مافيا الموانئ سترفع سعر السردين إلى 700 دينار للكلغ
عرّى السيد حسين بلوط، رئيس اللجنة الوطنية للصيد البحري، قطاع الصيد البحري في الجزائر، الذي ينام حسبه على فضائح وتجاوزات من العيار الثقيل، تفوق فضائح سوناطراك والخليفة، حرمت الجزائريين من تناول أكثر المواد الغذائية أهمية لصحة الجسم، في ظل ارتفاع أسعار “السردين” أبسط أنواع السمك إلى 500 دج للكيلوغرام، والذي سيواصل ارتفاعه حسب ضيف “الشروق” إلى 700 دج بسبب مافيا الموانئ التي تتحكم في الأسعار، وكشف أن “الشكارة” هي التي باتت تتحكَّم في الصيد البحري، ما جعل إنتاج السمك يتراجع إلى 72 ألف طن سنويا، على عكس المغرب الذي تجاوز إنتاجه مليون و50 ألف طن، مؤكداً أن أرقام الوزارة التي تحدثت عن إنتاج 200 ألف طن سنوياً كاذبة هدفها “تغطية الشمس بالغربال”، حيث أن الرقم الحقيقي لا يتعدى إنتاج 72 ألف طن سنوياً.
استهل رئيس اللجنة الوطنية للصيد البحري السيد حسين بلوط حديثه في منتدى “الشروق” عن أرقام وإحصائيات تتعلق بواقع الصيد البحري في الجزائر، تعكس التراجع الكبير في الثروة السمكية بسبب غياب تطبيق إجراءات تنظيمية للصيد، ما تسبَّب في استنزاف الثروة السمكية التي باتت تُهرَّب من السواحل الجزائرية بسبب التلوُّث وعدم احترام مواقيت الصيد؛ فالقانون الجزائري يمنع الصيد أثناء الراحة البيولوجية للسمك حتى يتسنى له وضع البيض والتكاثر، وتمتد هذه الفترة من شهر ماي إلى شهر أوت من كل سنة، ولكن هذا الإجراء حسب مصدرنا غير محترم في الجزائر، حيث تُصطاد حتى الأسماك الصغيرة التي يقل طولها عن 5 سنتمترات برغم أن المرسوم التنفيذي رقم 04- 86 المؤرخ في مارس 2004 يمنع اصطياد أسماك يقل طولها عن 11 سنتمتراً، ما يساهم في القضاء على تكاثر السمك وتراجع الإنتاج والصيد، هذا الأمر -يضيف السيد بلوط- تعلمه الوزارة جيِّدا، غير أنها لا تحرِّك ساكنا للمحافظة على الثروة السمكية في الجزائر التي بات يتحكم فيها “البڤارة” وأصحاب “الشكارة” الذين أحكموا سيطرتهم على الموانئ، وهم من يحدد أسعار السمك الذي عرفت أسعارُه مستويات قياسية، وستواصل الارتفاع لتصل إلى 700 دج للكلغ في الأيام القادمة بسبب غياب الرقابة واستقالة الوزارة من أداء دورها الأساسي في مراقبة الموانئ، ومنع احتكار تسويق الثروة السمكية، علماً أن هناك نوعين من الأسماك يسيران في طريق الانقراض عالمياً، أحدهما “السردين”.
وأضاف بلوط أن الوزارة وعدت الصيادين بمنحهم أجوراً لا تقل عن الحد الأدنى الوطني المضمون، أي 18 ألف دج، في فترة الراحة البيولوجية لتشجيع الصيادين على عدم الصيد في هذه الفترة، لكنها لم تفِ بوعدها منذ أربع سنوات كاملة، واستغرب المتحدث عدم استجابة الوزارة لاقتراحه بإنشاء “شرطة بحار” تراقب كل صغيرة وكبيرة في القطاع، وتضع حدا للتجاوزات وتساعد حرس السواحل في مهمتهم، وقال “منذ سنة 2005 ونحن نطالب بإنشاء شرطة بحار لوضع حد لمختلف التجاوزات الحاصلة في القطاع، ولكن لا حياة لمن تنادي”.
