-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

مالك بن نبي…عبقريّ جزائري في مواجهة بربرية العالم المعاصر (3/3)

بقلم أمير نور ولعلى بشطولة
  • 94
  • 0
مالك بن نبي…عبقريّ جزائري في مواجهة بربرية العالم المعاصر (3/3)

فلسطين: الجرح الأصلي والنبوءة المتحققة
في الجزء الأول من هذه السلسلة، قدّمنا الرجل وعرّفنا بأهم أسلحته التحليلية: القابلية للاستعمار، والثالوث الحضاري، والعولمة والعولمية، والصراع الأيديولوجي، و«أنبوب الخيانة». وفي الجزء الثاني، وضعنا هذه الأدوات أمام عدد من مسارح العالم المعاصر: أفغانستان، والعراق، ولبنان، واليمن، وإيران والخليج، لنختبر إلى أي مدى يستطيع فكر رجل توفي قبل أكثر من نصف قرن أن يضيء عالماً لم يعشه.
وبقي ملف واحد.
ملف لم يعامله مالك بن نبي يوماً بوصفه قضية من القضايا، بل بوصفه قضية تقيس صدقية القضايا كلها. ملف عاد إليه طوال عقود، واعتبره امتحاناً للحضارة الإسلامية من جهة، وامتحاناً للمصداقية الأخلاقية للنظام الغربي من جهة أخرى.
ذلك الملف هو فلسطين.
وقد صار اليوم، بالمعنى الأشد فظاعة، واقعاً مكشوفاً أمام العالم كله.
﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ سورة محمد، الآية 38.
وهي من الآيات التي كان مالك بن نبي يعود إليها في تأملاته حول التداول الحضاري ومسؤولية الأمم، وحول اللحظة التي تفقد فيها جماعة ما أهليتها لأداء وظيفة تاريخية فتنتقل هذه الوظيفة إلى غيرها.

ملاحظة منهجية
يعمل هذا النص على ثلاثة مستويات ينبغي الفصل بينها بدقة.
الأول هو مستوى الوقائع الثابتة: أعداد الضحايا، والدمار، والأحكام والآراء القضائية، والتقارير المتعلقة بالتعليم والتراث والمؤسسات، وهي وقائع نحيل فيها إلى المصادر المؤسسية والدراسات المتخصصة.
والثاني هو مستوى مالك بن نبي نفسه: أي ما قاله بالفعل، والمفاهيم التي صاغها، والأحكام التي يمكن نسبتها إليه استناداً إلى كتبه ومخطوطاته ودراساته.
أما المستوى الثالث فهو قراءتنا نحن. فحين نمد مفاهيمه إلى وقائع لم يعاصرها، أو إلى أنظمة سياسية وتكنولوجية وجيوسياسية ظهرت بعد وفاته، فإننا لا نزعم أنه قال ما نقوله. نحن نستخدم أدواته التحليلية، ونعلن بوضوح أن التطبيق المعاصر من صنعنا، وأن مسؤوليته الفكرية تقع علينا نحن.
هذه التفرقة ليست احترازاً شكلياً؛ بل هي شرط الأمانة العلمية.

مقدمة — الملف الذي لم يُغلق أبداً
ثمّة ملفات يفتحها الطبيب، يفحصها، يصف لها علاجاً، ثم يغلقها.
وثمّة ملف لا يستطيع إغلاقه لأن المرض الذي يراه فيه ليس مرض عضو واحد، بل مرآة للجسد كله.
بالنسبة إلى مالك بن نبي، كانت فلسطين ذلك الملف.
عاد إليها في القاهرة وفي الجزائر، في زمن صعود عبد الناصر، وفي سنوات الخيبة العربية، وفي تأملاته الأخيرة. لم يرها مجرد نزاع جغرافي على أرض، ولا مجرد قضية قومية تخص الفلسطينيين وحدهم. لقد رآها امتحاناً تاريخياً لمن زعموا أنهم يتحدثون باسم حضارة كاملة.
كان التفسير الأسهل لهزيمة فلسطين هو القول إن عدواً أقوى انتصر بالسلاح والمال والدعم الغربي.
رفض مالك بن نبي هذا العزاء.
لم ينفِ قوة الاستعمار، ولم يخفف من مسؤولية المشروع الصهيوني أو القوى التي رعته، لكنه رفض أن يصبح الخارج تفسيراً كاملاً لكل شيء.
كان سؤاله أكثر قسوة:
كيف يمكن لحضارة يزيد تعداد أبنائها على المليار، تمتد فوق قارات، وتملك مساحات شاسعة وثروات ومواقع جغرافية استثنائية، أن تخسر مساحة صغيرة من الأرض، ثم تستمر في خسارتها، جيلاً بعد جيل، وقمة بعد قمة، وبياناً بعد بيان؟
بالنسبة إليه، لا يكفي أن نعرف من أطلق النار.
يجب أيضاً أن نسأل لماذا عجز الآخر عن منع إطلاقها، ولماذا ظل عاجزاً بعد عشر سنوات، ثم عشرين، ثم خمسين، ثم سبعين.
هنا يبدأ الملف الأخير من رحلتنا مع مالك بن نبي.
وهو أيضاً الملف الذي تتوقف فيه مفاهيمه عن الظهور كأدوات نظرية بعيدة، وتبدأ في الاقتراب، بصورة مقلقة، من منطق واقعنا المعاصر.
ليس لأن مالك بن نبي «تنبأ» بغزة.
بل لأن المنطق الذي وصفه بلغ في غزة درجة من الاكتمال يصعب تجاهلها.

