-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

لماذا لم يترجم العرب أشعار اليونان

الشروق أونلاين
  • 753
  • 1
لماذا لم يترجم العرب أشعار اليونان
ح.م

قبل عشر سنوات أهداني صديق لي كتاب الإلياذة لهوميروس، وأذكر أنّه ما أهداه لي إلاَّ لمّا رآني مواظبًا على تعلّم لغة البلد الّذي أنا مقيم فيه اليوم، فأراد أن يُعينني على ما كنت أروم إليه،عسى أن أغني حافظتي من هذه اللّغة وأُكثرمتاعي من مفرداتها. والحقّ يُقال أنّي أوجست في نفسي يومها إحجاما عن قراءته، وأنّ السّأم والنّفور كانا يستبدّان بي والملل يقتلني كلّما قلبت النّظر في صفحاته، وقد خُيّل لي أنّ صعوبة اللّغة وحاجتي المتكرّرة إلى المعاجم وإلى بذل جهدٍ أكبرفي النَّظر فيها هي الأسباب الحقيقية وراء هذا الفتوروهذا النّفور وهذا الإعراض، فعدلت عن الأمر ولم ألتفت إليه بعدها، وتمنّيت لوأنّي رددت الكتاب إلى صاحبه.

لكنّني اليوم وبعد عشرسنوات وجدتني أعود إلى الكتاب محاولاً الإلمام ببعض ما فيه، ومردّ ذلك أنّي كنت مستغرقًا في مقدّمة كتاب طه حسين” صحف مختارة من الشّعر التمثيلي عند اليونان” فوجدت فيها إلحاحا شديدا من صاحب” في الشّعر الجاهلي” على طلبته وعلى كلّ قارئ لكتبه أن يقرؤوا الإلياذة والأوديسا حتّى يكتشفوا الوهج الشّعري الّذي فيهما ويحكموا بأنفسهم عليهما وذلك رغم عدم إطمئناني لأقواله ونصائحه بأنّ النّهضة الحديثة في أوربا إنّما هي في معظم أمرها أثر من آثار اليونان، وأنَّه حقٌّ علينا أن نتعرَّف أصول هذه النّهضة ونتفهّمها لنختار منها ما يوافق طبيعتنا ويلائم مزاجنا، وأنّه لا خيار لنا ولا بديل أمامنا إلاّ أن نسيرسيرة الأوربيين ونسلك طريقهم، لنكون لهم أندادا، ولنكون لهم شركاء في الحضارة خيرها وشرِّها، حلوها ومُرِّها، وما يُحبّ منها وما يُكره، وما يُحبّ فيها وما يُعاب”.

لكنّني وجدت نفسي مرّة أخرى لا أستطيع أن أتوغّل في ظلمات الرّواية ولا أن أخوض غمراتها، فتوقّفت عند الباب الأوّل منها وبعض سطورٍ من خاتمتها بعد أن حملت نفسي على كرهٍ على قراءتها. إنّ هذا الإحساس الّذي عاد يتملّكني اليوم هو نفس الإحساس الّذي تملّك طلبة تاريخ اليونان عند طه حسين عندما فُرض عليهم هذا الدّرس فرضًا، إنَّه إحساس قديم بالسّأم والملل وعدم الأنس بهذا الكتاب، فلست أنا إذن العربي المسلم الوحيد الّذي يستنكف عن التّوغل بين ثنايا هذه الرّواية الشّعرية، عندما لا يجد فيها ما يخلب الألباب ولا ما يستهوي العقول.

لعَمرِي إنّي لم أجد فيها أكثرمن رواية زائفةٍ، تُسفر عن عقل عليل وخيالات جانحة للأوهام وتحمل في طيّاتها صورة رديئة عن الأولوهيّة بعيدة كلّ البعد عن الوعي الصّحيح بحقوق اللّه تعالى، تستشينها النّفس المؤمنة التي بقيت على فطرتها موصولة بعالم الملكوت بطريق الوحي والنّبوّة. إنّي لم أجد في نفسي وأنا أقرأها إلاّ ما قاله الرّافعي في وحي القلم إحساسًا بأنَّ أشياءً بداخلك بدأت تَسْفَلُ، إنّها بعكس الرّواية الصّحيحة التي ما أن تبدأ في قراءتها حتّى تدرك أنَّ في نفسك أشياءً بدأت تعلو، فتنتهي الأولى فيك بأثرها السّيء، وتبدأ الثّانية فيك بأثرها الطّيّب، وهذا هو الفرق بين فنّ القصّة وفنّ التلفيق القصصي. وإذا كانت هذه هي حجّتي فما هي حجج غيري ممّن أقدموا على ترجمة هذا النّوع من الأدب وأولئك الّذين لم يلتفتوا إليه.

