كولن بول .. وتسونامي العرب
مرت الذكرى الثامنة لاحتلال العراق وكأنها لم تكن.. وهكذا تمر علينا جحافل الأعداء منتصرة، ومع ذلك فإن كثيرين منا يروّجون لمسار التحرّر عبر الغزو الخارجي، رافضين العودة لتراثنا الديني الذي يكشف عن تجربة بيّنت نشر النور في عوالم الظلام، والعدل في مواطن الظّلم، والوعي بالمصير الدنيوي والأخروي في بؤر توتر دائمة لدى البشرية..
-
لا يزال بعضهم، خاصة على مستوى القادة والحكام، معتقدا أن الحل في يد الغرب ممثلا في الولايات المتحدة الأمريكية، وقد أثبتت التجربة معها أنها مثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر، وبعد كفره أعلن البراءة منه، لأنه يخاف الله رب العالمين.
-
نسيان الوجع العراقي لا تكمن خطورته في القبول بالوضع العربي العام، ولا احلال قيم التعاون مع المحتل، وإنما في إمكانية تكراره وعلى نطاق واسع في دول عربية أخرى، وقد سبق ان ذكرت أيام الحرب العدائية في 2003 وبعدها أن سقوط العراق سينتهي بنا إلى الاحتلال جميعا، وها نحن بعد ثماني سنوات من تلك الحرب الظالمة نرحب باحتلال دول عربية أخرى، والحالة الماثلة أمامنا اليوم هي ليبيا، بحجة تغيير النظام وحماية المدنيين العزل فيها، فإذا بنا نسارع إلى قتلهم بإشراف دولي، والأمر لن يقف عند هذا الحد، حيث لن تنجو منه أي دولة عربية أخرى، خاصة تلك التي تحفظت على التدخل العسكري الأجنبي في ليبيا اثناء اجتماع وزراء خارجية العرب في الجامعة العربية، وسيكون مصيرها إلى الفوضى، وهناك محاولات لإسقاط الشرعية فيها تباعا، اليمن أولا، ثم سوريا، وآخر الأنظمة الجمهورية ستكون الجزائر، لكن لن تنجو منها الدول الخليجية حتى وإن هابت أسباب الفتنة والحروب الأهلية، وإن كانت في نظر المراقبين ستسبق بالأردن والمغرب، غير أن التوقع السابق مرجح في الغالب الأعم، لكنه لن يكون قدرا محتوما، لأن الله يفعل في ملكه ما يشاء.
-
إننا في حيرة، بما في ذلك العقلاء منا، من الأحداث الجارية، حيث البداية بمطالب إصلاحية ذات بعد اجتماعي ـ اقتصادي، سرعان ما تتحول إلى مطالب سياسية، ثم خروج على الشرعية، لتنتهي بإسقاط النظام، والتدخل الأجنبي إما بالضغط على الحاكم بالرحيل، كما في التجربتين السابقتين في تونس ومصر، أو بالتدخل العسكري لإنجاح المنتفضين حتى لو أدى ذلك إلى الاقتتال وتقسيم الدولة، كما هو محضّر لليبيا، وبالرغم من هذا كلّه يطالبنا المثقفون بالإشادة بما يحصل، على اعتبار أنها حالة صحو من الشعوب العربية، ويعترفون بعجزهم عن توقع حدوثها بهذه السرعة، ويدلي بعضهم بشهادات زور تقوم على قاعدة رفضهم للأنظمة الحاكمة وقراراتها ومواقفها منذ سنوات، حتى إذا عدنا إلى سجلاتهم لم نجد شيئا مما ذكروه على مستوى الفعل، ولا حتى على مستوى القول.
-
كيف لنا بدعوة الغرب لاحتلالنا من جديد لينقذنا من ورثته، مع أنه هو من مكنهم منا بدعم سياسي وأمني، وعسكري أحيانا؟، كيف ندعوه وقد أخذ من عمرنا الكثير، ففرنسا وحدها -وهي تعود اليوم إلى المنطقة محملة بحقد وعقدة هزيمتها في الجزائر- بقيت في بلادنا 132 سنة، ولو أضفنا لها أعمار إخواننا في تونس والمغرب وموريتانيا لعد ذلك عمرا طويلا بمقاييس رحلة الأمم في التاريخ؟.. وكيف لنا أن ندعو فرنسا وبريطانيا وأمريكا، وننسى ضحايانا في الماضي والحاضر، الذين فاق عددهم ما قدمته الولايات المتحدة الأمريكية في كل حروبها الخارجية منذ قيامها واستقلالها عن التاج البريطاني.
