مازال هناك نُزهاء
كثيرا ما نَتحدث ونَدَّعي أننا نعرف، وأحيانا نَذكر بالاسم تلك “الشخصيات” الفاسدة في الأحزاب السياسية أو الإدارات أو الهيئات العامة أو الخاصة المختلفة، إلا أننا نادرا ما نُشير إلى أولئك النزهاء لا تصريحا ولا تلميحا مِمَّن قاوموا ومازالوا يقاومون من الداخل وبكل الوسائل هذا الشر المستطير الذي لم يتوقف عن نخر جسد مجتمعنا ودولتنا في جميع المستويات والقطاعات.
الترشح للانتخابات التشريعية كان مناسبة ليتداول المواطنون أسماء بالعشرات لأصحاب المال الفاسد مِمَّن تصدَّروا القوائم الانتخابية في هذا الحزب أو ذاك، ولكننا لم نُعِر الأهمية اللازمة أو الاهتمام المطلوب للَّذين أو اللواتي رفضوا اللعبة من الداخل، وأحيانا قاوموا بكل الوسائل لكيلا ينتصر هؤلاء الفاسدون، إلى درجة أن خرج بعضُهم إلى الشارع يحتجّ ويرفع صوته عاليا رافضا مثل هذه الممارسات.
وقبل هذه الانتخابات، قاوم عددٌ كبير من الإطارات، من الداخل أيضا، وهم في مناصب عملهم الحسَّاسة أحيانا، هذا الفساد، ودفعوا الثمن غاليا دون أن نَسمع بهم، حيث تمَّت فبركة قضايا ضدهم وزُجَّ ببعضهم في السجن بتهم غير ثابتة، ومنهم من برَّأته العدالة بعد حين دون أن يُصاب مَن ألحق بهم الأذى بأدنى ضرر، ودون أن يَطاله العقاب اللازم… ونحن صامتون.
وفي كل مكان من مجتمعنا، في كل قطاع، في كل مجال، النزهاء عدديا أكبر من الفاسدين، إلا أننا بِصَمْتنا نجعلهم أقلَّ نفوذا وأقلَّ قدرة على الدفاع عن أنفسهم، بعدم إبرازنا لدورهم الكبير في مقاومة الفساد، وللتضحيات الجسام التي يقومون بها في تلك المعارك غير المتكافئة التي كثيرا ما تُستَخدم فيها الوسَائل غير الشريفة من قِبل الفاسدين، لا يجدوننا إلى جنبهم إعلاميا أو ميدانيا.
وهكذا مالت الكفة إلى الآخرين، وكِدنا نَفقد الأمل في أننا ذات يوم يُمكننا تصحيح الخلل، إلا أن ما بدر في المدة الأخيرة من مواقف شجاعة من قِبل فئة من المناضلين الشباب الواعين وبعضهم من حملة الشهادات العليا في الأحزاب السياسية خاصة الحاكمة، وتزايد عدد الأحكام بالبراءة ضد الذين لُفقت تجاههم تُهم مختلفة فقط لأنهم لم يسايروا “التعليمات” العليا الشفهية، وإصرار الكثير من الإطارات الشابة على عدم انتهاك القانون في أكثر من قطاع، يُبرز لنا أنه مازال لدينا الكثير من النزهاء، وأننا نستطيع، بشيء من التضحية والاستمرارية في العمل كل في مستواه، أن ننشئ جبهة للنزهاء، ونتحدث عن انتصارها القريب، بدل استمرارنا في لعن جبهة الفساد والمفسدين، الحاملة بالضرورة لبذور فنائها إن اليوم أو غدا.