لقد ذهب بي التّفكير بعيدا إلى دارالحكمة ببغداد أسأل لماذا عزف أعمدة الأدب وأحجموا عن ترجمة الإلياذة والأوديسا، ثمّ عاد بي التّفكير إلى زمني أسأل رجال الإستغراب والتبعية ومن أراد أن يستضيء بنار الأجنبيّ لماذا بذلوا الجهد في ترجمتها وتعريبها، فوجدت لذلك أجوبةً كثيرة:

أمّا رجال الإستغراب والتّبعيّة فيستندون في تبرير إحجام العرب الأوائل عن ترجمة الإلياذة إلى ما ذكره أبو سليمان السّجستاني في “صوان الحكمة” من أنَّ أكثر رونق الشّعر يذهب عند النّقل وجلّ معانيه يتداخلها الخلل عند تغيير ديباجته. وما جاء في كتاب الحيوان للجاحظ من أنَّ الأشعارلا تستسلم للتّرجمة، ولا ينبغي أن تُترجم، فعندما تُترجم الأشعار تتمزّق بُنيتها الشّعريّة، ويختفي الجمال الشّعري، ولا يبقَ شيءٌ يستحقّ الإعجاب. لذلك فهم يرون أنّ التّفريط في ترجمة مثل هذا النَّوع من الأدب كان له أثره البالغ والمدمّرعلى الثّقافة العربيّة، فممّا ذكره مترجم الإلياذة في مقدّمته أنّ جمال الدّين الأفغاني قال لبطرس البستاني في محضرٍمن الأدباء عندما وجده عاكفًا على ترجمة الإلياذة ” إنَّه ليسرّنا جدًّا أن تفعل اليوم ما كان يجب على العرب أن يفعلوه قبل ألف عام ونيفٍ، ويا حبّذا لوأنّ الأدباء الّذين جمعهم المأمون بادروا بادئ ذي بدء إلى نقل الإلياذة، ولوألجأهم ذلك إلى إهمال الفلسفة اليونانيّة برمّتها.”

إنّها نفس الفكرة التي نادى بها طه حسين قبل قرنٍ أو أقلّ عندما جمح به فكره وشطَّ به خياله فشكّك في صحّة الشّعر الجاهلي ودعا إلى إفناء الثّقافة العربيّة في الثّقافة اليونانيّة، وإلباسها لونًا من الثّوب غير لونها، وسوقها في نفس الطّريق الّذي ضلَّ فيه العقل اليوناني، دون مراعاةٍ لأصالة الفكرة التي تضمن التواصل العقدي والوجداني بين كلٍّ من القارئ العربيّ والقصيدة أو الرّواية.

لقد نقل إلينا الرّجال الأوائل الّذين كانوا في دار الحكمة ببغداد علوم اليونان من فكر وفلسفة وأدب بغثّها وسمينها لكنّهم أحجموا أن ينقلوا إلينا إلياذة هوميروس والأوديسا والمسرح الإغريقي، ورأوا أن لا حاجة إلى إنفاق الوقت والجهد في نقل أمرٍلا نفع فيه. وحتّى نفهم مثل هذا الموقف علينا أن ننظرإلى مرتكزات الرّواية الخيالية الغربيّة الحديثة، إنّ أساسها هو الأسطورة اليونانية وعماد هذه الأسطورة معتقدات وثنيّة، وأفكار مشوّشة عن علاقة الإنسان بالله والكون والحياة وتفسيرللظواهر الكونيّة على أنّها صراع دائم بين الإنسان ونواميس الطّبيعة.إنّها صورة لآلهةٍ يعيشون على الأرض ويحتكّون بالبشر، ويستشيطون غضبًا وينزلون من الجبال لينازلوا الأبطال في ساحات الحروب ويُسدّدون سهامهم إلى صدورالرّجال والكلاب والبغال وتتوالى ضرباتهم بينما تظلّ محارق الموتى تشتعل في كثافة، إنّها صورة يحمل فيها أحد الآلهة الحقد للآخر ويتحالف مع البشر ضدَّ إلهٍ غيره، وقد يصبّ غضبه على البشر متى أغضبوه.

إنّ أعمدة التّرجمة الأوائل في العصر العبّاسي ترفّعوا وتنزّهوا أن يترجموا مثل هكذا عمل ذي صياغةٍ خرافيّة ودلالات دينيّة يطمح أن يؤسِّس في الذّهن لعلاقة خاطئة بين عالم الغيب والشّهادة لا تُراعَ فيها الفكرة الإسلاميّة التي توازن بين المبدأ الأخلاقي و الذّوق الجمالي فتُقدّم الأوّل على الثّاني في مثل هذه الحالات. إنّهم لم يفعلوا أكثر ممّا فعله نقلة الشّعر الجاهلي الّذين تحنّبوا الصّدمة التي يُمكن أن يُحدثها نقل أبياتٍ شعرٍ وثنيّة فقاموا بحذف أبيات ومقاطع بأكملها، وأولجوا بدلاً منها أسماء اللّه الإسلامية.