أولاً: الجرح الأصلي — قراءة عام 1948
القراءة مع مالك بن نبي تقتضي رفض روايتين مريحتين.
الرواية الأولى غربية: أرض جديدة، صحراء أزهرت، ديمقراطية وُلدت وسط أنظمة مستبدة، ومشروع قومي يبحث عن مأوى بعد الاضطهاد الأوروبي.
والرواية الثانية عربية مريحة بدورها: شعب بريء تماماً، جرى كل شيء عليه بفعل الآخرين، ولا شيء في بنيته السياسية والفكرية والحضارية يستحق المساءلة.
مالك بن نبي لا يقبل الرواية الأولى، ولا يسمح لنا بالاستراحة داخل الثانية.
هو يقبل واقعة الجريمة، لكنه لا يقبل البراءة الحضارية المطلقة.
من هنا تأتي إحدى أكثر أدواته إزعاجاً: القابلية للاستعمار.

لم يكن المفهوم عنده تبرئةً للمستعمِر. الاستعمار جريمة وهيمنة وعنف. لكنه كان يسأل عن الشروط الداخلية التي تجعل المجتمع عاجزاً عن ردّ هذا العنف، وعن اللحظة التي يفقد فيها القدرة على إنتاج المؤسسات والفكرة والانضباط التاريخي اللازم لحماية نفسه.
الاستعمار، في هذه القراءة، ليس المرض الوحيد.
إنه أيضاً العارض الذي يكشف مرضاً أعمق.
وهكذا تصبح نكبة 1948، من منظور بن نبي، أكثر من هزيمة عسكرية. إنها كشف لحالة حضارية دخل فيها العالم الإسلامي منذ زمن: تآكل الفكرة الفاعلة، ضعف الرابط الاجتماعي، حلول الخطب محل القدرة، وتحول العاطفة إلى بديل عن التنظيم.
وفي هذا السياق ينبغي التعامل بدقة مع ما عُرف في أرشيف مالك بن نبي بالمخطوط الذي أعدّه امتداداً لـ «وجهة العالم الإسلامي»، والمعروف بـ «وجهة العالم الإسلامي II»، والمرتبط بالمشروع غير المنشور حول «المشكلة اليهودية».
لم يكن تحليل بن نبي لليهودية لاهوتياً أو عرقياً، ولا ينبغي قراءته بهذه الطريقة. كان يحاول، بلغته ومفاهيم عصره، تفسير انتقال جماعات يهودية أوروبية من أوضاع اجتماعية وسياسية محددة إلى أدوار جديدة داخل المجتمع الأوروبي الحديث، ثم فهم ظهور الصهيونية السياسية ضمن تحولات أوروبا الإمبريالية والقومية.
وهذه قراءة تاريخية موضعية قابلة للنقد، وليست حكماً عرقياً ولا تعميماً على اليهود كجماعة دينية أو بشرية.
ميز بن نبي، ضمنياً أو صراحة، بين اليهودية بوصفها ديناً وهوية ثقافية وبين الصهيونية الحديثة بوصفها مشروعاً قومياً منظماً يطلب الأرض والسيادة والدعم الدولي.
وكان التحول الحاسم بالنسبة إليه هو انتقال الصهيونية إلى مشروع سياسي استطاع أن يلتقي مع الحسابات الاستراتيجية للإمبراطوريات الأوروبية، بحيث جرى تقديم الاستيطان والسيادة الجديدة بلغة التحرير القومي والتعويض الأخلاقي، بينما دفع شعب آخر الثمن الأرضي والتاريخي.
لكن غاية بن نبي لم تكن أن يفسر فلسطين بالصهيونية وحدها.
كان يعود دائماً إلى العالم الإسلامي.
ما قيمة معرفة قوة خصمك إذا كنت عاجزاً عن معرفة ضعفك؟
وما قيمة إدانة المشروع الخارجي إذا كنت غير قادر على إنتاج المشروع المقابل؟
كان تشخيصه قاسياً: الخطابة لا تبني توازناً للقوة. الحروب المرتجلة لا تصنع نهضة. والتعبئة العاطفية التي تشتعل موسماً ثم تخبو ليست بديلاً عن الفكرة المنظمة.
مواجهة المشروع الصهيوني، في منطقه، تستلزم في الوقت نفسه مواجهة العجز الحضاري الذي مكّن لهذا المشروع.
ومن هنا ينبثق أحد أشد دروسه إزعاجاً.
لم يكن أكثر ما يلفت انتباهه في المشروع الصهيوني السلاح وحده، بل فعالية الفكرة عندما تُخدم بمنهج وصبر وتنظيم ومؤسسات.
في عالم غني بالأشياء وفقير بالأفكار المنظمة، تستطيع فكرة منضبطة أن تهزم كتلاً أكبر منها عدداً ومالاً.
وإذا مددنا هذه القاعدة إلى حاضرنا — وهذه قراءتنا نحن لا قول منسوب إلى بن نبي — فإن إسرائيل لا تظهر فقط كقوة عسكرية متفوقة داخل المنطقة، بل أيضاً كمرآة دقيقة لاختلال عربي وإسلامي أوسع.
ليست إسرائيل سبب كل ذلك الضعف.
لكنها أحد أكثر مقاييسه قسوة.
الجرح حقيقي.
والجريمة حقيقية.
لكن المسؤولية الحضارية عن العجز عن منعها أو تغيير ميزانها حقيقية أيضاً.

