“مازال ما جاوش”
أعجبتني كثيرا التعليمة الموجّهة إلى أعوان وموظفي ومسؤولي الإدارة العمومية، بخصوص “احترام الوقت”، و”احترام المواطنين” خلال التعامل معهم، وكذا الالتزام بارتداء “هندام مقبول ولائق”، وهذه “الثلاثية” تستحقّ التشجيع والتعميم، على كلّ المؤسسات والإدارات والشركات!
بالفعل، لا يستحق الموضوع تحقيقا بوليسيا، من المفتش “كولومبو” أو المخبر “جيمس بوند”، لاكتشاف ما يحدث في مختلف الإدارات من “سرقة” للوقت، فأغلب الموظفين لا يحترمون ساعات الدخول والخروج، هناك مسؤولون لا يحضرون أيضا ولا يُداومون إلى الساعات المتأخرة مساء، وإذا حضروا وداوموا، فإنهم موجودون بالجثة فقط!
عندما تقصد بلدية أو بريدا أو بنكا أو عيادة أو مختلف المصالح الإدارية، في الساعة الثامنة، صباحا، وتقف على حقيقة واحدة وعبارة موحّدة “مازال ما جاوش”، فهنا تصبح الحكاية مبكية ومضحكة ومقززة أيضا، خاصة أنها تحوّلت من الظاهرة إلى العدوى التي لا تختلف كثيرا في خطورتها وسرعة انتشارها عن “التسيتسي” وحمى المستنقعات وفيروس “زيكا”!
أخطر ما في الموضوع أن الدخول المتأخر والخروج الباكر إلى مناصب العمل، تحوّل إلى “مكسب” افتكه الموظفون والعمال والمستخدمون من دون نقابة ولا احتجاج ولا إضراب، وتحت الرعاية السامية لمسؤوليهم في الوظيفة، فالجميع في “الهوى سوى” وفي سرقة الوقت فليتنافس المتنافسون بالحلال!
هذا في موضوع الوقت، أما بخصوص “الهندام اللائق”، فبالفعل، هناك من الموظفين الذين تفرض عليهم طبيعة عملهم التعامل مع المواطنين، نساء ورجالا، في المكاتب والشبابيك، لا يليقون لاستقبال الناس والحديث معهم، فهندامهم “غير محترم” جملة وتفصيلا، وهنا يجب الإشارة إلى أن هذا “التجاوز” يقترفه الجنسان، من خلال ارتداء ألبسة بعضها يصلح للرياضة وأخرى للسيرك ونوع آخر للسباحة والجمباز أو استخدامه في الأعراس وعرض الأزياء أو للنوم في أحسن الأحوال!
القضية الثالثة، والتي تنطلق أساسا من الثانية، هي “احترام المواطنين”، فالوقائع تفضح في كثير من الحالات والإدارات، استهتار الموظف بالمواطن واستفزازه، وأحيانا إهانته والإساءة إليه، والأغرب من كلّ هذا، أن هذا التصرّف يكاد يتحوّل إلى ممارسة أو رياضة يومية، يتهافت عليها نوع من الموظفين، هنا وهناك، والأمثلة والأدلة كثيرة نعرفها وتعرفونها!
عندما تتحوّل الإدارات وأماكن العمل وضمان الخدمة العمومية، إلى فضاءات لـ”القصرة” وتفويت الوقت وقصّ قصص الأوانس والعوانس ومعارك العجوز والكنة والحماة، وإعادة حلقات “كاسندرا” و”العشق الممنوع” وفنون الطبخ، فمن الطبيعي أن يضيع كلّ شيء!