لماذا تُراوِحُ قضيّة فلسطين مكانها؟ (2/2)
بعد “نكسة” 5 جوان 1967، استمرّ مسلسل طعن قضيّة فلسطين فتبنّت بعض الدول العربيّة فكرة تأجيل تحرير فلسطين إلى حين إزالة آثار العدوان، لكن، لا شيء من ذلك تحقّق ما عدا سيناء، وبذلك اختفى هدف التّحرير تماما من الأجندة العربيّة.
بالإضافة إلى ذلك، حُصرت أرض ودولة فلسطين، في الضفّة الغربية وغزة فقط، والتّنازل عن فلسطين التاريخيّة بموجب معاهدات سلام (كامب ديفد 1979 ووادي عربة 1994) ثمّ مبادرة السّلام العربية (2002)، وبدأ
التغنّي بـ”الحقوق المشروعة للشّعب الفلسطيني”، ونيلها بالمفاوضات فقط، من دون حاجةٍ إلى قوّة السّلاح أُسوة بـ”كامب ديفيد” التي أدّت إلى تثبيت وشرعنة الكيان.
وتلقّى الفلسطينيّون الضّربة تلو الأخرى من بعض الأنظمة العربيّة؛ سبتمبر الأسود بالأردن العام 1970م، وتلّ الزعتر بلبنان العام 1976م، والصّمت والتواطؤ مع اجتياح الكيان للبنان وطرد المقاومة العام 1982م.
كما ساهم العرب في الانقسام الحاصل بين الفلسطينيّين خدمة لحليفهم الكيان، بعد فوز حركة حماس في انتخابات العام 2007م، ودعم سلطة رام الله التي اعترفت بالكيان، وتنازلها عن أرض فلسطين التاريخيّة، وعن الحقّ في الكفاح المسلّح، بل، وقبلت “التنسيق الأمني” مع الكيان للوقوف في وجه المقاومة، على غرار مشهد العداء بين عائلة “النشاشيبي” وآل “الحسيني” المذكور أعلاه.
واتُّهم الفلسطينيّون ببيع أراضيهم لليهود، تماهيا مع سرديّة الصهيوني “هيليل كوهين” في كتابه “جيش الظلّ: المتعاونون الفلسطينيون مع الصهيونيّة (1917-1948) الصادر العام 2004م في هذا الصّدد، في حين أنّ البريطاني “إميل الغوري” (1907-1984م) في كتابه “فلسطين عبر 60 عاما” الصادر العام 1973م، إذ يشير إلى: “… أنّ ما بيع لليهود من أراضٍ لا يتعدّى 6% ومعظمها تمّ من قبل إقطاعيّين ومرابين وسماسرة عرب من لبنان وسوريا، ولم يكونوا فلسطينيّين أصلا”.
الانزلاق الخطير
لقد تكوّن لدى الغرب، فكرة، أنّ العرب “الصّالحين” هم أولئك المنحدرون من الأرستقراطية؛ فحين كان ساسة الغرب يبحثون عن قواعد إستراتيجيّة في المنطقة، حصلوا عليها من هؤلاء الشّيوخ، وهم من تنازلوا عن الحقوق الفلسطينيّة، وباتوا اليوم يتحالفون مع الكيان لتصفيّة القضيّة من دون خجل فيما يُعرف بـ”صفقة القرن” التي وضعها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب. وكان الرئيس الراحل “هواري بومدين” قد حذّر منهم في خطابه الشهير في 16/10/1973م. وقال، إنّه لن تقوم قائمة للعرب في ظلّ وجود هؤلاء، وقد صدقت نبوءته.
لقد مدّ السادات يده بالسّلام إلى الكيان، وقال إنّ حرب 1973م، هي آخر الحروب في المنطقة العربية، وتبعه بعد ذلك الملك حسين العام 1994م، ممّا يعني بداية مرحلة جديدة في التّعامل مع الكيان. ورغم وصم مصر يومها بجريمة التّطبيع، إلاّ أنّه عمليّا فتح شهيّة الأرستقراطيّين الجُدُد من نسل أرستقراطية عشرينات القرن الماضي، ولو في الخفاء ثمّ أصبحت علنًا، وتحوّل العدوّ إلى حليف يحميهم من خطر “المدّ الشيعي”. وإذا سلّمنا بذلك، فلماذا محاربة المقاومة الإسلامية السنّية في فلسطين؟
وعلى الرّغم من أنّ المغرب والسودان والإمارات والبحرين لا يملكون حدودا متنازعا عليها معه، لكنّهم وقّعوا اتفاقيّات سلام مع الكيان، احتذاء بمصر التي شهدت في السنوات الأخيرة انفتاحا على الكيان لم يتصوّره من عاصر العهدين السابقين؛ وسعوا مع أمريكا والكيان إلى تصفيّة قضيّة فلسطين، فقناة “كان” العبريّة تقول: “…إنّ مسؤولين خليجيّين أبلغوا دبلوماسيّين غربيّين أنّهم لن يرفضوا “صفقة القرن”، بشرط أن تشمل إقامة دولة فلسطينية سواء في حدود 1967 أو غيرها.