-
إننا نقف اليوم في طابور دول ينذر بسقوط الدولة القطرية، حيث لم يعد فيه انتظار الدور مهما، لأن الدول العربية سقطت قبل أوانها، لذلك ما جدوى أن تكون لدينا جيوش أو أسحلة، ثم لا نوظّفها في خدمة الوطن والمواطنين، بما في ذلك حماية الشرعية؟، ثم ما هذه القيادات -في معظم مؤسسات الدولة- التي تزيّن للحكام سوء أعمالهم، وفي أول مواجهة لهم مع الشعب تلجأ إلى العنف في أبشع صوره، ثم تنتظر أي الفريقين ينتصر على الآخر، حتى إذا ما تقيّنت من أن الحاكم قد أدركه الغرق، ومدّ لها أعداء الماضي والحاضر والمستقبل يدا، سارعت إلى مد يديها معا، فنالت الذي فوق أيدي دعاة التغيير، وتلك القيادات هي التي يراهن عليها الغرب.
-
هناك عزم خارجي على تصفية ما يعرف بالدولة القطرية، إن لم يكن على مستوى الأرض فعلى مستوى الشعور بالانتماء، فالوطن كما يريده الغرب لنا هو مجموعة وظائف ومصالح، وهو أيضا عند الغرب كرامة له وليست لنا، ولذلك علينا التفاعل مع التغيير الحاصل حتى لا ننتهي إلى كارثة، حيث ستقتلع أنظمة عربية كانت ولا تزال موالية للخارج، انتهى دورها الآن، وعليها أن تتفاعل إيجابيا مع نصائح الغرب وأوامره الخاصة بالديمقراطية، وهي كما نرى مخالفة لتك التي امرها بها في وقت سابق، وأدت إلى ما نحن عليه اليوم.
-
الرأي السابق يؤيده ما جاء على لسان الجنرال “المتقاعد” كولن باول، وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، في كلمة ألقاها ضمن فعاليات المؤتمر السنوي السادس عشر لـ “مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية” في أبوظبي، والذي حمل عنوان “التطوّرات الاستراتيجية العالمية: رؤية استشرافية”.
-
في كلمته تلك أكد باول على ضرورة استجابة الأنظمة السياسية المختلفة لتطلّعات شعوبها، وتحقيق الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المطلوبة، لافتا النظر إلى أنه “لا يعني ذلك في الأساس أن تسعى تلك الأنظمة في الطريق الذي تسير فيه الولايات المتحدة الأمريكية، بل أن تحقق آمال شعوبها وتطلعاتها”.
-
هنا علينا أن نتوقف ونسأل كولن باول: هل في مقدور الأنظمة العربية ان تحقق مطالب شعوبها، بما لا يتوافق مع المصالح الأمريكية؟ بالطبع لا يمكن لها، وحتى في الحالات التي انتفضت فيها الشعوب على الأنظمة الموالية للغرب وتحديدا للولايات المتحدة كما هي الحال بالنسبة لنظام “محمد حسني مبارك”، فقد ركبت قطار التغيير لتوجد نوعا من الفوضى والفتنة وتشكك في أهداف المنتفضين.
-
وبالرغم من أن باول أشار إلى أن “تسونامي” الاحتجاجات الشعبية الذي يمر بدول عدّة في المنطقة العربية يمكن أن يمرّ كموجة بسيطة، وليس كعاصفة، إذا عملت الأنظمة المتعرّضة لتلك الاحتجاجات على الاستجابة لرغبات الشعوب، ومواكبة التغييرات والتطورات العالمية، إلا أن ذلك لن يحدث، لأن الإدارات الأمريكية المتعاقبة، بما فيها إدارة الرئيس الحالي “باراك أوباما”، طرف فاعل ومؤثر في كل قضايا المنطقة، وبوجه خاص تلك المتعقة بشكل الحكم ورجاله.