ثانياً: أنبوب الخيانة عند منبعه
إذا كانت القابلية للاستعمار هي الداء، فإن «أنبوب الخيانة» هو إحدى الشبكات التي يسري فيها هذا الداء.
صاغ مالك بن نبي هذه الصورة في 10 فبراير/شباط 1973، قبل وفاته بأشهر قليلة.
لم تكن الخيانة عنده مجرد فعل فردي يقوم به شخص يبيع قضية أو يسلم سراً أو يتعاون مع قوة أجنبية.
كانت أعمق من ذلك.
كانت نظاماً.
شبكة من المصالح والأموال والامتيازات والديماغوجيا والتبعية، تستطيع أن تجعل الخضوع نفسه يبدو سياسة، والعجز حكمة، والتنازل واقعية.
فلسطين هي المكان الذي يمكن فيه رؤية هذا الأنبوب بأقصى درجات الوضوح.
أحصوا القمم.
أحصوا البيانات.
أحصوا «الخطوط الحمراء».
أحصوا الجلسات الطارئة.
ثم ضعوا إلى جانبها سؤالاً واحداً:
ماذا تغيّر فعلياً على الأرض؟
تعمل الخيانة هنا على مستويين.
هناك أولاً خيانة الروح: تحويل القضية من مشروع فعل إلى شعار؛ من مسؤولية تاريخية إلى مناسبة خطابية؛ من التزام إلى مادة تستخدم في الشرعية الداخلية وجمع التأييد وتوزيع الاتهامات.
ثم هناك خيانة الوسائل: إهمال بناء القدرات الاقتصادية والعلمية والمؤسسية والعسكرية والدبلوماسية التي كان يمكن أن تحوّل التضامن من كلام إلى قوة.
ولم تُبن تلك الوسائل بالقدر المطلوب لأن بناءها كان يستلزم نهضة داخلية حقيقية، أي مجتمعات أكثر معرفة، ومؤسسات أكثر استقلالاً، واقتصادات أكثر إنتاجاً، وسياسات أكثر خضوعاً للمساءلة.
وفي قراءتنا بمنظور مالك بن نبي، لم تكن اتفاقيات إبراهيم قطيعة مفاجئة مع تاريخ مختلف تماماً؛ بل يمكن النظر إليها بوصفها إحدى المحطات المتقدمة في مسار أوسع من الاعتماد الأمني والعسكري والسياسي، حيث تستطيع دولة أن تنتقل من حالة العداء المعلن إلى التطبيع من دون أن تكون قد بنت استقلالاً استراتيجياً حقيقياً.
المشكلة ليست في كلمة «سلام» بذاتها.
السلام قيمة.
لكن السؤال البنّابي هو دائماً:
سلام بين من ومن؟
وبأي ميزان للقوة؟
وبأي قدر من الاستقلال؟
وهل جاء نتيجة قدرة ذاتية، أم نتيجة تبعية جعلت الطرف الأضعف يتكيف مع بنية لم يشارك في صنعها؟
تلك هي الأسئلة التي تميز السلام عن الاستسلام، والتسوية عن التبعية.

