-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

قراءة نقدية في مرسوم ديغول لتدريس العربية في المدرسة الجزائرية

قراءة نقدية في مرسوم ديغول لتدريس العربية في المدرسة الجزائرية

تُعدُّ المسألة اللغوية في الجزائر واحدة من أكثر الملفات التاريخية تعقيدا وتشابكا، نظرا لكونها لم تكن قط مجرد خيار تربوي أو بيداغوجي عابر، بل كانت ولا تزال الجوهر الأساسي للصراع الوجودي بين مشروعين متناقضين: مشروع استعماري استيطاني سعى بكل ما أوتي من قوة إلى محو الهوية الوطنية وتفكيك عرى الانتماء الحضاري للجزائر، ومشروع تحرري وطني استبسل لإرجاع الأمانة إلى نصابها واستعادة السيادة الكاملة على اللسان العربي والأمازيغي والدين الإسلامي والتاريخ الوطني القديم منه والحديث.
في قلب هذا السجال التاريخي، يبرز مرسوم رقم 61-794 بتاريخ 25 جويلية 1961 الصادر عن الجنرال شارل ديغول، بوصفه وثيقة استعمارية بالغة الخطورة والخبث، فقد استغل بعض المحللين أو الإعلاميين ممن يفتقرون إلى العمق التاريخي الرصين هذا المرسوم لترويج مغالطات خطيرة، تزعم زورا أن الجنرال ديغول هو “أول من أدخل العربية أو أسَّس لتعريب المدرسة الجزائرية”، متجاهلين الأبعاد الحقيقية والنيات الخفية التي حكمت تلك المناورة الاستعمارية المتأخرة.
إن الفهم الصحيح لطبيعة ذلك القرار وتفكيك بنوده بدقة، يضعنا وجها لوجه أمام التناقض الجذري بين سياسة الاحتواء وتفتيت الهوية التي مارستها فرنسا في أمتارها الأخيرة قبل طردها من الجزائر، وبين التعريب الحقيقي والسيادي الذي قادته الدولة الجزائرية المستقلة لإعادة الاعتبار للغة العربية الفصحى لغةً للعلم والحياة والسيادة.

أولا: السياق التاريخي لمرسوم جويلية 1961
مع حلول صيف سنة 1961، كانت الجزائر تعيش المخاض الأخير والأكثر دموية وحسما في ثورتها التحريرية الكبرى، فقد سقطت كل رهانات فرنسا العسكرية والسياسية أمام صلابة المقاومة الشعبية الباسلة والزحف الثوري الذي قادته جبهة التحرير الوطني وجناحها العسكري جيش التحرير الوطني، وتوَّجته المظاهرات الشعبية العارمة في 11 ديسمبر 1960 التي أثبتت للعالم أجمع ارتباط الشعب الجزائري الوثيق بهويته وقيادته الثورية.
وأمام هذا المأزق الوجودي، لم يعد بإمكان الجنرال بحجم شارل ديغول الاعتماد فقط على آلة القمع والحديد والنار، فلجأ إلى إستراتيجية “الحرب الناعمة” والمناورات السياسية والإدارية المتأخرة. كان الهدف من هذه المناورات هو محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه من النفوذ الفرنسي، وصياغة مخارج بديلة تضمن لفرنسا موطئ قدم ثقافي واقتصادي في “جزائر الغد”، حتى وإن اضطرَّت مرغمة إلى الاعتراف بالاستقلال السياسي الظاهري.
وفي هذا التوقيت بالذات، صدر مرسوم 61-794 في 25 جويلية 1961 المتعلق بتدريس اللغة العربية في المدرسة الابتدائية بالجزائر. لم يكن هذا القرارُ نابعًا من إيمان ديمقراطي أو احترام لحقوق الشعب الثقافية، بل كان محاولة يائسة لامتصاص الغضب الشعبي الهادر، وتقديم تنازلات شكلية خادعة توحي بأن فرنسا مستعدة للاعتراف بالخصوصية اللغوية للجزائريين، شريطة أن تكون وفق المقاسات الفرنسية وتحت الوصاية الاستعمارية المباشرة.

