كنز سياحي فريد.. شواطئ لا يصلها الزوار إلا عبر الزوارق
يفتح الصيف أبواب المغامرة والاستكشاف، لبعض المصطافين، خاصة الشباب منهم، ولكنه في الفترة الأخيرة أو سنوات الصور والفيديوهات المسافرة من دون حدود، انتقلت المغامرة من الأفراد إلى عائلات بأكملها، صارت لا تقتنع بالشواطئ التي يؤمها الجميع، وتطلب اكتشاف طبيعة الجزائر الخلابة بين الصخر والبحر أو بين الغابة والبحر.
في مدن الساحل الشرقي يوجد أكثر من 20 شاطئا معزولا، لا تصلها سيارات ولا حافلات، هي شواطئ نائمة بعيدا عن “الهرج”، بعيدا عن الناس، من أرادها مشيا على الأقدام عليه أن يتسلق الصخور أو يشق الغابات لمدة لا تقل عن ساعة، يمتد خلالها المسار لكيلومترين أو ثلاثة، في تضاريس وعرة، تصعب فيها المغامرة على أفراد عائلة من نساء وأطفال، وتبقى الاستطاعة بيد الشباب، أما الحل المتبع دائما فيتمثل في ركوب زورق ينقل المغامر أو عاشق الطبيعة أو المُكتشف من شاطئ محروس إلى الشاطئ المقطوع من الأشجار، النائم هناك، بعيدا عن الأنظار.
شاطئ لقبيبة بسكيكدة.. الجنة البعيدة القريبة
هو شاطئ قريب جدا ولكنه بعيد جدا أيضا، على بعد كيلومترين فقط عن بلدية الشرايع بولاية سكيكدة، للوصول إليه يتطلب الأمر المشي لمدة تقارب الساعة إلا ربعا مشيا على الأقدام في تضاريس جبلية وغالبيتها في منتهى الصعوبة.
الشروق اليومي استخدمت الوسيلة الوحيدة لبلوغ هذا الشاطئ الساحر المعزول، والذي يقال بأنه قد سمي لقبيبة لوجود أقبية في صخوره عبارة عن مغارات صغيرة.
ركبنا زورقا من شاطئ “تمانارت” الشهير، مقابل 1300 دج تمثل رحلة الذهاب، يتقاسمها المسافرون الذين لا يقل عددهم عن ستة في الغالب، في كل رحلة، ويتم التفاهم مع صاحب الزورق بتحديد الوقت، لأجل إعادتهم إلى شاطئ تمنارات المحروس.
أول ملاحظة يمكن أن تخطفها من أول وصول إلى الشاطئ، هو كونه غير محروس/ فلا أثر لحراس الشواطئ أو مصالح الحماية المدنية، ولا راية خضراء أو حمراء، ولكنك تجد هناك شابا يبيع بعض المأكولات الخفيفة والسجائر بأسعار مضاعفة، وهو شاب يسير صباح كل يوم، ساعة زمن وسط الأحراش والصخور والغابات إلى أن يصل إلى الشاطئ، فيعرض سلعته ويجمع المال وقد يجد مكانا في سفينة عائدة بعد المغرب إلى تمانارت، وإن لم يتمكن قد يخلد للنوم على الشاطئ المعزول، مع بعض المغامرين أو المخيمين الذين يصطحبون خيما متنقلة معهم.
يقول الشاب “إياد” القادم من قسنطينة: “لقد شاهدت فيديو لهاو، يقدم لهذا الشاطئ فسحرتني الصور فقررت زيارته، وهو بالتأكيد أحسن من الصور، هنا تشعر أنك تحررت من قيود المدينة والزحام”. أما قائد الزورق فينبه إلى أنه في سنوات ماضية لم يكن ينقل غير الشباب، لكن الأمور تغيرت ودائرة المكتشفين تطورت إلى العائلات. لقبيبة كبيرة نوعا ما، توجد بها شواطئ صغيرة جدا وشاطئ كبير، والأمواج لا محل لها من إعراب الشاطئ الهادئة، مياهه وكأنها مسبح.
العطاف بجيجل.. عندما تمرح الأسماك فوق الصخور
يخال للبعض بأن منطقة بني بلعيد وبني فرقان التابعتين تاريخيا للميلية بولاية جيجل من دون شواطئ معزولة، لكن أبناء المنطقة يحفرون بأقدامهم الطريق المؤدي إلى شاطئ العطاف المعزول، هناك يسبحون ولكن بثمن مشي على الأقدام وسط الأدغال فوق الصخور لمدة ساعة. لم يعد هذا الشاطئ مرتادا، إلا عندما حضر صاحبا زورقين من مدينة جيجل، صارا ينقلان المكتشفين والمخيمين وغالبيتهم من قسنطينة والجزائر العاصمة إلى هذا الشاطئ الكبير والساحر الذي لا تصله سيارة ولا حافلة أبدا.
