ماذا بقي من رسالة المسجد؟
يشكل قطاع الشؤون الدينية واحدا من القطاعات الحساسة بسبب ثقله في المجتمع، ودوره في إمكانية تجنيب البلاد مخاطر باتت تشكل أزمات العصر.. ولأن المسجد يلعب دورا محوريا في هذا المجال، فهل تؤدي هذه المؤسسة الدور المنوط بها كما يجب لاسيما في توجيه الشارع وإرشاده؟ وما هو “الدور الغائب” لاستكمال رسالة المؤسسة المسجدية؟ وما مدى مسؤولية الوصاية بهذا الخصوص؟ هذه الأسئلة وأخرى سيجيب عنها “الملف السياسي” لهذا الخميس.
رغم تعاقب وزراء منهم أبناء قطاع
الشؤون الدينية.. ورشات عجز الجميع عن إتمامها
لم تكن الإجراءات التي كشفت عنها وزارة الشؤون الدينية في شهر رمضان، سوى نسخة من قرارات سبق إطلاقها في عهد وزراء سابقين، ومع ذلك لايزال الوضع يراوح مكانه.
وتأتي في مقدمة ما أطلق، الحفاظ على المرجعية الدينية للبلاد، والمتمثلة في موروث المذهب المالكي، وهو الانشغال الذي رافق أكثر من وزير، وخاصة في ظل الأزمة الأمنية التي عاشت البلاد على وقعها في السنوات الأخيرة، موازاة مع وصول مرجعيات أخرى لا تعتبر من موروث الجزائريين، مثل المذهب السلفي الوهابي بتفرعاته المختلفة، والذي يتهمه البعض بالتسبب في أزمة العنف التي استهدفت البلاد في بداية التسعينات، جراء الأفكار التي يروجها بعض أتباعه.

ويتضح من خلال معاينة ميدانية لعينة من المساجد، أن المذهب المالكي أصبح غريبا في معقله، بالرغم من توفر الجزائر على مراجع فذة في المذهب المالكي، والذي يعتبر رئيس المجلس الإسلامي الأعلى الأسبق، الراحل، أحمد حماني، أبرز وجوهه، مقابل بروز مراجع وافدة وخطيرة.
المحطة الأخرى التي سقط فيها قطاع الشؤون الدينية، والتي كانت محل تعليمة مؤخرا من قبل الوزير محمد عيسى، هي تلك المتعلقة بترسيم قراءة القرآن عبر رواية “ورش”، وهي الرواية التي توارثها أبناء شمال إفريقيا على مدار قرون كثيرة، قرار سليم ويجب تشجيعه من حيث المبدأ، لكنه ينطوي على مؤاخذات.
فقبل أن توجه مثل هذه التعليمة التي لم تكن وليدة القطاع في عهد الوزير الحالي، كان يتعيّن توفير أدوات إنجاحها، وفي مقدمتها وجود مصاحف برواية “ورش”، وهو أمر بسيط، وهنا تجدر الإشارة إلى أن أغلب المصاحف المتوفرة في مساجد الجزائر، هي بروايات وافدة مثل رواية “حفص”، ما يجعل الوزارة الوصية في قلب المسؤولية، يضاف إلى ذلك عجزها عن تأطير فريق يجيد أحكام رواية “ورش” لضمان التواصل بين الأجيال.
وجاءت التعليمة المتعلقة بمنع استعمال المكبر في صلاة التراويح، لتكشف عن سقطة أخرى، تعليمة جعلت قسطا كبيرا من الجزائريين يشتم منها رائحة السياسة المؤدلجة، التي تفشت بشكل كارثي خلال عشرية التسعينيات، عندما تجرأ البعض على الدعوة لمنع استعمال المكبر في صلاة الصبح، بحجة أنه يزعج النائمين، وهي الأفكار التي تجسدت من خلال كتابات إعلامية ورسومات كاريكاتورية مسيئة لدور المسجد إلى درجة وصفه بـ”الصواريخ التي لا تنطلق”.
