت يوسف، حيث تعرضنا لكمين نصبته القوات الفرنسية التي كانت تقوم بعملية تمشيط على المنطقة ولكن نجونا منه ووصلنا بعد فترة إلى منطقة “أوزلاڤن” بإفري، وبعد انقضاء المؤتمر جمعنا لقاء مصغر بقادة الثورة الذين وجهوا لنا التحية العسكرية قبل القيام بتقديم بعض التوضيحات بخصوص المؤتمر، وكان ذلك اللقاء بالنسبة لنا فرصة للتعرف عليهم وبعد المؤتمر اتصل بي القائد عميروش وطلب مني أن انضم إليه وأرافقه إلى مختلف المناطق خاصة وأن المؤتمر كان قد كلفه بمهمة.
هل تقصد مهمة الصلح بين الإخوة الفرقاء في الأوراس؟
ويتعلق الأمر بالولاية الأولى التي غابت عن مؤتمر الصومام إلى جانب الوفد الخارجي، حيث كلفه المؤتمر بالتحقيق في قضية غياب وفد الولاية الأولى عن المؤتمر، خاصة وأنهم لم يدركوا حقيقة مصير مصطفى بن بولعيد، حيث قرر المؤتمر إيفاد ثلاث لجان إلى الأوراس للتحقيق في الأمر، وتم تعيين وفد من الشرق يترأسه زيغوت يوسف ويرافقه إبراهيم مزهودي ومن الجنوب أوعمران مع “سي شريف” ومن الغرب العقيد عميروش وفي النهاية لم تصل أي من هذه الوفود إلى الولاية الأولى باستثناء القائد عميروش، حيث استشهد زيغوت وابراهيم مزهودي وهما في طريقهما إلى الولاية الأولى بينما لم يتمكن أوعمران و“سي شريف” بسبب حداثة ترأسهما للولايات التي نصبا فيها.
هل نجح عميروش في المهمة التي كلف بها بعد وصوله إلى الولاية الأولى؟
نعم، نجح بنسبة 100 ٪ وبذل كل ما في وسعه، لأنه حاول أن يصلح بين الإخوة الأعداء، لم نكن على دراية بأن مصطفى بن بولعيد استشهد، فأخوه جاء في ربيع 1956 مع وفد من الأوراس كما أنه أخفى خبر استشهاد مصطفى بن بولعيد قائد الولاية الأولى، بسبب نواياه المتعلقة بخلافته على رأس الأوراس ولهذا فعندما دخلنا إلى الولاية التقينا بوفد من الأوراس قادما من المؤتمر الذي كان قد انقضى، سأل العقيد عميروس عمر بن بولعيد عن أخيه مصطفى، فأخبره بأنه استشهد، فقال له عميروش جئت في مارس وفي ماي ولم تخبرنا بالأمر فصمت ولم يجد ما يقوله.
هل عاقبه المؤتمر؟
لا، لم يعاقب، خلق الكثير من المشاكل ثم غادر، وبقي طيلة الثورة يمارس نفس السياسة وهذا ما خلق الفوضى في صفوف المجاهدين في الولاية الأولى، القائد مصطفى بن بولعيد كان قائدا عظيما وكان إسمنت الولاية الأولى وعندما استشهد أفلتت الأمور، نعود إلى حديثنا بعد وصول عميروش إلى الأوراس وجد نفسه وحده لولا المساعدة الكبيرة التي وجدها من بعض رجال الأوراس، الذين ساعدوه كثيرا خاصة وأن عمر بن بولعيد لم يكن موافق على إيفاد لجنة التحقيق، ولحسن الحظ أن بقية مسؤولي المنطقة كانوا موافقين على قرارات مؤتمر الصومام، والذين حاول عميروش الاتصال بهم والتعاون معهم، لأن عميروش عندما ذهب إلى الأوراس لم يتوجه إلى هناك رفقة جيش ولكنه تنقل إلى الأوراس رفقة جندي وأنا والتقينا بجندي آخر كان قد مشى مع عمر بن بولعيد، ولهذا فإن أبناء الأوراس هم الذين ساندوا العقيد عميروش واتفق معهم على الصلح بين المسؤولين في الولاية الأولى لأن الوضع السائد في ذلك الوقت لم يكن يشجع على العمل الثوري، حيث ينفرد كل مسؤول على منطقة بتسيير منطقته وكأنها منطقة مستقلة ودون استشارة من أحد بالإضافة إلى الخلافات التي كانت بينهم، فاتصل عميروش بعيسى مسعود الذي كان مسؤولا على منطقة جبل الشيليا والذي خلق الكثير من المشاكل على مستوى الولاية الأولى، كما حاول الاتصال بعجول عجول الذي استقبله بشكل جيد وأذكر أن عميروش خاطبه قائلا: “أنت مسؤول كبير وكنت نائبا للقائد مصطفى بن بولعيد فكيف تفعل ما فعلت“.
… يتبع