كيف تعرّب الأمازيغ؟
في ظلّ النّقاش حول الهُويّة الجزائريّة، ربّما يطرحُ البعض ولأغراضٍ لا تخلو من التسييس والأدلجة إشكاليّةً مفادها: كيف تعرَّب المجتمع الجزائري بالّرغم من أنّ غالبية الجزائريّين ينحدرون من الأصل الأمازيغي؟ ويتسرّع البعض في إعطاء جواب مُختَزلٍ قائلين: “نحن بربر عرّبنا الإسلام”، فيردّ المخالفون على هؤلاء بقولهم: “فلِمَ لمْ يتعرّب من أسلم من الفُرس والصّين والتّركمان وبلاد السّند والبلقان…؟”أمالأ ويُبعد بعض العُروبيين النّجعة فيؤكّدون أنّ البربر هم في الأصل عرب، وأنّ الأمازيغية أصلها عربيٌّ من اللّغات الساميّة، بينما يلجأ بعضُهم إلى تضخيم أعداد الهلاليين لعلّهم يُنهون هذا الجدل.
وقبل الشّروع في إعطاء جوابٍ موضوعيٍّ حول هذه المسألة ينبغي أن نشيرَ إلى أنّ أُولى عمليّات التّوطين العربي التي تزامنت مع الفتح الإسلامي ظلّ فيها الوجود العربي ضعيفا جدّا، فعائلاتٌ عربيّة قليلة من أبناء الجند اختارت البقاء بمدن المغرب الإسلامي، وسُرعان ما كوّنت طبقةً نبيلة أعدادها محصورة، وكان غالبيّتهم من العرب اليمنيّة وعرب الحجاز قبل أن يتدعّم هذا الوجود بالجُند الشّامي منذ الثورة الخارجية الكبرى. ومن هؤلاء العرب تألّقت عدّةُ وجوهٍ فقهية وسياسيّة حفظ لنا التّاريخ أسماء من نبغ منها، وبعضها مارس القضاء وكثيرا من المناصب الإدارية لاسيما بعد تعريب الدواوين خلال الفترة الأموية. وهنا كان لزاما على البربر من ساكنة مُدنِ العمّال والجند، إضافةً إلى الأفارقة وهم من بقايا الرّومان والبيزنطيين أو المتأثّرين بمدنيّتهم وثقافتهم أن يُقبلوا على العربيّة لأنّها أصبحت لغةَ الدّين والإدارة.
وساهمت الروايات الأسطورية التي أرجعت أصول بعض القبائل البربرية إلى العرب اليمنية في تشكّل تحالفات بين العرب اليمنية وبعض ساكنة المدن من البربر وهي التحالفات التي عجّلت في تعريب أولئك البربر.
لكنَّ الشيء الذي يجبُ قوله أنّ هذا الاستقرار العربي الضعيف والمؤثّر على بعض المدن لم يُساهم كثيرا في تعريب لسان القبائل البربرية الكبرى من ساكنة البوادي والأرياف والمناطق الجبلية، غايةُ ما في الأمر أنّه نجح في تعريب أقليّة من الأفارقة وأعدادٍ من البربر الحُضر الذين ظلّت أعدادهم قليلةً جدّا مقارنةً بالقبائل البربريّة البدويّة، نقول هذا ونحنُ غير مُنكرين لتسرُّب بعض الكلمات العربية القليلة إلى ساكنة الأرْياف والبوادي المُحيطة بالمدن، وذلك لأسباب دينيَّة بحتة من خلال الآذان وسماع القرآن، يُضاف إليه ما كانت تقتضيه ضرورات الحياة والتِّجارة والمجاورة من تأثُّر اللسان والإنسان، ناهيك عن دور دُعاة الخوارج في التّمكين لبعض الكلمات العربيّة في أوساط التجمّعات القبلية المناهضة للخلافة.
وبعد الثّورة الخارجية الكبرى في بلاد المغرب الإسلامي برزت على السّطح دُويلاتٌ ومدن مستقلّة بجوار التجمّعات البربرية الكُبرى، ففي الجزائر صارت الدّولة الرستمية تُشرف على جزءِ هامّ من الغرب الجزائري، كما تمكّن بعض العَلويين من تأسيس عددٍ من الإمارات العَلويّة بنواحي تلمسان والبويرة ومليانة والشلف وغيرها، وفي نفس الوقت أسّس بعضُ التجّار الأندلسيين عدّة مدنٍ ساحلية كتنَّس ووهران، وانتشرت الأسواق في مدن وقرى المغرب الأوسط، وبفضل الدّولة الرستمية والممالك السليمانية العلوية وتلك المدن التي أسَّسها الأندلسيون بدأت أولى عمليّات الاستقرار الحقيقي لكثيرٍ من القبائل البربرية البدوية بجوار المدن وبداخلها، وكانت تلك المدنُ آنذاك تتنافس في التّعليم الديني، إلى أن صارت مراكزَ مُشعّةً، استقطبت أعدادا من أعلام المشرق والأندلس، وهو ما ساعد في عمليّات تعريب ساكنة المدن.