“هكذا يتحكم خفافيش الظلام في أسعار السردين داخل الموانئ”
كشف حسين بلوط أن الإدارة في الموانئ لا تعمل في الليل، ما يفتح المجال لنشاط ما وصفه بـ”عصابات الموانئ” التي تتكون من أصحاب “الشكارة” الذين يدخلون في جماعات إلى الميناء ابتداءً من الساعة الثالثة صباحا، ويشترون كل ما تحمله بواخر الصيد من السمك بأسعار لا تتجاوز 120 دج للكلغ، ويعيدون بيع السمك ليصل إلى المستهلك بسعر 500 دج، والغريب في الأمر حسب المتحدث أن هذه “العصابات” تتلقى تسهيلات كبيرة لدى دخولها الميناء فبالرغم أن أعضاءها ليسوا صيادين ولا تربطهم أي صلة بالصيد البحري، إلا أنهم لا يتعرضون لأي مراقبة، خاصة وأنهم يدخلون إلى الميناء بشاحنات كبيرة تخرج محمَّلة بالسمك إلى وجهة مجهولة، وعند فتح باب إدارة الميناء على الساعة الثامنة صباحا يكون السمكُ قد بيع، والأمر قد قضي، وكشف أن اغلب الموانئ تعاني ظروفا كارثية في التسيير، فهي لا تحتوي حتى على مرحاض أو سيارة إسعاف، ما يجعل الصيادين يعملون في ظروف مزرية.
400 ألف طن من السمك المجمد المغشوش على موائد الجزائريين
كشف رئيس اللجنة الوطنية للصيد البحري أن مستوردين من أصحاب “الشكارة” يُغرقون السوق سنويا بـ400 ألف طن من السمك المجمد المستورد من موريتانيا والأرجنتين وغيرهما، أي ما نسبته ستة أضعاف مما يتم إنتاجُه في الجزائر، والكارثة -حسب المتحدث- أن أصحاب السمك المجمد لا يحترمون سلسلة التبريد، حيث يعملون على الغش في تاريخ الصلاحية، وأماكن التخزين، والأدهى من هذا، أن هذا السمك يتم إدخاله إلى الميناء في شاحنات كبيرة في الليل، ويتم وضعُه داخل المياه الملوثة للميناء، وبعد ذلك يتم بيعُه على أنه “طازج”، غير بعيد عن أعين حراس الميناء، وفي كثير من الأحيان يُباع هذا السمك المجمّد للمواطنين بأسعار مرتفعة على أساس أنه “سمك طازج” بـ500 دج للكغ وأكثر، كما يعمد بعض الصيادين إلى بيع سمك النهر في الموانئ أمام أعين الرقابة، وهذا كله من طرف “عصابات” تتاجر بصحة الجزائريين.
الجزائري يتناول أقل من كيلوغرام من السمك سنويا
أكد السيد حسين بلوط أن إنتاج السمك في الجزائر تراجع من 380 ألف طن في فترة الثمانينيات إلى 72 ألف طن فقط سنة 2012، وهذا ما جعل معدل استهلاك الجزائري يتراجع إلى أقل من 01 كلغ سنويا، وهذا ما يجعل الجزائر البلد المتوسطي الأقل استهلاكاً للسمك إذا ما قارناه مع التونسي الذي يستهلك 10 كلغ في السنة، ثم المغربي الذي يستهلك 12 كلغ في السمك، بينما يستهلك المواطن الأوروبي 20 كلغ في العام، ويتناول المواطن الياباني 80 كلغ في السنة،
الجزائريون يستهلكون سنويا 400 ألف طن من السمك المجمَّد المغشوش
وهو الأكثر استهلاكا في العالم. وبالنسبة إلى إنتاج السمك فإن تونس تنتج سنويا 600 ألف طن، بينما تنتج المغرب أكثر من مليون و50 ألف طن، أي ضعف ما تنتجه الجزائر بحوالي 14 مرة، وهذا ما يجعل هذه الأخيرة في خانة الدول المتخلفة في الصيد البحري بالرغم من الأموال الكبيرة التي خُصصت لهذا القطاع، وكشف مصدرُنا أن 194 نوع من السمك يعيش في السواحل الجزائرية، 90 بالمائة منها غير معروفة لدى الجزائريين الذين يعتمدون على استهلاك ستة أنواع من السمك أكثرها “السردين” الذي لم يعد في متناول الجميع.