رئيس بلدية بني بلعيد السابق، قال للشروق اليومي بأن أحد أعضاء المجلس الولائي السابق، اقترح شق طريق وعرة للوصول إلى الشاطئ، ولكن مقترحه قوبل بالمعارضة، ودُفن المشروع على صعوبته في المهد، فقد اعتبر مجرد التفكير في شق طريق نحو شاطئ العطاف جريمة في حق البيئة وجمال الشاطئ المنقسم في حقيقته إلى شاطئين تتميز أسماكها بالمرح فوق الصخور، والعودة إلى المياه في منظر فريد.
وجدنا في الشاطئ عمي زكرياء وهو كهل قارب الستين من العمر، يقطن هناك في شبه كوخ، في كل صائفة رفقة زوجته، يحضران الطعام ليل نهار، من بيض مسلوق وبطاطا مقلية وغيرها من الأكلات الصيفية والمشروبات والقهوة والحليب للمخيمين الذين ينقلون معهم خيما صغيرة.
ينوّه العم زكرياء باستقامة زوار الشاطئ وينفي عنهم تهم تعاطي المخدرات أو الانحراف الأخلاقي ويصفهم بالراقين، الذين يهربون من ضجيج المدينة، حتى أن بعضهم لا يصطحب هاتفه النقال، حيث كل الخطوط خارج مجال التغطية.
وفي نهاية شهر جوان قدم الكثيرون وهم محمّلين ببعض لحم عيد الأضحى، وأقاموا مشاو على شاطئ البحر كانت مليئة بالفرح والمرح.
تركنا العطاف كما جئناها عبر زورق الألف دينار، وخطف مقعدنا شباب كانوا متوجهين إلى هناك، من أجل المبيت في قلب الطبيعة بعيدا عن الهرج والمرج وخاصة عن خيال وخرافات وسائط التواصل الاجتماعي.
بوطريبيشة بالطارف.. جزيرة لا تشبه الجزر
أهل القالة يسمونها الجزيرة وهي ليست جزيرة، ولكن الوصول إلى شاطئ بوطريبيشة لا يتطلب زورقا، لأنه بعيد جدا عن أقرب الشواطئ المحروسة والمعتمدة وهو شاطئ ميسيدا بالقالة.
هذا الشاطئ المعزول التابع لبلدية أم الطبول الحدودية مع تونس، يتطلب ساعة زمن مشيا على الأقدام ويوجد في المنطقة بعض الشباب وعلى رأسهم السيد محي الدين وهو دليل المنطقة، يضمن للمخيّم أو المصطاف حراسة سيارته بمجرد ركنها في أقرب مكان للغابة وبمصاحبته إلى غاية الشاطئ المعزول، حيث لا يمكن الوصول إلى شاطئ بوطريبيشة إلا بشق غابة كثيفة جدا، وقد يصادفك ليلا قطيع خنازير أو ضباع أو حتى ثعالب.
شاطئ بوطريبيشة هو في الحقيقة شاطئان كبيران تفصلهما صخرة عملاقة أشبه بالجزيرة، كما توجد به منابع مياه وبه واد وبعض الشلالات الصغيرة، وهو بالمختصر المفيد أشبه بالجنة، وتقوم بعض الجمعيات برحلات زورقية نحوه من عنابة، تلتقط فيه الصور والفيديوهات وتتناول غذاءها وتغادر.
الزوارق التي تنطلق من مسيدا إلى شاطئ بوطريبيشة تستغرق وقتا طويلا، ويطلب أصحابها ألفي دينار للرحلة، فلا تلقى إلا القليل من الإقبال، لأجل ذلك يفضل المخيّمون مغامرة السير على الأقدام في جماعات ومع دليل أو من دونه، وهم في الغالب يصطحبون الدليل، من أجل ركن سياراتهم بمقابل مالي قد يصل إلى 2000 دج للخدمة.
مصالح الحماية المدنية في ولاية الطارف لم تسجل أبدا حوادث الغرق، في هذا الشاطئ غير المحروس طبعا، فالذين يتوجهون إليه تسحرهم الطبيعة قبل البحر وهناك من يتوجه إليه للتخييم من دون أن يلمس مياهه أبدا.
وما يحز في النفس هو أن بعض المخيمين أو زائري المكان، يتركون أماكنهم غارقة في القاذورات، ولكم أن تتصوروا حالة بعض هذه الشواطئ، بعد تخييم آلاف الشباب من دون تواجد مصالح نقل القاذورات أو حاويات القمامة ولا متطوعين للتنظيف!