-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
1/2

لماذا يختلف الناس؟

التهامي مجوري
  • 674
  • 0
لماذا يختلف الناس؟

الاختلاف طبيعة فطر الله عليها البشر، ولكنه اختلافٌ وظيفي رسالي، واختلاف تنوع، وليس اختلاف تضاد وتنازع وتنافر واقتتال (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) [هود 118- 119].

لقد جعلهم مختلفين في الألوان والألسن آيات للعالمين، اختلافا كخلق السموات والأرض تماما (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ) [الروم 22].

وجعلهم مختلفين أجناسا وأعراقا وذكورا وإناثا وشعوبا وقبائل ليتعارفوا (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) [الحجرات 13].

وخلقهم متفاوتين في القوة والعلم والمال، ليتعاونوا ويستفيد بعضُهم من فضائل بعض، لا ليتباهوا ويتكبّروا ويتجبر بعضُهم على بعض.

ولذلك كان الأصل في التقاء الإنسان مع أخيه الإنسان، الاتفاق على ما يصلح الإنسان ويخدمه في غاياته القريبة والبعيدة، والخاصة والعامة، استجابة للطبيعة الاجتماعية التي فطر عليها الإنسان، وهي الفطرة التي نلمس بذورها في التواصل والتراحم والتعاون والتكاتف الأسري، ونلمسها في المجتمعات المتآلفة والمتوافقة، بصيغ توافقية تعاقدية أخرى غير التراحم الأسري، فيما يعرف بـ”العقد الاجتماعي”.

ويجري الاتفاق بين الناس عندما تتحد رؤاهم وتجتمع حول المبادئ والوسائل والغايات، ولا يختلفون الاختلاف المخلّ إلا بالقدر الذي يختفي فيه بوصلة تحديد هذه المبادئ والوسائل والغايات، وفي ذلك تفاصيل تتسع وتضيق بحسب تحديد النقاط المختلف فيها والمختلف عليها… وعندما نريد تصنيف أسباب الاختلاف، فإننا نصل بلا شك إلى أنواع ومستويات كثيرة متباينة ومتفاوتة، فالاختلاف في الوسائل قد يكون هو أخف المستويات على العموم؛ لأن الوسائل تدرك منافعها ومضارها بسهولة، فيسهل التراجع عنها سريعا؛ لأنها خاضعة للتجربة التي تظهر نتائجها رأسا من دون تأخر، بينما الاختلاف في المبادئ أصعب لخفاء القيم الناظمة لها، ولتعلقها بالجانب النفسي للفرد والجماعة التي ينتسب إليها هذا الفرد، بينهما يكون الاختلاف أكثر خطورة وصعوبة عندما يكون في تحديد الغايات وضبطها.

تلك هي الإشكاليات بشكل عامّ وكلي، الخلافات التي يلاقيها الناس في تعامل بعضهم مع بعض، ومنها الخلافات السياسية والأيديولوجية: متدينون وعلمانيون وسلطة ومعارضة وشعب ونخب… إلخ.

وهذا النوع من الاختلاف بمستوياته الثلاثة هو من النوع الذي يصب في الاتجاه المعاكس لخدمة الجماعة تماما، إذ لا يلتقي الإنسان مع أخيه الإنسان إلا على التنازع والتدابر والصراع المرير، بسبب ضبابية الموقف من المبدإ والوسيلة والغاية أو من بعض تفاصيلها.

ولمعرفة أسباب هذا الصنف من الاختلاف، لا بد من العودة إلى الفرد في علاقته بالمجتمع وتحديد مستوى التفاعل بينهما، فهل المجتمع يحس بالفرد وحاجاته ويؤطره بما ينبغي ويلزم بما يدمجه في مؤسساته؟ وهل الفرد يشعر أنه يعيش في مجتمع عليه واجبات تجاهه وله حقوق تقابلها؟ وهل توجد مبادئ ووسائل وغايات واضحة المعالم للجميع، تجعل الإنسان يشعر بأنه في إطار نظام متناغم الأطراف؟ وهل الفرد يستاء عندما يصاب غيره كما يستاء لإصابته وإصابة مصالحه الخاصة؟

إن الإجابة عن هذه التساؤلات هي التي تحدد فيما نحن مختلفون فيه، أو قل هي التي تحدد النقاط التي يختلف فيها الناس.

ذلك أن الإنسان قبل أن يدخل دائرة المجتمع كعنصر فيه، متفاعل مع أحداثه وإحداثياته، هو فرد مكوَّن من مكوَّنات خلقية: عاطفة وعقل وروح وغريزة، ومكوِّنات وظيفية: خواطر ومعرفة وحركة وعلاقات. وهذه المكونات تتطلب إشباعا متوازنا فيما بينها. ومستوى اندماج الفرد في المجتمع هو الذي يكشف عن نوعية إشباعه لمكوناته تلك، فيحدد مستوى تفاعله، أخذا وعطاء، وقبل ذلك يكون الفرد عنصرا منفصلا يعمل على إشباع مكوناته تلك خارج الجماعة ومستلزمات الانتماء إليها.

ومن ثمَّ، فإن الاختلاف بين الناس لا يكون طارئا على حياة الإنسان من دون مقدمات ومبررات معقولة، وإنما له مبررات من واقع مستوى تفاعل الفرد وعلاقته بالمجتمع، وعلاقات الجماعات المكوِّنة للمجتمع فيما بينها، على جميع الأصعدة النفسية والفكرية والثقافية والعرقية.

ولذلك اختلف الناس في المجالات التالية:

أولا: يختلف الناس بسبب انتفاخ الأنا، وظهور الذاتية المفرطة؛ بل إن من أهم أسباب الاختلاف التي عرفها الإنسان في تاريخه هي الأنانية التي لا تهتم كثيرا بالغير، وإنما تعمل على تجاهله تماما كأنه ليس موجودا.