52 ألف صياد يعانون من أجور زهيدة وغياب قانون أساسي
أكثر من 52 ألف صياد جزائري يعانون أوضاعا مزرية في ظل ضعف أجرة التقاعد التي لا تتجاوز 14000 دج، وغياب منح المرأة الماكثة في البيت، هذا ما كشف عنه حسين بلوط الذي أكد أن عددا كبيرا من الصيادين تحولوا إلى “خمَّاسين” لدى مالكي بواخر الصيد الذين كانوا في السابق يتقاسمون الربح مع الصيادين النصف بالنصف، لكن اليوم اختلف الأمرُ بأجرة زهيدة يتقاضاها الصياد مقابل مخاطر الصيد، خاصة وأن أغلب الصيادين يعملون دون تأمين ولا حماية اجتماعية ودون تعويضات في فترة الراحة البيولوجية الممتدة من ماي إلى أوت من كل سنة، كما أن الوصاية ترفض مسح ديونهم أسوة بالفلاحين وحتى بالبلدان الإفريقية التي مسحت ديونهم، وأضاف المتحدث أن اللجنة الوطنية للصيد البحري قدمت للوصاية مقترحا لسنِّ قانون أساسي خاص بالصيادين سنة 2005 ولم تتلقّ عليه أي رد لحد الساعة، كما أنها قدمت في نفس السنة تقريرا مفصلا يبيِّن بوضوح كل المشاكل التي يعانيها قطاع الصيد في الجزائر، غير أن هذه الاقتراحات لم تجد أي اهتمام أو رد من طرف السلطات الوصية، وهو ما يدل على عدم وجود إرادة سياسية لإصلاح الأوضاع.
بواخر صيد عمرها 100 سنة تشتغل بمحرِّكات شاحنات
قال ضيف منتدى “الشروق” إن أسطول الصيد الجزائري يتكون من 4250 وحدة من مختلف أنواع السفن الصغيرة والكبيرة، معظمها قديم ومهترئ، حيث يزيد عمر أغلب السفن عن 100 سنة، وتسير بمحركات شاحنات، وهذا بسبب غياب تام لخدمات ترقيع السفن وبيع قطع الغيار، وفي هذا السياق تساءل المتحدث عن مصير المؤسسة الوطنية لترقيع وبناء السفن التي خصصت لها الدولة مئات الملايير لتطوير أسطول الصيد الجزائري، لكن هذه المؤسسة اليوم تحوَّلت إلى اسم لا وجود له إلا على الورق، ما جعل أغلب الصيادين يعتمدون على بواخر قديمة وما يتعرض للتلف منها أو عطب يتم إصلاحها في الدول المجاورة وفي مقدمتها تونس، وكشف بلوط أن ملايير الوكالة الوطنية لدعم تشغيل الشباب “أونساج” الرامية إلى تطوير الصيد البحري، ذهب بعضُها إلى أصحاب المعارف و”الشكارة”، وفي هذا الإطار، قال المتحدث “أتحدى السلطات أن تكشف عن اسم واحد من الصيادين الحقيقيين استفاد من أموال دعم تشغيل الشباب التي ذهبت إلى أبناء وزراء وإطارات في الدولة”.
