لغز التصريح السياسي بأن اللغة الفرنسية “غنيمة حرب”… غباء سياسي!
يثير ترديد مقولة إن “اللغة الفرنسية غنيمة حرب” جدلا سياسياً وفكرياً كلما طرحت مسألة إصلاح المنظومة التربوية في الجزائر. ويرى كاتب هذا المقال أن الإصرار على هذا الوصف لم يعد ينسجم مع متطلبات بناء مدرسة جزائرية مستقلة في رؤيتها، منفتحة على المستقبل، ومتحررة من آثار المرحلة الاستعمارية.
لقد كان من أبرز التحولات التي عرفتها المدرسة الجزائرية، بعد الاستقلال، الإصلاح الذي أُنجز في عهد الرئيس الراحل هواري بومدين، رحمه الله، من خلال إدخال نظام التعليم الأساسي بأمر رئاسي، في خطوة هدفت إلى بناء منظومة تربوية وطنية تستجيب لاحتياجات الدولة الجزائرية المستقلة.
واليوم، أعتقد أن الجزائر تعيش محطة إصلاحية جديدة في عهد رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، تقوم على مراجعة تدريجية للمنظومة التربوية، ومن بين ملامحها توسيع مكانة اللغة الإنجليزية باعتبارها لغة العلم والتكنولوجيا والبحث العلمي والانفتاح على العالم، مع تقليص حضور اللغة الفرنسية تدريجياً داخل البرامج التعليمية.
ومن هذا المنطلق، فإن كل خطاب سياسي يصف اللغة الفرنسية بأنها “غنيمة حرب” يبدو، في نظري، خطاباً يفتقد إلى المنطق السياسي والتاريخي. فإذا كانت الغنيمة تعني مكسباً دائماً يجب الحفاظ عليه، فإن ذلك يوحي بأن الإرث اللغوي والثقافي الذي خلفه الاستعمار الفرنسي ينبغي أن يبقى جزءاً ثابتاً من هوية المدرسة الجزائرية، وهو ما يثير تساؤلات مشروعة حول مدى انسجام هذا الطرح مع مبدأ السيادة الوطنية والاستقلال الثقافي.
إن الجزائر المستقلة لا تحتاج إلى التعامل مع اللغات بمنطق الغنائم، بل بمنطق المصلحة الوطنية. فاللغات أدوات للمعرفة والتواصل، ويكون اعتمادها أو تقليصها وفق ما يخدم التنمية الوطنية، وليس استناداً إلى اعتبارات رمزية مرتبطة بالماضي الاستعماري.
وفي هذا السياق، أحيّي قرار وزير التربية الوطنية القاضي بدحرجة تدريس اللغة الفرنسية من السنة الثالثة من التعليم الابتدائي، وأعتبر ذلك خطوة إصلاحية هادئة ومتدرجة ضمن مسار مراجعة البرامج التربوية.
كما أرى أن النقاش حول مستقبل اللغة الفرنسية ينبغي أن يبقى نقاشاً علمياً وتربوياً بعيداً عن الشعارات السياسية، مع إمكانية توسيع مكانة اللغات ذات الأولوية العلمية، وفي مقدمتها اللغة الإنجليزية، بما يخدم مصلحة الأجيال القادمة.
إن بناء مدرسة جزائرية قوية يقتضي التحرر من عقد الماضي، والانفتاح على لغات المعرفة والإبداع، مع الحفاظ على مقومات الهوية الوطنية. فالرهان الحقيقي ليس الدفاع عن لغة بعينها، وإنما تمكين التلميذ الجزائري من أدوات النجاح في عالم يتغير بسرعة، حيث أصبحت المعرفة والابتكار والتكنولوجيا هي معيار القوة والتقدم.