أما الأمر الذي قد يحسب لوزارة محمد عيسى هو تراجعها عن التشريع لبعض الجزئيات، مثل ما تعلق بعدم الإطالة في صلاة التراويح، التي كانت محل تعليمات سابقة، قبل أن يعيد الرجل الأول في القطاع، الأمر إلى ما تعارف عليه الجزائريون، وبحسب ما يتم الاتفاق عليه على مستوى كل مسجد.
وبينما يحمّل الكثير المسؤولية للإمام في ما آل إليه وضع القطاع، وهو أمر لا يخلو من صحة، فإن القراءة المنصفة كذلك تؤكد أن الظروف الاجتماعية الصعبة التي تعاني منها هذه الفئة، قد تعرقلها عن أداء مهامها، ومن ثم يتعيّن على الحكومة الالتفات إلى القطاع قبل تحميله تبعات أي إخفاق.
بين توجيه السلطة واستغلال التيارات الإسلامية
التوظيف والتوظيف المضادّ يرهن رسالة المسجد
”إني أشعر أمام خطورة الساعة وفي هذا اليوم الذي يصادف الذكرى الرابعة والعشرين لوفاة الشيخ عبد الحميد بن باديس، رحمه الله، أنّه يجب عليّ أن أقطع الصمت…”، كانت هذه الكلمات هي مطلع الخطبة التي جلجلت منبر جامع كتشاوة في 16 أفريل 1964، لتهزّ أركان الحكم الهشّ لأحمد بن بلّة غداة الاستقلال، ذلك أن الشيخ البشير الإبراهيمي جهر صراحة بمعارضة الخيار الاشتراكي للبلاد، لتواجهه السلطة بحزم، حيث وضعته تحت الإقامة الجبرية إلى أن وافته المنية بعد سنة واحدة.
كانت هذه الحادثة هي بداية الصراع في الجزائر بين السلطة وخصومها، على التحكم في الخطاب الديني، حيث سعى كلّ طرف، وفي ظلّ محدودية تأثير وسائل الإعلام حينها، إلى استغلال المسجد، بما له من سلطان على نفوس الناس، للتأثير في الرأي العام، وبثّ أفكاره الأيديولوجية.
كانت السلطة الناشئة في الستينات وحتى بداية السبعينات، تنظر إلى الإمام كـ”بوق”، يضطلع بدور أساسي في الدعاية لخياراتها وقراراتها ومواقفها العامّة، وليس مسموحا لأيّ كان أن يغرّد خارج السرب، لأنّ المسجد في تصورها ليس سوى “مرفق عمومي” مثل المدرسة، الجامعة، التلفزة والإذاعة، يجب أن يخضع لسياسة النظام وتوجهاته المجتمعية والسياسية.
وبمقتضى هذه الرؤية، كان الإمام يتلقى خطبة الجمعة من الإدارة، وقد تخضع لرقابة محافظ الحزب الواحد ليؤشّر على إلقائها من عدمه، وكلّ محاولة للخروج عن “النص الرسمي” تعرّض صاحبها للإقصاء، بل للاضطهاد السياسي، مثلما حدث لشيوخ كبار في تلك المرحلة، على غرار عبد اللطيف سلطاني، مصباح حويذق، عمر العرباوي، وغيرهم، لكن مع منتصف السبعينات ستتغيّر الظروف تدريجيا، لتظهر المساجد الحرّة التي سوف يعتليها روّاد جدد، ظهروا في سياق بروز ظاهرة الصحوة الإسلامية، حيث استعمل هؤلاء المنابر للترويج لأفكارهم الدعوية مثل الإخوان، والتبليغ، وحتى السلفية في فترة لاحقة.
وفي عشرية الثمانينات حتى بداية التسعينات، ستنقسم المساجد بشكل واضح، إذ صار لكلّ تيار إسلامي معاقله، حيث يرتادها أنصاره لتنظيم الدروس الوعظية، أو الاستماع لقائده الدعوي، فكان للشيخ نحناح مسجده في باش جراح، وعلي بلحاج في القبة، وعباسي مدني في مسجد السنّة بباب الواد، ومحمد السعيد في جامع الأرقم، وعبد الله جاب الله بسكيكدة، وأبو جرة في قسنطينة، بينما حافظت السلطة على بعض مساجدها الموالية للحزب الحاكم.
