-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

“كان قلبِي للمُسلمين سليمًا”

سلطان بركاني
  • 747
  • 0
“كان قلبِي للمُسلمين سليمًا”
ح.م

أبو دجانة – رضي الله عنه- رجل من أصحاب الحبيب المصطفى صلّى الله عليه وآله وسلّم، عُرف بشجاعته ورباطة جأشه في الجهاد والقتال؛ كان من المجاهدين المبرّزين، وكان يبلي البلاء الحسن في غزوات ومعارك المسلمين، حتى ختم حياته بما كان يتمنّاه؛ بشهادة في سبيل الله؛ ففي السّنة الثانية عشر من الهجرة، بعد عام من رحيل حبيبه المصطفى –صلّى الله عليه وسلّم- إلى الرفيق الأعلى، كان هذا الأسد الضّرغام يقاتل مع جيش المسلمين بقيادة خالد بن الوليد جيش مسيلمة الكذاب. أبلى أعظم بلاء ووقف مواقف قلّ أن يقفها رجل قبله ولا بعده، حتى أظفره الله بمسيلمة، فقتله بعد أن رماه وحشي بن حرب بحربته.

قاتل أبو دجانة –رضي الله عنه- في آخر معركة يخوضها قتال الأبطال، حتى أصيب ودنت ساعة الرحيل، وحينما التفّ حوله بعض المسلمين، رأوا وجهه يتهلّل كأنّه القمر، فسألوه عن سرّ تلك الخاتمة الحسنة.. ربّما يكون الأمر واضحا بالنّسبة لكثير منّا؛ وجهه يتهلّل لأنّه جاهد في سبيل الله، وها هو يُستشهد في سبيل الله، ولكنّ الصّحابيّ لم يقل إنّ النّور الذي تلألأ به وجهه هو جزاء لجهاده، وإنّما قال رضي الله عنه: “ما مِن عملِي شيء أوثَقُ عندِي مِن اثنتَين: أما إحداهُما: فكُنتُ لا أتكلَّمُ فيما لا يَعنِينِي، وأما الأُخرى: فكان قلبِي للمُسلمين سليمًا”.

سبحان الله! رغم أنّ هذا الصّحابي يلقى الله شهيدا في سبيله، نحسبه كذلك، والشّهيد منزلته بعد منزلة الأنبياء ومنزلة الصدّيقين مباشرة، لكنّ أرجى عمل عنده وأعظم عمل يدّخره للقاء الله تعالى ليس هو جهاده في سبيل الله وأعظم به من عمل لمن وفّق له، لكنّه يدّخر للقاء الله عملين طالما نستهين بهما نحن المسلمين في هذا الزّمان: ترك الكلام فيما لا يعني وسلامة الصّدر لعباد الله المؤمنين.

إنّه العمل الذي يرفع صاحبه درجات في الدّنيا ويُلقى له بسببه القبول في الأرض والمحبّة في قلوب عباد الله المؤمنين، فما يراه أحد أو يلقاه حتى يرتاح ويبشّ له ويحبّه.. هذا العمل الذي ارتفع به أصحاب النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم- وجاهدوا أنفسهم عليه؛ قال التابعيّ إياسُ بن مُعاوية في وصفِ أولئك الأخيار: “كان أفضلَهم عندَهم أسلمُهم صدرًا، وأقلُّهم غِيبَة”.. ما كانوا -رضي الله عنهم- يتفاضلون في الأنساب والأحساب ولا في الأموال، ولا في المظاهر والأحوال، إنّما كانوا يتفاضلون بعفّة ألسنتهم وسلامة صدورهم ونقاوة قلوبهم.

كانوا بشرا، لكنّهم عرفوا أنّ صلاح الأحوال والأعمال والأقوال، وصلاح المآل، إنّما هو بطهارة القلوب ونقائها، فكانوا يهتمّون بطهارة قلوبهم وألسنتهم أكثر من اهتمامهم بطهارة أبدانهم وثيابهم.. كانوا يقومون الليل ويبكون ويصومون النّهار ويتصدّقون، لكنّ أرجى أعمالهم كانت سلامة الصّدور ونقاوة القلوب. قال سفيان بن دينار: قلت لأبي بشر: أخبرني عن أعمال من كان قبلنا؟ قال: كانوا يعملون يسيرا ويؤجرون كثيرا، قال: قلت: ولم ذاك؟ قال: لسلامة صدورهم”.. وهذا نموذج آخر بينهم؛ أبو ضمضم رضي الله عنه، كان فقيرا قليل ذات اليد، لم يكن له مال يتصدّق به؛ فكان يقول إذا أصبح: “الله إنه لا مال لي أتصدّق به على الناس، وقد تصدّقت عليهم بعرضي، فمن شتمني أو قذفني فهو في حل”، وحينما سمع النبي صلى الله عليه وسلم مقالته قال: “من يستطيع منكم أن يكون كأبي ضمضم”.