… لكنّ حدثا مهمّا بدأ ينقُل التَّعريب إلى قلبِ الأرياف والبوادي، ونقصد بهذا الحدث “الهجرة الهلالية”، فهذه القبائل وبشكل تدريجي -صحيحٌ أنّه بطيء لكنّه فعّال- تمكّنت من مزاحمة القبائل البربرية في البوادي، ولأنّها قبائل أعرابية بدوية، تمتهن حياة الرعي والرّحلة، وتعتمد على الإبل، صار لزاما عليها أن تزاحم القبائل البدوية البربرية التي تُشبهها إلى حدّ كبير في نمط العيش. وهكذا فرضت هذه القبائل سيطرتها أوّلا ثمّ لغتها ثانيا.
ولم يكن التعليم وحده هو من مكّن للُّغة العربية داخل تلك المدن وبعض الأرباض المحيطة بها، فالأسواق كذلك ساهمت بدورٍ كبير في تعريب اللسان والإنسان من خلال العدد الهائل من الكلمات التي اضطرّ البربرُ إلى استعمالها، أمّا المُنتجات التي ترتبط أساسا بالثقافة المشرقية من ملابس ومأكولات فحوّلت مُدن المغرب الأوسط إلى قطعةٍ من المشرق جعلت الجغرافيَّ المقدسي يطلق على بعض تلك المدن “بلخ العراق”.
وهكذا نجدُ مفرداتٍ كثيرة عن المكاييل والأوزان والسِّلع والبضائع غزت الأسواق ثمّ تقرّرت في اللسان كالصّحفة التي تعني كيلا من الأكيال ولا نزال نستعملها إلى اليوم ونقصد بها القفّة، والشواري وهي كيلٌ أيضا يُستعمل إلى الآن، ووحدات القياس كالشبر والذراع، ناهيك عن أسماء الأطعمة كالبر والشعير؛ فالأسواق كما أنّها متاجر البضائع والأقوات فهي أيضا منافذ الثقافة واللغات.
إنّ التعريب الذي نجم عن الفتح الإسلامي وما أعقبه من ظهور الدويلات والممالك المستقلة لم يكن كافيا لاسيما أنّه وبعد مجيء الدّولة الفاطمية انحسر النفوذ العربي في الجزائر بسبب الخراب الذي لحق عددا من المدن المتمرِّدة والتي كانت تتزعّمها أُسرٌ عربية كعرب ميلة وسطيف وتيهرت وباغاي وطبنة (بريكة)، وعلى إثر ذلك فضّلت كثيرٌ من العائلات العربية العودة إلى المشرق أو التوجّه نحو الضفّة الشمالية بالأندلس، ويمكننا أن نقول إنّ العربية قد تقلّصت بتقلّص النّاطقين بها في المغرب الأوسط إبّان الفترة الفاطميّة، خصوصا مع أفول نجم تيهرت الرّستميّة وعددٍ من المدن العلويَّة.
وفي عهد الدّولة الزيرية ثم الحماديّة سطعَ نجمُ عدّة مدن جزائريّة مثل أشير وقلعة بني حماد والمسيلة والمدية وجزائر بني مزغنى وسوق ماكسن وسوق حمزة وبجاية وهلمّ جرّا ، وتنافست هذه المدن في نشر التعليم وتبنّت العربيّة بشكل بنّاء وفي جوّ هادئ ساد فيه الكثير من التنافس. وغدت قلعة بني حمّاد وبعدها بجاية الحمادية مركزا مشعّا ورافدا حضاريا مهمّا، الأمرُ الذي كان له دورٌ في تمدين وتعريبِ كثيرٍ من البربر الذين تركوا حياة الرحلة والبداوة وفضّلوا حياة الاستقرار والتمدّن.
كل هذه المراحل ظلّ فيها التعريبُ خاصا بالمدن لذلك لم يكن بنّاءً لأنّ المدن عددُها قليلٌ مقارنةً بالقرى والأرياف والبوادي، وأيضا هذه المدن كان عُمر أغلبها قصيرا سُرعان ما يطرأ عليها الخراب بسبب الحروب أو هجرات السّكان إلى غير ذلك من الأسباب. لكنّ حدثا مهمّا بدأ ينقُل التَّعريب إلى قلبِ الأرياف والبوادي، ونقصد بهذا الحدث “الهجرة الهلالية”، فهذه القبائل وبشكل تدريجي -صحيحٌ أنّه بطيء لكنّه فعّال- تمكّنت من مزاحمة القبائل البربرية في البوادي، ولأنّها قبائل أعرابية بدوية، تمتهن حياة الرعي والرّحلة، وتعتمد على الإبل، صار لزاما عليها أن تزاحم القبائل البدوية البربرية التي تُشبهها إلى حدّ كبير في نمط العيش. وهكذا فرضت هذه القبائل سيطرتها أوّلا ثمّ لغتها ثانيا، وهو ما يؤكّده الجغرافي الشهير “الإدريسي” الذي أرّخ لهذه المرحلة الشائكة، إذ أنّه أشار في عدّة مواضع إلى بعض القبائل البربرية التي صارت تتحدث العربية وتتزيّ بزيّ العرب بل وتدّعي أنّها عربية.