- من جهة ثانية، يرى كولن باول أن “تسونامي ثورة الإعلام” مثل “الفيسبوك” و”تويتر”… الخ كسر الحواجز والقيود التي تفرضها الدول على شعوبها كلّها، وأن ثورة وسائل الإعلام هذه قد سمحت للناس بالتواصل بشكل لا يمكن للحكومات السيطرة عليه، وأنه بات بإمكان الناس الكشف عن النفاق والفساد والأنانية عند القادة، لكنه لم يتطرق إلى كيف لنفس تلك الوسائل التي كانت من بين العوامل الرئيسة التي أوصلت بركة حسين أوباما إلى الحكم بشكل سلمي، هي التي تؤدي اليوم في دولنا إلى فتن داخلية واحتمال نشوب حروب أهلية.
-
وينطلق باول من رؤية الغرب للتغيير الحاصل في الدول العربية، فيقول: “الشعوب تطالب اليوم بالمشاركة في السلط، وهي تؤمن بأن هذا من حقها. وهي تطالب بهذا ليس لكي تعتدي على الدول الأخرى، بل لتحسين حياتها، ولهذا تسعى إلى التنمية الاقتصادية وتحسين الأوضاع المعيشية، وهي أكبر قوة قادرة على إعادة تشكيل العالم اليوم”، مبينا أن معظم الأنظمة الدكتاتورية التي كانت في أمريكا اللاتينية وأوروبا وآسيا اضطرت، تحت الضغوط الممارسة عليها من قبل شعوبها، إلى الانتقال نحو الديمقراطية، وسعت إلى تطوير اقتصاداتها من أجل توفير الوظائف الملائمة للمواطنين.
-
ولفت باول النظر إلى أن التغيير سيكون سلسا في بعض البلدان وعسيرا في بعضها الآخر. وأنه يجب أن تكون تونس ومصر النموذج لهذه المنطقة، قائلا: “لا بد لنا هنا من ذكر العراق وأفغانستان اللذين استطاعا التخلص من القيادة المستبدة وإحراز تقدم نحو إقامة حكومة تمثل الشعب، وما زال الكفاح فيهما مستمرا.. وهنا لا يقر باول بفشل قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية في العراق وفي أفغانستان، إنما يذهب إلى محاولة تزييف الواقع حين يعتبرهما ديمقراطيتين، ما يشي بأن مستقبل الدول التي حدث فيها التغيير سيسير على خطى العراق.
-
وبنفس الأسلوب الذي تعودناه منذ عقود في تعامل الغرب معنا، لجهة طمأنة بعض الدول، حتى إذا ما حان وقت التخلي عنها، دفعت نحو الهاوية، يقول كولن باول: “بعض الحكومات ستتصرف بحكمة، وتصلح نفسها من خلال الاستجابة لتطلعات شعبها بصورة تمكنها من الحصول على تأييده.. والطريقة المناسبة للإصلاح هي وضع الشعب على الطريق نحو حياة أفضل”
-
لكنه في نفس الوقت يحذر الدول الصديقة والحليفة، تماما مثلما كانت مصر بقياة مبارك حليفة لأمريكا، بقوله: الطوفان الذي يجتاح المنطقة الآن سيصل إلى جميع البلدان، ولن تكون أي حكومة بمنأى عنه.. وسيكون على جميع الدول مواجهة التحدي المتمثل في توفير فرص العمل والمساكن والتعليم والحياة الكريمة لشعوبها.. وإذا كانت القيادة تتمتع بالحكمة وبعد النظر، فبإمكانها الاستفادة من القوة الدافعة لهذه الموجة العاتية في تحقيق مستقبل أفضل لشعبها”.
-
كولن باول ينطلق هنا من تجربته الخاصة، فهو كما يقول من أسرة جاميكية، قدم والداه إلى الولايات المتحدة من تسعين سنة، فاندمجا في المجتمع الأمريكي. وصار ابنهما كولن بول أحد رجال الولايات المتحدة الفاعلين.. فهل يتعظ من يدعون الانتماء إلى الدين أو القوم أو حتى الأوطان، ويكفون عن الدعوات الطائفية والعرقية والقبلية؟