لكن مع تدشين الجزائر للعشرية الحمراء، ستضيّق السلطة الخناق على المساجد، ضمن سياسة “تجفيف المنابع”، وتطرد مئات الخطباء المتطوعين، وتفرض رقابة أمنية وإدارية شديدة على الأئمة الآخرين، بل فتحت المجال لأنصار التيار السلفي الظاهري، في محاولة للحدّ من تأثير “الإسلام السياسي”، لكن السحر انقلب على الساحر، حيث تواجه اليوم انتقادات كبيرة، على خلفية الانحرافات التي تهدّد المرجعية الوطنية، في ظلّ إصرار “السلفيين” على التمسك بفتاوى وآراء علماء الحجاز الوهابيين.
وهكذا ظلّت السلطة تتخبط في تأطير الخطاب المسجدي، فهي تجتهد وُسعها في منع الاستغلال المناهض لها، لكنها لا تتوانى البتّة في توظيف المنبر لتمرير مشاريعها باسم المصلحة الوطنية!
فمتى تتحرّر المساجد من التوظيف، والتوظيف المضادّ، لتتفرغ لمهامها الحضارية في “صناعة” الإنسان الصالح؟
وزير الشؤون الدينية الأسبق أحمد مراني لـ “الشروق”:
المسجد آخر عربة في قطار السلطة.. وخرجات عيسى كلها هامشية
كيف تقرأ واقع قطاع الشؤون الدينية، وأنت الذي سيرته في التسعينيات؟
من الصعب إعطاء تقييم شامل لكل القطاع، لكن أهم نقطة يجب الوقوف عندها في قطاع حساس كقطاع الشؤون الدينية، تتمثل في منظومة تكوين الأئمة، الحقيقة أني لا أعلم الآن الوضعية على وجه التحديد، لكن إن كانت الوضعية كما تركتها والتي كانت ضعيفة فهذا يعني أن الإمام سيكون ضعيفا، وبالتالي الأداء المسجدي سيكون ضعيفا للغاية على حالة من يقوم بتلك المهمة ونقصد به الإمام.
غالبية المساجد تضم أئمة ضعيفي التكوين، اللهم من قام بتكوين نفسه بنفسه، أما من جرى تكوينهم في مراكز تكوين الأئمة فتحصلهم العلمي ضعيف للغاية.
لمَ تركز في تقييمك بهذا الشكل المبالغ على جزء في المنظومة الدينية وهي الإمام؟
الإمام هو من يعطي الدفع للمسجد ولا أحد سواه، فإذا كان ضعيفا فسيكون الأداء المسجدي ضعيفا، والعكس صحيح.
هل من الإيجابية في نظرك تخصص ليسانس إمامة بداية من السنة الجامعية الجديدة؟
هذا الإجراء سيعطي ثماره إن كان الأمر جديا على الأقل بعد 10 سنوات، لكن أهم ما في الموضوع هل هنالك إرادة سياسية حقا للسلطة للرفع من أداء الإمام في مواجهة التحديات الجديدة التي تعرفها البلاد، أم لا. فكما هو معروف المسجد هو آخر عربة في القطار في منظور النظام الحاكم، الذي لا يهمه إن كان أئمة المساجد ذوي تكوين عال أم لا.
هل هذا الأمر متعمد منها أم لا؟
الملاحظ هو أن السلطة، لم يكن لها اهتمام قط بقطاع المساجد، هل جهلا منها، أم استصغار للمسجد؟ لكن المؤكد انه ومنذ 1962 لم تهتم أبدا بالمساجد، وكما قلت آنفا تضع المسجد في آخر عربة في قطارها.