ومع تفاقم الظاهرة الهلالية تشكّلت تحالفاتٌ كثيرة ولأسباب عديدة بين فروعٍ من القبائل البربرية وفروع من القبائل العربية الهلالية، تلك التحالفات التي كانت لأغراض عسكرية مثل الإغارة على المدن والتمرد ضد السُّلطة المركزية أو لأغراض تجاريَّة كحماية القوافل وتأمينها مقابل مبالغ مالية.
أدّت هذه التَّحالفات في بعض الأحيان إلى ادّعاء كثيرٍ من القبائل البربرية النَّسب العربي، على غرار قبيلة هوارة وأكثر فروع زناتة، وهو ما يعزوه ابن خلدون إلى ضُعف القبائل البربرية أولا وتحوُّل أكثرها إلى قبائل غارمة تدفع الضرائب للدولة ثانيا.
إنّ الوجود الهلالي الذي يُنسَب إليه فقط التخريب، ومع ما في هذه الادّعاءات من مبالغات، كانت له مساهمة مؤثرة في مسألة التعريب، نعني تعريب البوادي والأرياف التي لم تنل حظها من التعليم في الفترات السّابقة، فالبوادي هي الخزان البشري للمدن، وهي مستقرّ التجمّعات البربرية الكبرى، ومع أنّ أعداد البربر كانت أكثر بكثير من أعداد الهلاليين فإنّ الهلاليين كانوا أكثر اتّحادا وأشدّ تماسكا، وهو ما جعل تأثيرهم يُشبه تأثير الملح في الطّعام، والصّبغ في الثّياب.
لكنْ بقي أمرٌ وهو أنّه ليست كلّ القبائل البربرية قد جاورت العرب الهلاليين وخضعت لهم أو تحالفت معهم، فهناك قبائل استقرّت بالجبال واعتصمت خلف المرتفعات، خوفا من إضرار العرب الهلاليين وحلفائهم من البربر بها، فهذه القبائل كيف سرى إليها التّعريب؟
هنا يأتي دورُ الطّرق الصوفية، لاسيما عقب ما بات يُعرف لاحقا بـ”التصوّف الشعبوي” الذي بسّط من مفاهيمه فأصبح ثقافةً شعبيَّة، هذا التصوّفُ استطاع أن يؤسّس لعهد “القبيلة الدينيَّة” التي تجمعُ عدّة فروع لقبائل مختلفة، إذ تختفي رابطةُ الجدّ الأكبر والدم الخالص لتحُلَّ محلَّها رابطةُ الشيخ الأوحد والطريقة الصحيحة.
إنّ الطُّرق الصوفية التي انتشرت في القرى والمدن والمناطق الجبلية والمداشر أسفر انتشارها عن توبة عددٍ من شيوخ القبائل العربية وكذا البربرية من البدو الذين كانوا بالأمس القريب قُطاَّع طرق، ليُصبحوا جميعا فيما بعد يدا واحدة ضدّ الفساد والحرابة وقطع الطّريق، فانتشرت الزوايا والرباطات، وبدأ التنافس على حفظ القرآن والأوراد، وكانت الطّقوس الصوفية بما فيها من مواعظ وأوراد وأذكار جماعية وتحفيظ القرآن الكريم تُساهم إلى حدّ كبير في تعريب لسان البربر بطريقة متكرّرة ممزوجة بحماسة روحيّة صادقة، ومع نشوةِ الطّرب ولذّة الإنشاد الديني الجماعي صارت الألسن تتعوّد على نطق كثيرٍ من الكلمات العربية، كما أنّ مخالطة العرب الهلاليين ومصاهرتهم ومجاورتهم عجّل في تعريب تلك الألسن الأعجميّة.
هذه هي باختصار أهمّ عوامل ومراحل تعريب اللسان والإنسان في الجزائر، وهو التعريب الذي تمّ في ظلّ دُولٍ وكيانات سياسية أشرفت عليها سلالات بربرية في الغالب، تبنّت العربية في الإدارة والحكم والتعليم، مثلما تبنّى المجتمع في المدن والبوادي العربيّة طوعا مع بقاء أعداد لا بأس بها من الناطقين باللهجات البربرية في عدّة مناطق جبليّة من البلاد، وهي اللهجات التي لم تسلم من التأثيرات العربيّة.