ثالثاً: غزة — الثالوث المقلوب في تمامه
ناقشنا في الجزء الثاني من هذه السلسلة مفهوم الثالوث المقلوب.
عند مالك بن نبي، يقوم البناء الحضاري على ثلاثة عناصر مركزية:
الإنسان، والتراب، والوقت.
وحين تنقلب العملية، يصبح التدمير الحضاري محاولة لضرب العناصر الثلاثة معاً:
إنسان لا يستطيع الفعل.
أرض لا يستطيع امتلاكها أو استخدامها.
وزمن لا يستطيع تحويله إلى مستقبل.
كان العراق بعد 2003 واحداً من النماذج الكبرى لذلك الانقلاب.
لكن غزة، منذ 2023، دفعت المنطق إلى حدوده القصوى.
الإنسان
تحول الإنسان إلى رقم.
قتيل. جريح. مفقود. نازح. أسير. طفل. امرأة. «هدف». «ضرر جانبي». «نسبة مدنيين إلى مقاتلين».
وتلك إحدى أخطر مراحل تشييء الإنسان: أن تصبح المأساة قابلة للإدارة إحصائياً إلى درجة يفقد فيها الرقم قدرته على إحداث الصدمة.
حتى منتصف يوليو/تموز 2026، تجاوز عدد القتلى الفلسطينيين المعلن عنهم 73 ألفاً، واقترب عدد الجرحى من 174 ألفاً وفق بيانات وزارة الصحة التي تنقلها المؤسسات الإنسانية، مع بقاء أعداد أخرى خارج الحساب النهائي، ولا سيما المفقودين تحت الأنقاض والوفيات المرتبطة بالجوع والمرض وانهيار النظام الصحي.
لكن الرقم، مهما بلغ، لا يصف الكارثة كاملة.
فالإنسان لا يُقتل فقط عندما يتوقف قلبه.
يمكن أيضاً أن يُنتزع منه شرط الحياة الاجتماعية: البيت، والمدرسة، والمستشفى، والذاكرة، والأمان، وإمكانية تصور الغد.

الأرض
غزة محاصرة منذ سنوات طويلة، لكن الحرب دفعت الحصار إلى مستوى آخر.
الأرض لا تعود مجرد مساحة جغرافية.
تصبح مكاناً لا يستطيع الإنسان أن يسكنه آمناً، أو يزرعه، أو يبني فوقه مدرسة، أو يعرف إن كان البيت الذي تركه صباحاً سيبقى قائماً مساءً.
وحين تتحول الأرض إلى مساحة يتنقل فيها الإنسان من منطقة قيل إنها «آمنة» إلى أخرى، ثم تُضرب المناطق نفسها، يصبح «التراب» — في المعنى البنّابي — فاقداً لوظيفته الحضارية.
فالأرض ليست حجارة.
إنها المجال الذي يحول الإنسان وجوده فيه إلى تاريخ.

