-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

للسّعادة أهلها وأسبابها

سلطان بركاني
  • 1108
  • 0
للسّعادة أهلها وأسبابها

ما منّا من أحد إلا ويحمل بين جنبيه نفسا تحبّ العاجلة وتنسى الآجلة، ويوسوس له شيطانٌ أقسم على الله أن يضلّه ويمنّيه وينسيه أنّه ضيف في هذه الدّنيا يوشك أن يرحل عنها. ((يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا)). شيطان يعد العبد الفقر ويخيفه فواتَ نصيبه من الدّنيا ويحضّه على أن ينشغل بدنياه ليلا ونهارا حتى لا يفوته حظّه منها، ((الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ))

يقول الشيطان للإنسان: “إنّ النّاس يتقاتلون على الدّنيا كالذّئاب الجائعة، وإن لم تتحوّل إلى ذئب مثلهم فإنّك لن تأخذ نصيبك من بينهم”، ويصوّر له أنّ السّعادة كلّ السّعادة في جمع المال وتكديسه من دون اهتمام بالحلال والحرام؛ فينطلق في شره لا ينقطع لتحصيله، وكلّما حصّل نصيبا حدّثته نفسه بنصيب آخر، حتى ينسى دينه ونفسه وأهله لأجل المال، ويصل به الأمر إلى أن يتّخذه إلها يعبده من دون الله، يسعى خلفه جاهدا بالنّهار ويبيت اللّيل يحسب حساباته ويصبح ويمسي على همّه، يعذَّب به وهو الذي كان يرجو أن يكون سببا لسعادته، ((فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)).

يُذكر أنّ امرأة أرجنتينية من أصل يونانيّ تدعى “كريستينا أوناسيس” مات أبوها المليونير المشهور “أرسطو أوناسيس” سنة 1975م، وهي في الخامسة والعشرين من عمرها، وترك لها ما يقارب 10 ملايير دولار، وأسطولاً بحرياً، وشركة طيران.. تزوجت مرة أولى وثانية وثالثة ورابعة، وفي كل مرة تبحث عن السعادة ولا تجدها. عندما سألها الصحفيون: هل أنت أغنى امرأة؟ قالت: نعم. أنا أغنى امرأة، ولكني أشقى امرأة.. عاشت بقية حياتها في تعاسة وهمّ، لينتهي بها الأمر إلى الانتحار سنة 1988م.

السّعادة الحقيقية لا يمكن أن يجدها من يجعل للدّنيا سلطانا على قلبه، وإنّما يجدها العبد المؤمن الذي يجعل الدّنيا في يده ويُحول بينها وبين أن تتسرّب إلى قلبه؛ يسعى لكسب رزقه وزيادته من الحلال، فإن حصّل منه شيئا كثيرا حمد الله وسأله البركة وأنفق ماله في الحلال وفي بناء بيته الأبديّ في الجنّة. وإنْ قُدر عليه رزقه صبر وتطلّع إلى نصيب أوفر في الحياة الباقية.

السّعادة الحقيقية ليست في قتل العمر سعيا خلف شهوات الجسد الفاني، وإنّما في طلب غذاء الرّوح في طاعة بارئها وخالقها.. السّعادة الحقيقية الدّائمة هي سعادة الرّوح والقلب، أمّا سعادة البدن التي تصنعها الأموال الوفيرة والمراكب الفارهة والفرش الوثيرة، فهي سعادة ناقصة زائلة، تتكدّر بذكر الموت وتتنغّص بالأمراض والأسقام وابتلاءات الحياة الدنيا التي لا بدّ منها.

من أعظم أسباب السعادة في هذه الحياة أن يستشعر العبد المؤمن دائما وأبدا أنّه يسعى في دنياه وعين الله تكلؤه وترعاه، ((وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا))، ويتذكّر دائما وأبدا أنّ مولاه أرحم به من والديه، بل من نفسه، وأنّه لا يؤخّر عنه خيرا إلا وقد ادّخر له ما هو خير له في الدّنيا والآخرة.. السّعادة في أن يرضى العبد المؤمن عن خالقه ومولاه وبما قسم له وأعطاه، ويكون أكبر همّه أن يبلغ رضاه، ولا يرحل من هذه الدّنيا إلا وقد رضي عنه جلّ في علاه.

السّعادة الحقيقية في أن يهتمّ العبد المؤمن بدينه الذي به نجاحه في الدّنيا ونجاته في الآخرة؛ يحرص على إقامة صلاته في أوقاتها ويجتهد في الخشوع والطّمأنينة فيها.. يحافظ على تلاوة وتدبّر وحفظ كلام خالقه ومولاه كلّ يوم.. يذكر مولاه بالصّباح والمساء وعند الدّخول والخروج وقبل الأكل وبعده، ويكثر من الاستغفار بالليل والنّهار راجيا عفو ربّه ومغفرته ومستحضرا قول حبيبه المصطفى عليه الصّلاة والسّلام: “من لزم الاستغفار، جعل الله له من كلّ ضيق مخرجا، ومن كلّ همّ فرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب”، ويكثر من الصّلاة على النبيّ المصطفى والحبيب المجتبى عليه الصّلاة والسّلام، مستحضرا حديث أُبيّ بن كعب -رضي اللـه عنه- حينما قال: يا رسول اللَّه إنّي أكثر الصّلاة عليك فكم أجعل لك من صلاتي؟ قَال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: “مَا شِئْتَ”. قَال قلت: الرّبُعَ؟ قال: ما شئت فإن زدت فهو خَيرٌ لك. قال قلتُ: النّصفَ؟ قال: ما شئت فإِن زدت فهو خَيرٌ لك. قَال قلت فالثّلُثَيْن؟ قال: “ما شئت فإن زدت فهو خَيرٌ لك”. قال قلت: أجعل لك صلاتي كلَّها؟ قال: “إِذًا تُكْفَى همَّك وَيُغفرُ لك ذنبُك”.

السّعادة في أن يعيش العبد المؤمن سليمَ القلب واللّسان لإخوانه المسلمين من حوله؛ لا يحمل لأحد منهم في قلبه غلا ولا حقدا، ولا يحسد أحدا منهم على خير آتاه الله، بل يتمنّى الخير لإخوانه كما يتمنّاه لنفسه. يسأل عن أحوالهم ويُسدي لهم النّصح ويقدّم لهم المشورة ويمدّ لهم يد العون ما أمكنه، ويدلّهم على ما يراه خيرا لهم وينهاهم -بكلّ لطف- عمّا يراه شرا لهم في دنياهم وأخراهم. ينتقي كلماته كما تنتقي النّحلة أطايب الزّهر والثّمر لتخرج عسلا يشفي القلوب والأرواح بإذن الله. يقول أحد عباد الله الصّالحين، نحسبه كذلك: “كلّما مررت ببيتٍ واسع مشيّد دعوت لصاحبه بالبركة، وكلّما رأيت نعمة على مسلم قلت: اللهمّ اجعلها معينا له على طاعتك وبارك له فيها، وكلّما رأيت مسلما يمشي مع زوجته دعوت الله أن يؤلّف بين قلبيهما على طاعته، وكلّما مررت بعاصٍ دعوت له بالهداية”، ويقول آخر: “أنا أدعو الله أن يهدي قلوب النّاس أجمعين فتعتق رقابهم وتحرم وجوههم على النار”، وآخر يقول: “عند نومي أقول: يا ربّ من ظلمني من المسلمين فقد عفوت عنه فاعفُ عنه، فأنا أقلّ من أن يُعذّب مسلم بسببي في النّار”.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!