كورونا.. التهديد القادم من الشرق
شهد العالم بدايات القرن العشرين تحولات مهمة مست معظم دول العالم، نتيجة للتطورات الحاصلة في تلك الفترة (العولمة، التكنولوجيا، الاتصالات…)، التي جعلت العالمَ قرية صغيرة تحكمها علاقاتٌ ترابطية وشبكية واسعة بين الدول، والمنظمات العالمية الحكومية أو غير الحكومية، لمواجهة التحديات القائمة والناتجة عن إفرازات العولمة كالتلوُّث البيئي، انتشار الأمراض والأوبئة والفيروسات وغيرها، ما أدى إلى التغير في العديد من المفاهيم كالتهديد، فبعد أن كان هذا الأخير مقتصرا بين الدول والعدوّ معروفا ومتضح المعالم، أصبح اليوم الحديث عن عدوّ غير معروف وغير واضح، فاستبدل مفهوم التهديد بالمخاطر، ولعل أبرز هذه المخاطر في القرن الحادي والعشرين، وفي الآونة الأخيرة التهديد العالمي -وباء كورونا- القادم من الشرق الآسيوي، الصين بلد المنشإ والتصدير.
لقد مثَل هذا التهديد تحديا كبيرا بالنسبة للدول داخليا، في ما يتعلق بسياساتها الداخلية الاحترازية والوقائية للحدِّ من انتشار الفيروس بالتوعية، والوقاية، ومتابعة حالات المشتبه فيهم، والقيام بعمليات الحجر الصحي، وتخصيص أغلفة مالية ضخمة للقيام بأعمال التنظيف، واقتناء الأجهزة والروبوتات المساعِدة في ذلك، وتطوير البنى التحتية والهيكلية كإنشاء مستشفياتٍ خاصة لمكافحة الوباء كما في مدينة ووهان بالصين.
أما على المستوى الإقليمي، فقد شكَل الفيروس منعرجا حاسما في طبيعة العلاقات الإقليمية بين بعض الدول، ذات الإرث الصراعي القديم، خاصة في ما يتعلق ببعض الدول الشرق أوسطية، وتوظيف التهديد في تأجيج الصراعات البينية والإقليمية، وغلبة منطق البراغماتية في ما بينها، حتى وإن كان التهديدُ يتسم بالعالمية، فبدل القيام بمبادرات التعاون والشراكة للحدِّ من تداعياته، تم اعتبار بعض القرارات الاحترازية الإقليمية من بعض الدول باتهامها على أنها سبب انتشار الفيروس، وهو الأمر الذي وقع بين مصر وقطر، بعد إصدار هذه الأخيرة قرارا يمنع قدوم المصريين والقطريين من مصر، الذي أثار تحفظ السلطات المصرية على التهويل والتخويف القطري من الفيروس، بدعوى أن قطر تضعها في خانة الدول الأكثر تهديدا بالفيروس، على غرار الصين وإيطاليا، إضافة إلى العلاقات المتوترة بين إيران والسعودية، هذه الأخيرة التي اتهمت إيران بتعمُّدها نقل الفيروس إلى أراضيها، ما أدى إلى إثارة علاقات صراع الماضي، والتنافس السياسي القديم، بدل إحياء تعزيز آليات التعاون والتكامل.
أما على المستوى العالمي، فبعد إعلان منظمة الصحة العالمية يوم 30 جانفي 2020 أن فيروس كورونا يمثل حالة طوارئ صحية عالمية تثير استنفارا دوليا، استدعى ذلك اتخاذ إجراءات احترازية على مختلف المستويات، وذلك بتعليق بعض الرحلات الجوية والملاحية الدولية من الصين وإليها، وعقد قمم بين بعض الدول الأوروبية لمواجهة هذه التحديات، كعقد فرنسا وإيطاليا قمَّة في نابولي للتنسيق مع دول الجوار للحدِّ من خطورة انتشار الفيروس، إلى جانب معالجة قضايا الهجرة والحدود، إضافة إلى قيام السعودية بإجراءات تعليق شعائر العمرة للمواطنين والمقيمين، لتفادي انتشار الفيروس بين المعتمرين من شتى بقاع العالم.
نتج عن محاولة احتواء هواجس هذا الخطر تداعياتٌ كثيرة في قطاعات مختلفة، وعلى رأسها القطاع المالي والاقتصادي، نتيجة لإلغاء الكثير من العمليات التجارية والمبادلات الاقتصادية، نجم عنها غلق الأسواق، وانتشار ظاهرة عمليات الاحتكار لبعض السلع والأغذية، وارتفاع أسعارها في السوق السوداء، وعلى مستوى القطاع الثقافي والرياضي أدى إلى غلق الكثير من المعاهد والجامعات وإيقاف التدريس بها، إضافة إلى إلغاء الكثير من البطولات الرياضية والدورات المحلية، وقد طال ذلك التعطيل ممارسة الكثير من الشعائر الدينية والعقائدية، وذلك بمنع الصلاة والتعبد في العديد من المساجد والكنائس.
ونتيجة لهذا الاستنفار الكبير من قبل الدول حول الفيروس، وكذا التهويل الإعلامي الكبير حول خطورة انتشاره على مستوى أوسع من العالم، وتهديده للبشرية جمعاء، يأتي دور المنظمات العالمية الحكومية وغير الحكومية، والمنظمات المتخصصة (منظمة الصحة العالمية، أطباء بلا حدود…) بنشر تدابير مهمّة لمنع انتشار الفيروس، تقوم على أساس التعاون والتنسيق بين الدول والمنظمات والأفراد، بعيدا عن إثارة مسلَّمات نظرية المؤامرة، ونشر مبادئ العنصرية، أو العودة إلى الحديث عن عودة الحروب البيولوجية، باستبدال الصراع بين الدول بالثوب البيولوجي بدل السياسي نتيجة لمصالح آنية، لكون مثل هذه المخاطر ذات بُعدٍ عالمي، يهدِّد الإنسانية جمعاء سواء أكانت الدول قوية أو ضعيفة، أو شعوبُها غنية أو فقيرة.