وعلى درب هؤلاء الأخيار سار عباد الله الصالحون الذين عرفوا مكمن السّعادة الحقيقية في هذه الدّنيا وعرفوا سبيل النجاة يوم القيامة، فهذا مثلا سالم بن عبد الله بنعمر، رحمه الله، أحد علماء وأعلام التابعين، بينما كان في موسم الحج على صعيد منى؛ زاحمه رجل، ولم يكتف بمزاحمته حتى التفت إليه فقال: إني لأظنك رجل سوء؛ فبماذا أجابه سالم؟ نظر إليه بكل رحمة وابتسم وقال: ما عرفني إلا أنت.. وهذا علي بن الحسين رضي الله عنه، سليل بيت النبوة وأحد أعلام التابعين؛ كان بينه وبين ابن عمّه الحسن بن الحسن بن علي بعض الأمر يعني خلاف، فجاء الحسن بن الحسن إلى علي وهو مع أصحابه فأذاه ببعض الكلام، وعلي بن الحسين ساكت، فلما انصرف الحسن بن الحسن أتاه علي بن الحسين في منزله؛ فقرع عليه الباب فخرج إليه فقال: “يا أخي إن كنت صادقا فيما قلت لي؛ غفر الله لي، وإن كنت كاذبا غفر الله لك، والسلام عليك”.. أراد أن يخزي الشيطان ولا يترك له سبيلا إلى قلبه، فذهب يعتذر إلى ابن عمّه ويعينه على نفسه.

وفي زمن بعد ذلك، ها هو الإمام أحمد بن حنبل يقول عنه أحد أصحابه: بِتّ مع أحمد بن حنبل ليلة أوذي وجلد، فلم أره ينام إنما بات يبكي حتى أصبح. فسألته عن بكائه فقال: “ذكرت أذى المعتصم وذكرت معه قول الله: ((وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّه))، فسجدت لله وأحللت المعتصم من ضربي”.. سبحان الله! يسامح رجلا آذاه وبالغ في أذيته، رجاء أن يكون له حظّ ممّا في الآية.

وفي زمن آخر، ها هو الإمام ابن تيمية رحمه الله، رغم ما لحقه من أذى وتضييق وفتنة وسجن وضرب، بل وتكفير من بعض الأقران، إلا أنّه ظل يسامحهم ويثني على بعضهم ويمنع تلامذته من أذية أحد منهم، فهذا مثلا خصمه ابن مخلوف -رحمه الله- الذي بلغ في أذيته لابن تيمية مبلغا عظيما، ومع ذلك قال عنه ابن تيمية: “أنا والله من أعظم النّاس معاونة على إطفاء كلّ شرّ فيها وفي غيرها وإقامة كل خير، وابن مخلوف لو عمل مهما عمل والله لا أقدر على خير إلا وأعمله معه، ولا أعين عليه عدوه قط ولا حول ولا قوة إلا بالله. هذه نيتي وعزمي مع علمي بجميع الأمور فإنّي أعلم أن الشيطان ينزغ بين المؤمنين ولن أكون عونا للشيطان على إخواني المسلمين”.

ومن أعجب مواقف ابن تيمية رحمه الله ما رواه عنه تلميذه ابن القيم رحمه الله حينما قال: “ما رأيته يدعو على أحد منهم قط (يعني الذين عادوه) وكان يدعو لهم؛ وجئت يوما مبشرا له بموت أكثر أعدائه وأشدهم عداوة وأذى له، فنهرني وتنكّر لي واسترجع ثم قام من فوره إلى بيت أهل المتوفى، فعزاهم وقال لهم “إني لكم مكان أبيكم ولا يكون لكم أمر تحتاجون فيه إلى مساعدة إلا ساعدتكم”.

هكذا كان الصّالحون الأخيار نحسبهم كذلك، ومن أراد أن يحشر في ركبهم ويكون قريبا منهم فليلزم غرزهم، وليجعل نصب عينيه ألا يخرج من هذه الدّنيا إلا وقلبه سليم لعباد الله المؤمنين من حوله.

يوم القيامة لا تنفع الأموال ولا الأحساب ولا الأنساب ولا المناصب ولا المظاهر، إنّما ينفع أن يأتي العبد ربّه بقلب سليم أبيض نَقيّ طاهر: يقول تعالى: ((يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيم))، ويقول سبحانه عن عباده الذين يسكنهم جنته: ((وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِين))،.

وهكذا أيضا سعادة الدّنيا في نقاوة القلوب وسلامة الصّدور، حينما تتطهّر من التعلق بالدّنيا ومن الحقد والضّغينة لعباد الله المسلمين؛ حينما تحسن الظن بعباد الله وترجو لهم الخير.. أشرح الناس صدرا وأهنؤهم عيشا وأكثرهم سعادة في هذه الدّنيا هم أنقاهم قلوبا وأطهرهم أفئدة، وأكثر الناس تعاسة وشقاءً في هذه الدّنيا هم أصحاب القلوب الممتلئة بالحقد والحسد؛ نسأل الله السّلامة والعافية، وأفضل الناس وأكرمهم عند الله أنقاهم وأطهرهم قلوبا. سئل الحبيب المصطفى عليه الصّلاة والسّلام: أي الناس أفضل؟ فقال: “كلّ مخموم القلب صدوق اللسان” قالوا: صدوق اللسان نعرفه فما مخموم القلب؟ قال: “هو التقي النقي لا إثم فيه ولا بغي ولا غل ولا حسد” (رواه ابن ماجه).

لأجل هذا ينبغي لكل واحد منا أن يجعل من بين ‏أولوياته في هذه الدنيا ومن بين مشاريعه التي يسعى ‏لتحقيقها أن يكون قلبه أبيض نقيا لعباد الله المؤمنين‎ من حوله.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!