كان هذا هو المقصد الأساسيّ الأوّل الذّي راعاه من كان ينقل إلينا آداب الأوائل، أمّا المقصد الثّاني والّذي لا ينفصل عن الأوّل وإنّما يتضمّنه فهو في إصطلاح الأدب نظمًا وشِعرا والغاية منه، أي النّفع الّذي سيعقب دراسة الرّواية أوالقصيدة، وما هو الأثر الذي ستحدثه في النَّفس. إنّ القيم الّتي يحويها الأدب العربي هي قيم واقعيّة كامنةٌ في أعماق النّفس العربيّة، فما الشّعر إلاَّ بكاءٌ على طلٍّ، وحنين إلى ماضٍ لن يعود أو شوق إلى حبيب أو حسرة على حبّ ولّى وأعرض أو إفتخار ببطولة فارسٍ، أو مروءة إنسان. إنَّه التعبير الفنّي الّذي يُلخّص قيم الإنسانيّة كلّها في أبياتٍ من قصيدة. ولا يعني هذا أنّ عدم واقعيّة الإلياذة وخرافيّتها هي السّبب وراء إحجام العرب عن ترجمتها والإلتفات إليها، فلو كانت الخرافيّة وحدها سببًا لما ترجموا لنا كليلة ودِمنة وهي سرد قصصي خرافيّ على لسان الحيوانات تحمل أبعادًا رمزيّة تملؤها الإثارة والمتعة والحكمة، نقلها إبن المقفّع من الفارسيّة العربيّة وكان قصده من وراء ذلك نشر الوعي والحكمة والفضائل بين النَّاس والتّصدّي للظّلم، والإصلاح على لسان الحيوانات كما جاء في مقدّة الكتاب. ولعلّ القاسم المشترك بين كتاب إبن المقفّع وهوميروس أنَّ كلاهما من الخُرافات وكلاهما يُعالج ثنائيّة الخيروالشَّر. إلاَّ أن القارئ وبمجرّد أن يقرأ القصّة الأولى من الكتاب والمتعلّقة بالحيوان الأعجم حتّى يبدأ يُفكّر في الحكمة أو العبرة من وراء هذه المحادثة دون أن يُشوِّش على فكره ومعتقده، وهذا ما أشار إليه إبن المقفّع في تقديم كتابه بأنّه جمع حكمةً ولهوًا فاختاره الحكماء لحكمته والسّفهاء للهوه….إنَّه ينبغي لمن قرأ هذا الكتاب أن يعرف الوجوه التي وُضعت له، وإلى أيّ غايةٍ جرى مؤلّفه فيه عندما نسبه إلى البهائم،وأضافه إلى غير مُفصِحٍ… فإنَّ قارئه متى لم يفعل ذلك لم يدرِما أريد بتلك المعاني ولا أيّ ثمرةٍ يُجتنى منها، ولا أيِّ نتيجةٍ تحصل له من مقدّمات ما تضمّنه هذا الكتاب، وإنّه إذا كان غايته إستتمام قراءته إلى آخره دون معرفة ما يقرأ منه لم يعد عليه بشيء يرجع إليه نفعه “. وعلى هذا المنحى نحى أبو العلاء المعرّي في كتابه ” الصّاهل والشّاحج” وكتابه المفقود ” القائف ” الّذي ذكره الوزيرابن عبد الغفور الكلاعي في كتابه ” إحكام صنعة الكلام” حيث ذكر:” ومن الحكايات المختلفة والأخبار المزوّرة المنمّقة: كتاب كليلة ودمنة وكتاب القائف لأبي العلاء المعرّي… وقد تكلّموا على ألسنة الحيوان وغير الحيوان”. إنّهم بخلاف إلياذة هوميروس التي نجد فيها وصفًا لتصوّر عقدي مشوّش عن الكون والوجود والإنسان، ورُؤى دينيّة مكدّرة بضباب الأهواء والأوهام والرّفث والمجون.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • أبو العلاء

    إن في الشعر العربي ملاحم اجمل وصفا و أرق طبعا و أصفى حسا و ابلغ شاعرية بمرات من هذه الالياذة أعاذنا الله منها و من امثالها.
    و الشكر موصول للكاتب الا انا لم نعرفه.