-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

قانونُ الغاب إذا ما القانون غاب

عمار يزلي
  • 100
  • 0
قانونُ الغاب إذا ما القانون غاب

قاعدةٌ قانونية واحدة تلخِّص كل القواعد التي عوَّضت “القوانين”: “إذا ما غاب القانون، يحل محله قانون الغاب”، وهو ما يحدث منذ نحو 30 سنة، ولكنه يزداد ضراوة خلال السنوات الخمس الأخيرة، ولاسيما الأشهر الخمسة الأخيرة.
العدوان على إيران، وردُّ إيران على العدوان بضرب قواعد أمريكية في المنطقة ولاسيما في دول الخليج، وهو ما يمثل في العرف الدولي عدوانا ردا على عدوان، غير مبرر كدفاع عن النفس، كون هذه الدول العربية المجاورة ترى نفسها أنها ليست طرفا. اختلطت المفاهيم والتفسيرات للقانون الدولي والقانون بشكل عامّ، وأصبح التأويل الخاص بكل طرف، هو سيّد التفاسير غير القانونية للقانون، وهو ما نسميه هنا القواعد وليس القوانين: صار الكل يتبنى قاعدة يرتكز عليها في تبرير أي موقف أو أي إجراء خارج القانون الدولي المعروف، والذي لا غبار عليه، لكن القواعد حين تعوِّض القانون، تتحول هذه القواعد إلى استباحة للفهم الشمولي والحصري للقاعدة القانونية التي لا تقبل التأويل صياغة وروحا.

العالم اليوم، المتغير، المقبل على تحوُّل كبير لم يسبق له مثيل، يشعر الكبارُ فيه أنَّ الصراع قد بدأ من أجل البقاء أو الذوبان، ولا مجال أمامهم سوى فرض قواعد جديدة غير القوانين الدولية التي تمنعهم من ذلك. نتحدث هنا عن الدولة العظمى حاليا، الولايات المتحدة وهي ترى قوى أخرى تنهض من تحت الرماد ومن تحت سنوات الضعف والهوان الاقتصادي والسياسي والعسكري، والتي بدأت تنافسها على الزعامة الكلية للعالم وتقاسمها في جزء من سلطتها الدولية ضمن مجلسي الأمن والمنظمات الأممية والدولية التي نتجت عن تفاهمات الكبار “النوويين” بعد الحرب العالمية الثانية.

هذه الخماسية التي اعتمد عليها العالم لفرض نوع من التوازن بين القوى في العالم بشأن القانون الدولي، والتي تشكل منذ نهاية عصبة الأمم، شكلت ميزان التوازنات العالمية حتى ضمن سياق الحرب الباردة. هذه التفاهمات لم تعُد قابلة للتفاهم حتى مع الأعضاء الخمسة دائمي العضوية أنفسهم، مما دفع مجلس الأمن، ومنذ نحو 35 سنة، إلى بداية الانقسام على نفسه بين جناحين: الجناح الشرقي الشيوعي سابقا، والجناح الغربي الرأسمالي الأورو أمريكي. هذا الانقسامُ، بدا واضحا في حرب الخليج الأولى والثانية، بسبب ضعف المعسكر الشيوعي الشرقي بزعامة الاتحاد السوفيتي الذي انتهى عهده مع سقوط جدار برلين سنة 1989.
انتهى التوافق التاريخي على مضض بين القوى النووية الخمسة الصانعة لـ”السلام والقانون الدولي” عبر محافلها ومنظماتها الأممية، وبدا عصر القطب الواحد المهيمن الراغب في التوسُّع شرقا وجنوبا لاستعادة جغرافيا المدّ الشيوعي سابقا، وتطويق المارد وإجباره على العودة إلى القمقم. الصين لم تكن أولوية قصوى بالنسبة الغرب، لاسيما أمريكا، فالسوفيات كانوا الطرف الأخطر، لما شكَّلوه من إمبراطورية تهدِّد العالم الرأسمالي الغربي.
ترنَّح الدب، لكنه لم يمت، وعلى العكس تماما، تمرَّد بعد سنوات التعافي واستعاد قوته الاقتصادية المتعثرة وقوته السياسية والعسكرية المتضعضعة، وظهر هذا في الحرب الروسية الأوكرانية. غير أن الغرب، ولاسيما الأمريكان، استيقظوا على استفاقة التنِّين الصيني، الذي صار بالنسبة لهم يمثل التحدي الأكبر لما يمثله من تفوق اقتصادي وبشري وعسكري واعد ومهدد للزعامة القطبية الأمريكية.
التقاربُ الصيني الروسي الإيراني، صار يمثل خطورة قصوى للغرب الأمريكي والأوروبي، وخطر هذا التقارب يبدأ من الشرق: من المشرق العربي بالذات، وفلسطين وإيران وتركيا، تمثلان اليوم مشكلة المستقبل.
العدوانُ على إيران يمهِّد الطريق أمام البقية الرافضة للهيمنة إن لم يُعقل العدوان اليوم، فالحبلُ على الجرّار غدًا.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!