ثانيا: تفكيكٌ دقيق لمواد المرسوم
عند الغوص في التفاصيل الدقيقة لمواد هذا المرسوم الاستعماري، يتكشف الوجه الحقيقي للمشروع الفرنسي الذي أريد له أن يُطبَّق في المدارس الجزائرية قبل الاستقلال بسنة، إذ تتوزع بنوده على النحو التالي:
• الإطار الإداري والديباجة السياسية: استند القرار إلى منظومة القوانين الاستعمارية المرتبطة بمخططات الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي، امتدادا لمخطط قسنطينة وما رافقه من محاولات إدماجية متأخرة، وصدر بتوقيع رأس الهرم في الجمهورية الفرنسية الخامسة شارل ديغول والوزير الأول ميشيل دوبري، إلى جانب وزراء الشؤون الجزائرية والمالية والتربية الوطنية، مما يثبت أن الملف كان يُدار من أعلى مستويات الدولة الفرنسية بحساسية أمنية وسياسية مفرطة.
• إلزامية مشروطة ومقيدة (المادتان الأولى والثانية): نصت المادة الأولى والثانية على تنظيم تدريس اللغة العربية في المدارس الابتدائية العامة وجعله إلزاميا “للتلاميذ دون استثناء”، ولكنه قُيِّد بشرط تعجيزي ومراوغ وهو: “في جميع المدارس المجهَّزة بالمؤطرين والأساتذة اللازمين”. علاوة على ذلك، أناطت المادة بـ”المندوب العامّ في الجزائر” صلاحية تحديد قائمة هذه المدارس سنويا بقرار إداري، مما يعني أن القرار لم يكن معمَّما ولا مضمون التطبيق، بل خاضعا للأمزجة الاستعمارية والأمنية.
• التوظيف والاعتمادات المحدودة (المادة الثالثة): تعهَّدت المادة الثالثة بتوفير مناصب جديدة للتدريس على مدى “السنوات الدراسية الخمس المقبلة”، وفي حدود الاعتمادات المالية المُرصَدة لميزانية الخدمات المدنية في الجزائر، وهو ما يكشف بوضوح أن الأمر مجرد وعد إداري آجل ومؤجَّل، لم تكن السلطات الاستعمارية جادة ولا قادرة على تحقيقه وسط ركام الحرب وتداعي المؤسسات.
• الخديعة الكبرى والمسمار الأخير (المادة الرابعة): تُعدُّ هذه المادة أخطر بنود المرسوم وأكثرها كشفا للنيات الخفية؛ إذ نصت صراحة على أن: “اللغة التي ستُدرَّس هي إما العربية الفصحى أو العربية الدارجة، وللتلاميذ حرية اختيار أحدهما”. إن إقحام “الدارجة” في متن تشريعي رسمي كبديل مكافئ للفصحى، لم يكن براءً، بل كان تنفيذا واعيا لنظرية فسخ الهوية وتفتيتها، والعمل على سلخ اللغة العربية عن عمقها القرآني والحضاري وتجذير الانقسامات اللهجاتية المحلية، لضرب المشروع الوطني الموحد في أركانه الأساسية.
• الامتحانات والإطارات التربوية (المادتان الخامسة والسادسة): وأُضيفت مادة امتحان العربية (سواء الفصحى أو الدارجة) إلى شهادة التعليم الابتدائي، وحددت المادة السادسة الفئات المخول لها التدريس (المدرسين، معلمي العربية، أو المعلمين الحاملين لشهادات معتمدة تحددها قرارات وزارة التربية الفرنسية)، مما جعل المنظومة بأسرها تحت الرقابة التامة لجهاز التفتيش الفرنسي.
• مراكز التكوين والتنفيذ الإداري (المواد السابعة والثامنة والتاسعة): نصت على إنشاء ثلاثة مراكز إقليمية لتكوين وتحسين مستوى المعلمين، وتوزيع مهام التنفيذ على مختلف الحقائب الوزارية الاستعمارية لنشر القرار في الجريدة الرسمية للجمهورية الفرنسية، كإعلان شكلي عن سيادة فرنسية مفقودة على الأرض.