شبكاتٌ محرَّمة دولياً تُستعمل للصيد في الجزائر
أغلب السمك الجزائري يُصطاد بطرق غير قانونية ومهدِّدة للثروة السمكية، هذا ما قاله بلوط الذي أكد أن أغلب الصيادين كانوا يعتمدون قبل ثلاث سنوات على تقنية التفجير بـ”الديناميت” لتسهيل عملية الاصطياد، وهذا ما ساهم في استنزاف غير مسبوق للثروة السمكية، ما دفع اللجنة الوطنية للصيد البحري إلى عقد ندوة صحفية عاجلة منذ سنتين، تمَّ من خلالها فضح هذه القضية للرأي العام، ودفع السلطات إلى تشديد الرقابة على مستعملي التفجير للصيد، وهذا ما ساهم في غيابه عن السواحل الجزائرية بنسبة 95 بالمائة، ليُعتبر انتصارا لقطاع الصيد، خاصة إذا علمنا أن تفجير الديناميت في مكان معين يقضي على الثروة السمكية في محيط قدره 05 كلم لخمس سنوات كاملة، لكن صيادين لجأوا مؤخرا إلى طرق غير قانونية أخرى تتعلق باستعمال شبكات صيد محرمة دوليا ويتعلق الأمر بالشبكة غير المرئية والشبكة الحديدية التي تعمل على صيد السمك بطريقة مروِّعة وغير إنسانية، وقال محدثنا إن الجزائر أمضت على معاهدات برشلونة التي تحرِّم اعتماد هذا النوع من شبكات الصيد.
المرجان الجزائري يُهرَّب إلى أمريكا لصناعة السفن الفضائية
كشف رئيس اللجنة الوطنية للصيادين أن عصابات تونسية – ايطالية – جزائرية تعمل على صيد المرجان الجزائري بطرق غير قانونية ليتم تهريبه إلى أمريكا لصناعة مواد تستعمل في تركيب السفن الفضائية، لأن المرجان فيه خاصية مضادة للضغط الجوي، ويُعتبر المرجان الجزائري الأحمر من أجود أنواع المرجان في العالم، وتصل قيمته إلى 20 ألف دولار للكيلوغرام، وأضاف أن تقنية الصيد بالشبكة الجرارة “الكركارة” تعمل على تحطيم جذور المرجان، وهذا ما يجعله لا يتكاثر بطريقة طبيعية وتقضي عليه، وقال إن شجرة مرجان صغيرة تم صيدُها مؤخرا بيعت بـ350 مليون سنتيم، والغريب في الأمر –حسب المتحدث- أن السلطات الوصية لا تولي اهتماما لاستغلال ثروة المرجان الجزائري، في حين تعمل الدول المتقدمة على تطوير زراعة المرجان الذي يحقق أرباحا خيالية لتجَّاره.
120 ألف باخرة تعبر السواحل الجزائرية سنويا
قال ممثل الصيادين أن أغلب الشواطئ المسموحة التي يسبح فيها الجزائريون ملوثة بالغازات والفضلات الصناعية، ما ساهم في هجرة الأسماك إلى دول مجاورة؛ فأغلب المصانع الجزائرية تفرز فضلاتها في شواطئ البحر بما فيها المؤسسات البترولية على غرار سوناطراك، لكن لا وجود لأي رقابة، ولا إرادة لإنقاذ البحر الجزائري الذي سيتحوَّل مع مرور الوقت إلى “بحر ميت”، مؤكداً أن لتراً واحداً من البترول المتسرّب إلى البحر يلوِّث مساحة كبيرة تعادل ملعب كرة قدم وتنفّر الأسماك منها، وما زاد الطين بلة هو محطات تصفية المياه التي تتخلص من ملوحة المياه المعالجة في البحر، ما يساهم في هجرة السمك، وقال بلوط أن 120 ألف باخرة تعبر السواحل الجزائرية سنويا أغلبها تلقي بفضلاتها وغازاتها الصناعية المحترقة في السواحل الجزائرية، والتي تحولت إلى سواحل ملوثة ومليئة بملايين الأطنان من الترسبات الصناعية والغازات الصناعية المحترقة التي تجعل السباحة في الشواطئ الجزائرية خطيرة وتتسبب في مضاعفات صحية معقّدة، ويختم بلوط كلامه بالتنبيه إلى أن المتحكمين في الصيد يرفضون استعمال الصناديق البلاستيكية بدل الخشبية، ويقومون بنهب الغابات واستنزاف الثروة الوطنية من الأشجار الغابية قصد صناعة المزيد من الصناديق الخشبية، في ظل غياب أية رقابة.