وعليه، هناك تنازلات للكيان من قبل معظم الأنظمة العربيّة؛ معاهدة كامب ديفيد، وقرارات القمّة العربيّة في فاس عامي 1981 و1982، وأوسلو 1993، ومبادرة السّلام العربيّة 2002، في المقابل، يتمسّك المجرم “نتنياهو” بلاءاته الأربعة؛ لا لعودة اللّاجئين، لا إيقاف للاستيطان، لا للقدس الشّرقية عاصمة للدولة الفلسطينية، لا لدولة فلسطينية كاملة السيادة.
وإذا كانت الموجتان الأولى والثانيّة للتّطبيع انطلقتا من مبدأ “الأرض مقابل السلام”، فإنّ الموجة الثالثة انطلقت من مبدأ “السلام مقابل لا شيء”، أو “السلام مقابل القوّة”.
لذا، فإنّ خذلان فلسطين هو مسلسل بدأ منذ عشرينات القرن الماضي ولا يزال مستمرّا، وتمثّل في:
– إذعان تلك الأرستقراطيات العربيّة صنيعة بريطانيا، والمتناغمة مع سياستها القائمة على التّمكين للمشروع الاستعماري، ثمّ ما تلاها من أرستقراطيات، مذعنة بالكامل لإرادة أمريكا حاميّة المشروع الصهيوني.
– غياب نيّة صادقة تجاه تحرير فلسطين، كونهم مسلوبي الإرادة والسيادة في القرار، فقط صريحات ممجوجة للاستهلاك المحلّي، من قبيل، أنّ قضيّة فلسطين، هي “قضيّتنا الأولى والمركزية”.
– أنّ مصر الحاليّة على الأقلّ، باتت لا تختلف عن زمن الملك فاروق أثناء حرب 1948م، فهي حريصة على أمن الكيان بتبريرات واهيّة، وأكثر ارتهانا وتبعيّة لأمريكا. وقد قال المجرم “نتنياهو” في 10/7/2019م: “…إنّ السلام بين “إسرائيل” ومصر حجر الزّاوية للاستقرار”.
– حصارها للغزّاويّين والتّضييق عليهم في حياتهم اليوميّة المدنيّة منذ عقود، واستقدام أجهزة تقنيّة أمريكية لاكتشاف الأنفاق التي تستخدمها المقاومة الفلسطينيّة، وتدميرها.
– مشيخة القواسم “الإمارات حاليا”، التي لم تر النور كدولة إلاّ في ديسمبر العام 1971م. وقد انتقلت من محميّة بريطانية إلى الارتماء في أحضان أمريكا، والكيان الصهيوني لحمايتها. لذا، لا عجب، أن نسمع شركتها للطيران “فلاي دبي” تعتبر كلّ أراضي فلسطين، هي لدويلة الكيان من النهر إلى البحر، وتبرير بناء الهيكل المزعوم مكان المسجد الأقصى، وقيادة عمليّة الجسر البرّي لنجدة حليفها الكيان. كلّ ذلك تحت غطاء المصالح المشتركة، وفزّاعة العدوّ المشترك إيران وتركيا، وهي الدولة العربيّة الوحيدة التي شاركت مع أمريكا في غزو أفغانستان.
– تواطؤ المغرب، وتكفي الإشارة إلى مثالين، إذ قال “شلومو غازيت” رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية:”…إنّ المغرب مكّن إسرائيل من تسجيلات قمّة عربيّة استضافها العام 1965، ممّا هيّأ لها سُبل الانتصار في حرب 1967″. وفي حوار له مع صحيفة “يديعوت أحرونوت” في 11/10/2016، قال: “… إنّ الملك المغربي الحسن الثاني، الذي لم يكن يثق في قادة عدد من الدول العربية، مكّن إسرائيل من الحصول على تسجيلات سرّية لكلّ ما دار في القمّة العربيّة بالمغرب العام 1965، ممّا أتاح للقيادة الإسرائيلية برئاسة “ليفي أشكول” الاطّلاع على كلّ ما دار بين الزّعماء العرب”. من جهته، قال المجرم “نتنياهو” في 10/12/2020: “… أودّ أن أشكر العاهل المغربي جلالة الملك محمد السادس على قراره التاريخي بشأن صنع سلام تاريخي مع إسرائي، هناك علاقات وطيدة بين المغرب والشّعب اليهودي على مدار العهد الحديث. يعرف الجميع تعامل ملوك المغرب والشّعب المغربي الدافئ مع الجالية اليهوديّة التي عاشت هناك”.