وانتفاخ الأنا لدى الفرد، يقتضي بالضرورة انتفاخها عند كل الأفراد؛ لأن كل فرد له ذات يدافع عنها وعن بقائها وعن مصالحها وعن استمرارها؛ لأن كل فرد يبحث عن تحقيق مصلحته الشخصية ولا يلتقي مع غيره في شيء منها؛ بل لا يرى له مصلحة في بقاء غيره وتمكينه من تحقيق مصلحته… ولذلك كانت الأنانية من أفسد خيارات الإنسان المهددة لفطرته الاجتماعية الميالة إلى الجماعة… فلا ينجح الأناني في شيء من حياته، لأن أنانيته تجعله يظلم زوجه ويعقّ والدين ويعتدي على أبنائه، ويعتدي على جميع أفراد المجتمع من باب أولى.

ثانيا: يختلف الناس بسبب الفروق الطبيعية التي بين المراحل العمرية، فموقف الشاب ورأيه وتقديره، يختلف عن موقف الكهل، وموقف الكهل مختلف عن موقف الشيخ…

الشاب طاقة متدفقة وكل ما يصدر عنه من مواقف وآراء وتقديرات، يكون بقدر الطاقة التي تسكنه وتدفع به إلى الأمام، فهو مقدامٌ ومندفع بأقصى ما يمكن؛ لأنه عبارة عن كتلة من الطاقة المتدفقة، بينما الكهل قد فقد الكثير من تلك الطاقة بسبب ما طرأ عليه من التزامات وواجبات اجتماعية إضافة إلى فقدان الطاقة الدافعة، فيتحول بسبب ذلك إلى كائن متردد، في مواقفه وآرائه وتقديراته، بقدر ما فقد من ذلك.

حكى لي الدكتور أحمد بن محمد، أنه في إطار لقاءاته مع الفرقاء السياسيين أيام العشرية الحمراء من أجل لملمة الوضع وحقن دماء الجزائريين وبحثا عن استقرار يحفظ للبلاد حالها ومكانتها، أنه التقى الدكتور سعيد سعدي في بيت علي يحيى عبد النور، وبعد نقاش وأخذ ورد… قال له الدكتور سعدي: لو التقينا قبل اليوم ما وقع الذي وقع!

هو زوجٌ مثلا والحياة الزوجية تحتم قيما جديدة لم تكن في مرحلة الشباب، وإذا كان له أبناء تضيق دائرة الحرية في حياته وتتسع دائرة الالتزامات وهكذا… وكل ذلك يؤثر على مواقفه وآرائه وخياراته في الحياة.

أما الشيخ الذي بلغ سن التقاعد مثلا، فلم يبق له من المواقف والآراء والتقديرات شيء إلا الحفاظ على المكاسب التي حققها في حياته، فهو يمتلك منجزات ومكاسب لا يريد لها أن تضيع، ولذلك تصبغ مواقف الشيخ وآرائه وتقديراته في الغالب بمعارضة الشباب باعتبارهم مندفعين ومتهوّرين! لأنه يرى في اندفاعهم خطرا على المكاسب التي تحققت، وينظر دائما إلى حركة الشباب، على أنها اندفاع وليس فيها من حكمة الشيوخ شيء، وهذا هو جوهر فكرة صراع الأجيال، التي يُسوَّق لها على أنها من الحتميات التي لا يمكن تجاوزها إلا بتقوية الاندفاع الشبابي، وهو من الخلاف الموجود في المجتمعات عمليا.

ثالثا: يختلف الناس بسبب عدم التقاء الفرقاء، إذ أن لكل طرف صورة أولية عن منافسه أو خصمه أو معارضه، ولا تعبِّر هذه الصورة في الغالب عن الحقيقة التي هي في الواقع، ولا يمكن لهذه الصورة أن تُعدّل إلا عندما يلتقي هؤلاء الفرقاء، وإذا لم يلتقوا، فإن تلك الصور الذهنية التي يحملها بعض القوم، بعضهم عن بعض، تتسع دائرة السوء فيها إلى أقصى حد؛ لأن ما يغذيها حينئذ هو سوء الظن والمبالغة في الاحتياط من الخصم والمنافس والمعارض… فتكون الأحكام التي يصدرها الناس، بعضهم على بعض، بمثابة الانطباع المبني على سوء التقدير وسوء الظن الذي أنشأته تلك الصور الذهنية والأوهام المنتفخة.

حكى لي الدكتور أحمد بن محمد، أنه في إطار لقاءاته مع الفرقاء السياسيين أيام العشرية الحمراء من أجل لملمة الوضع وحقن دماء الجزائريين وبحثا عن استقرار يحفظ للبلاد حالها ومكانتها، أنه التقى الدكتور سعيد سعدي في بيت علي يحيى عبد النور، وبعد نقاش وأخذ ورد… قال له الدكتور سعدي: لو التقينا قبل اليوم ما وقع الذي وقع!

وما لاحظته شخصيًّا أن التقاء الفرقاء السياسيين خلال مشاركاتهم في المجالس البرلمانية والمحلية المنتخبة، قد قلّصت الكثير من القضايا الخلافية التي كانت سائدة بينهم قبل ذلك، واستبعدت الكثير من المصاعب التي كانوا يتوهَّمونها من قبل تلك اللقاءات المحدودة وذلّلت إلى المستوى الذي يستطيعون فيه الجلوس معا، والتحدُّث بحرية وطلاقة من دون خوف أو وجل. ومن ذلك الخلاف الذي كان بين الحداثيين والإسلاميين الذين كانوا لا يطيق بعضهم بعضا.

.. يُتبع

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!