الزمن
وهنا تقع الكارثة التي لا تظهر دائماً في نشرات الأخبار.
خلال الأشهر الأولى من الحرب تضررت أو دمرت نسبة هائلة من مدارس غزة.
قُتل آلاف الطلبة ومئات العاملين في التعليم، ودُمرت جامعات ومبانٍ أكاديمية.
وقد تساءل خبراء في الأمم المتحدة صراحة عما إذا كان التدمير الواسع للبنية التعليمية يمثل جهداً منهجياً لتدمير نظام التعليم الفلسطيني.
ارتبط هذا النوع من التدمير في الأدبيات المعاصرة بمفهوم «scholasticide»، أو الإبادة/الإفناء المنهجي للبنية التعليمية، وهو مفهوم ارتبط في النقاش الأكاديمي الحديث خصوصاً بأعمال الباحثة كرمة نابلسي، ثم اتسع استعماله لوصف التدمير المنهجي للمدارس والجامعات والعلماء والقدرة المؤسسية على إنتاج المعرفة ونقلها.
لكن المسألة تتجاوز المدرسة.
دُمرت أو تضررت أرشيفات تحفظ أجزاء واسعة من ذاكرة غزة.
وحتى 24 مارس/آذار 2026، كانت اليونسكو قد تحققت من أضرار لحقت بـ 164 موقعاً ثقافياً، بينها مبانٍ ذات أهمية تاريخية وفنية، ومواقع دينية وأثرية ومتاحف.
والسؤال هنا ليس ثقافياً بالمعنى الزخرفي.
لماذا يُهم أن تضيع مدرسة أو جامعة أو مخطوط أو مبنى تاريخي؟
لأن المجتمع لا يملك الحاضر وحده.
إنه يعيش عبر سلسلة نقل: من مات إلى من يعيش. من المعلم إلى الطالب. من الأرشيف إلى الذاكرة. من الجيل إلى الجيل.
يمكن قتل حاضر شعب بالقنابل.
لكن يمكن أيضاً مهاجمة زمنه بتدمير قدرته على امتلاك ماضٍ متماسك ومستقبل قابل للبناء.
وهنا يبلغ الثالوث المقلوب تمامه: الإنسان مهدد. الأرض مهددة. والزمن نفسه مهدد.
ليست المسألة عندئذ هزيمة جيش أو مجتمع في حرب فحسب.
إنها محاولة لضرب الشروط التي تسمح للمجتمع أن يعيد إنتاج نفسه.
وفوق هذه العملية كلها تحوم مفردات كان مالك بن نبي شديد الحساسية تجاه استخدامها الأيديولوجي: «حقوق الإنسان». «الدفاع عن النفس». «القانون الدولي». «النظام القائم على القواعد».
الخطر ليس في هذه المفاهيم؛ فهي ضرورية.
الخطر هو أن تتحول اللغة الكونية إلى لغة انتقائية: مبدأ عام عندما يخدمنا، واستثناء خاص عندما يقيّدنا.
وعندما أمرت محكمة العدل الدولية بتدابير مؤقتة في القضية التي رفعتها جنوب أفريقيا، ثم أصدرت في 19 يوليو/تموز 2024 رأيها الاستشاري الذي خلص إلى عدم مشروعية استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة، لم تكن المسألة إدانة سياسية عابرة.
كان النظام الذي بنى جزءاً من شرعيته على عالمية القانون أمام امتحان تطبيق قواعده على حليف وثيق.
وهنا لا تعود غزة اختباراً للفلسطينيين وحدهم.
إنها اختبار للمؤسسات التي تزعم أن القانون لا يتغير بتغير هوية من ينتهكه.

رابعاً: مقاومة المُشيَّأ
هنا تنعطف القراءة.
فالإنسان الذي يُختزل إلى شيء لا يصبح شيئاً بالضرورة.
التشييء مشروع.
والمقاومة هي رفض هذا المشروع.
غزة، بعد أن حُوّلت في نشرات الأخبار إلى خرائط وأرقام ونسب خسائر، فعلت شيئاً بسيطاً في ظاهره وعميقاً في معناه:
رفضت أن تختفي.
وهنا يمكن أن نعيد قراءة إحدى مفارقات مالك بن نبي الكبرى.
مجتمع يمكن أن يكون، من حيث شروطه المؤسسية والمادية، شديد الهشاشة ومعرضاً للهيمنة، لكنه في الوقت نفسه قادر على إنتاج فكرة مقاومة تمنع اكتمال عملية الإخضاع.
لكن بن نبي لم يكن رومانسياً.
ولم يكن سيسمح لنا بتحويل كلمة «المقاومة» نفسها إلى تعويذة تعفينا من التفكير.
كان سيطرح السؤال الذي طرحه، بأشكال مختلفة، على مجتمعه وعلى عالمه:
هل المقاومة مجرد رد فعل، أم أنها تتحول إلى فعل حضاري؟
المقاومة التي تستهلك كل قواها في البقاء يمكن أن تكون بطولية، بل مذهلة أخلاقياً، لكنها قد تظل محكومة بدائرة الاستنزاف.
أما المقاومة الحضارية فتسعى إلى تحويل المحنة نفسها إلى إنتاج: معرفة. مؤسسات. تنظيم. تعليم. ذاكرة. قدرة اقتصادية. أدوات سياسية. وفكرة تبقى بعد موت المقاتل.
هنا تقع المسافة بين البقاء والنهضة.
وتكريم غزة، وفق هذا المنطق، ليس مجرد الاحتفاء بصمودها.
إنه الإصرار على ألا يكون الصمود هو نهاية المشروع، بل مادته الأولى.