– سلطة رام الله، باتت تنشغل بملاحقة الفلسطينيّين المنتفضين في الضفّة، وتغيب عند اقتحام قوّات الاحتلال أو حتى المستوطنين لمناطق الضفة وقتل واعتقال الفلسطينيين. وهي تنسّق أمنيّا مع الصهاينة بموجب اتفاقيات تمّ توقيعها مع الكيان، بعد قيامها العام 1994 في غزّة وأريحا، واتفاقية طابا العام 1995 التي تنصّ على مسؤولية السلطة عن منع الإرهابيّين (حماس والجهاد الإسلامي وشهداء الأقصى) في الضفة الغربية” وضرورة امتناعها عن ملاحقة من عملوا مع إسرائيل على مدى السنوات.
عموما، فإنّ التطبيع الحالي، ليس اتفاقا سياسيّا، بل تحالف استراتيجيّ؛ ذلك أنّ المطبّعين باتوا يتصرّفون وكأنّه لا وجود لمشكلة مع الكيان تتعلّق بتشريد شعب والاستيلاء على أرضه بالقوّة. وقد أظهر العدوان على غزّة حجم اصطفاف الدّول المطبّعة لمصلحة الكيان، إذ قال سفير الإمارات “محمد محمود آل خاجة” لرئيس مجلس حكماء التوراة، الحاخام الأكبر “شالوم كوهين” في ماي 2021م: “…إنّ الإمارات تنظر إلى العلاقة مع إسرائيل على أنّها علاقة إستراتيجيّة مُقدَّمة على قضايا المنطقة، وأنّها ماضيّة في تحقيق هذا التحالف إلى أبعد حدّ”. ومن ثمّ، فإنّ العديد من الأنظمة العربيّة، كانت هي البلاء والدّاء، بعضها فرّط بأرض فلسطين، والبعض الآخر تآمر على أهلها. والغريب، أنّ عرّابي التطبيع وحلفاء الكيان، هم من دعاهم اليهودي “بلينكن” إلى اجتماع الرياض مؤخّرا لتمثيل العرب حول حلّ قضيّة فلسطين، وهم يردّدون لازمة “حلّ الدولتين” التي عاد الغرب يلوكها من جديد، أملا في إخماد جذوة المقاومة، والأهمّ، حفظ ماء وجه الكيان الذي مرّغته المقاومة وعرّت حقيقة قوّته التي لا تقهر.
أخيرا، فإنّ الجميع شاهد اللّقطات الأولى لعملية “طوفان الأقصى”، وما فعلته فصائل المقاومة بقدرات بسيطة وبدائيّة مقارنة بوسائل فتّاكة بيد الجيش الصهيوني. ومن ثمّ، أليس قمينا بنا طرح السؤال التالي: ماذا ستستطيع الجيوش العربيّة فعله لو كان هناك حكّامٌ حقيقيّون ممّن أشرنا إليهم، وليسوا مجرّد أدوات، يتدثّرون بعباءة الواقعيّة السياسية، رغم أنّ مسيرة القضيّة الفلسطينيّة، لم تنطلق على أساس هذه الواقعيّة، وإنّما على أساس التّسليم بالأمر الواقع الذي ساهم هؤلاء في التّمكين له بالأمس واليوم. لكن، هيهات، فرغم صفقات العار المُبرمة منذ عشرينات القرن الماضي إلى اليوم، فإنّ ثمّة ثابتا واحدا هو، أنّ شعب فلسطين سيبقى متمسّكا بأرضه، وببيوته التي يحمل مفاتيح أبوابها، حتّى وإن غيّر الصهاينة أقفالها.
المصادر:
– صالح صائب الجبوري “محنة فلسطين وأسرارها السياسية والعسكريّة وأسرار حرب 1948م” مذكّرات، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ط2، 1970.
– جميل عارف، عبد الرحمن عزّام باشا، مذكّرات، المكتب المصري الحديث، 1976.
– خيرية قاسمية “فلسطين في مذكرات القاوقجي” ط 1، منظمة التحرير الفلسطينية، مركز الأبحاث ودار القدس، ج2، 1975.
– عبد الله التل، كارثة فلسطين، مذكرات، ط2، دار الهدى، 1990.
– محمّد محمود الصواف، من سجلّ ذكرياتي، ط1، دار الخلافة، العراق، 1987.
– محمد فوزي، “حرب الثلاث سنوات 1967– 1970″ مذكرات، ط4 ، ج.1، دار المستقبل العربي، القاهرة، 1986.
– عواطف عبد الرحمن، المشروع الصهيوني، الاختراق الصهيوني لمصر من 1917-2017م” (نسخة إلكترونية).