ثالثا: سوء فهم الفرانكوفليين والدوائر الاستعمارية:
لقد أسس هذا المرسوم الملغَّم لمدخل خطير استغلته لاحقا بعض الأطراف الفرانكوفونية والدوائر المرتبطة بالثقافة الاستعمارية في الجزائر. إن سوء فهم هذا القرار -أو بالأحرى الاستغلال الموجَّه له- يهدف إلى تحقيق غايتين خبيثتين:
• الغاية الأولى (تزوير الأبوَّة التاريخية): الإيحاء بأن الجزائر لم تعرف تدريس العربية بمعايير مؤسساتية منظمة إلا بفضل مرسوم فرنسي صدر في 25 جويلية 1961، متجاهلين تماما أن المدارس القرآنية والزوايا وجمعية علماء المسلمين الجزائريين أعادت حماية اللغة العربية، وكانت الأسرة والمساجد هي الحصن الحصين الذي حفظ لغة القرآن والوطن طيلة 132 سنة من البطش والتنكيل الاستعماري، في وقتٍ كانت فيه سلطات الاحتلال تغلق تلك المدارس وتحاربها.
• الغاية الثانية (تبرير إدراج العامِّية وإضعاف الفصحى): محاولة إعادة إحياء روح المادة الرابعة من مرسوم ديغول تحت ذرائع بيداغوجية مزيفة، والدعوة الخفية أو المعلنة إلى إدخال الدارجة والعامية إلى المنظومة التربوية المعاصرة، بدعوى تسهيل التعليم على الأطفال. وهو امتدادٌ مباشر للمخطط الاستعماري القديم الذي أدرك جيدا أن القضاء على قوة الجزائر يكمن في ضرب لغتها الفصحى الموحدة وتفتيتها إلى لهجات جهوية ومحلية عاجزة عن حمل العلوم والمعارف الكبرى.
إن الترويج لهذه الأطروحات من قِبل بعض الأصوات الفرنكوفونية المعربة والمفرنسة يعكس جهلا متعمدا أو تواطؤا فكريا يهدف إلى طمس حقيقة أن “مرسوم ديغول” لم يكن سوى محاولة يائسة لاختراق الهوية الوطنية من الداخل قبل الانسحاب العسكري، وليس منحة تاريخية كريمة كما يحاول البعض تصويره.

رابعا: تعريب المدرسة الجزائرية بعد الاستقلال
في المقابل تماما لكل تلك المناورات الاستعمارية، يأتي “تعريب المدرسة الجزائرية” الذي انطلق فور نيل الاستقلال الوطني سنة 1962، وتجسَّد تدريجيًّا عبر سياسات وطنية واعية وجريئة. لم يكن تعريب المدرسة بعد الاستقلال مجرد إجراء تقني لتبديل لغة بأخرى، بل كان عملا سياديا بامتياز استهدف استعادة الشخصية الوطنية، وردَّ الاعتبار للتاريخ والحضارة، وبناء إنسان جزائري يعتز بانتمائه العربي والأمازيغي والإسلامي. اعتمد هذا المشروع على:
• حصرية العربية الفصحى: بوصفها لغة العلم، والفكر، والدين، والإدارة، والهوية الجامعة لكل الجزائريين، متجاوزا كل محاولات التفتيت اللهجاتي التي نص عليها المرسوم الاستعماري السابق.
• بناء منظومة تربوية وطنية خالصة: من خلال تأليف الكتب المدرسية بأقلام جزائرية، وتكوين آلاف المعلمين والأساتذة، وتدريج تعريب المواد العلمية والإنسانية في مختلف أطوار التعليم، في تحدٍّ عظيم لتركة استعمارية ثقيلة خلّفت نسبة أمِّية مخيفة وفراغا هيكليا واسعا.
• التخلص من التبعية الثقافية: إنهاء الوصاية الفرنكوفونية على العقل الجزائري، وجعل المدرسة فضاءً لإنتاج المعرفة الوطنية المستقلة المرتبطة بمحيطها الإقليمي والقومي والدولي العادل.
إن إمعان النظر في التاريخ يقودنا حتما إلى نتيجة قاطعة مفادها أن الخلط بين مرسوم ديغول رقم 61-794 الصادر في 25 جويلية 1961 وبين مشروع التعريب الوطني بعد الاستقلال هو إما سقطة تاريخية ناتجة عن قصور في القراءة والتحليل، أو تزوير منهجي يخدم أجندات تسعى إلى تقويض السيادة الثقافية واللغوية للجزائر.
لقد كان مرسوم ديغول مناورة متأخرة لا تعدو أن تكون حبرا على ورق، هدفها الخفي محاصرة الفصحى بالعامية وتأبيد النفوذ الثقافي الفرنسي؛ بينما ظل تعريب المدرسة الجزائرية بعد الاستقلال درسا خالدا في التحرر الوطني، وإثباتا حيا على قدرة الأمة على استعادة لغتها وهويتها رغم أنف كل المشاريع الاستعمارية البائدة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!