أعلن الوزير الحالي محمد عيسى جملة من الإجراءات الإدارية في تسيير المساجد، هل المساجد بحاجة إلى تسيير إداري بحت؟
ما اتخذه الوزير، شبيه بحالة المريض في غرفة الإنعاش، فالجهود يجب أن تنصب إلى إنقاذ حياته، لا البحث عن نظافة المنشفات والشرفة وهو يدنو من الموت، أعود واذكر أن القضية الأساسية هي قضية تكوين الإمام، وليس جملة من القرارات الإدارية كتخفيض مكبرات الصوت، وقراءة حزب أو اثنين أو نصف حزب في صلاة التراويح.
ماذا أراد الوزير بحديثه عن مساجد خارج السيطرة؟
لا أعلم ماذا كان يقصد الوزير بالحديث عن مساجد واقعة خارج تحت سيطرته، علينا أن نسال كذلك عن المساجد التي تحت إشرافه، هل تؤدي حقا دورها في الإرشاد وتنوير الفرد، ومن ثم نتحرى عن الجهة التي قدمت الرخصة في بناء المسجد الذي تحول إلى كيان خارج سيطرة الوزارة، الحقيقة أن الوزير عيسى هو في محاولات هروب من الواقع، بتصويت ضربات إلى الأمور الهامشية.
رئيس المجلس العلمي المستقل للأئمة جمال غول لـ”الشروق”:
عدم استشارة الأئمة في شؤون القطاع أوقد الفتن في المساجد
انتقد جمال غول، رئيس المجلس العلمي المستقل للأئمة، التعليمات التي تصل إلى الأئمة من خلال وسائل الإعلام، ما يجعل الإمام آخر من يبلغ بالإجراءات التنظيمية التي تخص المساجد، خاصة في رمضان، وقال المتحدث إن واضع التعليمات يجب أن يكون من خريجي المساجد ويفهم طبيعة المصلين وواقع العمل الدعوي: “فهناك بعض التعليمات التي خلقت بلبلة وفتنة في المساجد بسبب سوء اختيار توقيتها، على غرار التعليمة التي قيدت جمع التبرعات في المساجد بموافقة الولاة، حيث جاءت هذه التعليمة قبيل الشهر الفضيل، أين شرعت الكثير من المساجد في عمليات ترميم وتزيين وتحضير المصليات لاستقبال المصلين في رمضان، ما يتطلب من الأئمة اللجوء إلى جمع التبرعات من المحسنين..”.
وتحدث جمال غول عن ظاهرة غريبة في قطاع الشؤون الدينية وهي وجود أئمة فوق التعليمات وفوق المرجعية، لا يحاسبون عما يفعلون وتترك لهم الحرية المطلقة في تسيير المساجد ومخاطبة المصلين، في حين يوجد أئمة يسلط عليهم الضوء ويسيرون بالتعليمات والتوجيهات والتحذيرات المتتابعة، وهذا ما من شأنه أن يؤثر على مصداقية الإمام والمسجد على حد سواء.
وأردف محدثنا قائلا هنا بعض التعليمات لم يستشر فيها الأئمة، ما جعلها تعليمات تضر أكثر مما تنفع، لأن عادات وتقاليد الجزائريين تختلف من منطقة إلى أخرى، ما يستوجب على المسؤولين مراعاة كل منطقة في التعليمات حتى لا تتسبب في خلق البلبلة والجدل.
وأكد جمال غول أنه ليس ضد التعليمات التي يجب أن تكون في كل مؤسسة من باب المحافظة على التنظيم العام، لكن أن يغيّب الإمام في التحضير والمشاركة في صياغة التعليمات، فهنا يكمن الخطأ، “خاصة وأن الأئمة تجمعوا في تنظيمات ونقابات ويوجد من يمثلهم، مما لا يجعل حجة للإدارة في تهميشهم وتجاهلهم في القرارات المسيرة للمساجد”.
وفي حديثه عن المرجعية الدينية، قال جمال غول إنها يجب أن تعمم على جميع المساجد على مدار السنة، وليس في المناسبات فقط وفرضها على بعض المناطق، لأن إلزام الإمام بالمرجعية يتطلب تكوينا ومرافقة على مدار العام.