خامساً: النبوءة المتحققة
ومع ذلك، فعلت غزة شيئاً لم تستطع عشرات القمم والخطب والبيانات أن تفعله بالقوة نفسها.
لقد وضعت المصداقية الأخلاقية للنظام الدولي أمام اختبار مفتوح.
منذ نهاية الحرب الباردة، قيل لجزء كبير من العالم إن النظام الليبرالي الدولي هو الشكل الأكثر اكتمالاً لعالمية القانون وحقوق الإنسان.
قيل إن ثمة قواعد. ومعايير. ومؤسسات. وخطوطاً لا ينبغي تجاوزها.
ثم جاءت غزة.
ورأى ملايين البشر في الجنوب العالمي أن تطبيق تلك القواعد يمكن أن يصبح انتقائياً، وأن اللغة القانونية قد تفقد شدتها كلما اقترب الملف من مصالح القوى الكبرى.
وهنا لا تعني «النبوءة المتحققة» أن مالك بن نبي عرف أحداث 2023 أو أسماء الأسلحة أو الحكومات.
لم يعرفها.
النبوءة هنا مجاز فكري.
ما تحقق هو المنطق الذي وصفه:
الحضارة التي تعلن قيماً كونية، ثم تضحي بها مراراً على مذبح القوة والمصلحة، تعرض أكثر أصولها هشاشة للخطر: المصداقية.
القوة العسكرية يمكن إعادة بنائها. الاقتصاد يمكن إصلاحه. حتى النفوذ يمكن استرداده.
لكن المصداقية التي تتحطم أمام أنظار أجيال كاملة أصعب استعادة.
وهنا تعود الآية:
﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾.
قرأها مالك بن نبي في سياق التداول الحضاري.
الحضارة ليست ملكية أبدية.
ولا يحمل شعب أو إقليم أو دين «رخصة» خالدة للقيادة.
من يعجز عن أداء الوظيفة قد يفقدها.
ومن يرفض تعبئة قواه المنتجة قد يجد التاريخ يبحث عن حامل آخر.
ولزمن طويل بدا أن التحذير موجّه فقط إلى العالم الإسلامي.
في 2026 يمكن قراءته، من باب القياس التحليلي لا من باب النسبة إلى بن نبي، في اتجاهين.
العالم الإسلامي يعيش أزمة قدرة.
والغرب يعيش أزمة مصداقية.
الأول يملك قضية أخلاقية لا يملك دائماً الأدوات اللازمة لخدمتها.
والثاني يملك أدوات هائلة، لكنه يغامر بتبديد رأس المال الأخلاقي الذي منح مؤسساته نفوذاً يتجاوز القوة المادية.
حضارتان تواجه كل منهما، بطريقتها، سؤال الدافعية.

سادساً: النهضة أو العدم
التشخيص الذي ينتهي عند التشخيص نوع من العجز.
وكان مالك بن نبي يحتقر المثقف الذي يجد لذة كاملة في وصف الشلل ولا يملك تصوراً لإنهائه.
لهذا لا يمكن أن تكون الحركة الأخيرة في هذا النص هي الجرح.
يجب أن تكون المخرج.
ومن مجمل فكر بن نبي يمكن استخلاص أربعة محاور كبرى.

1. استعادة القوى المنتجة
ليست القضية في ريع النفط. ولا في تبرعات موسمية. ولا في قمم التضامن. ولا في دبلوماسية الإدانة.
القوة الحقيقية هي القدرة على إنتاج: الأفكار. والعلم. والغذاء. والدواء. والتكنولوجيا. والمؤسسات. والرأسمال البشري. ثم تحويل ذلك كله إلى قدرة استراتيجية.
القضية التي لا يدافع عنها إلا الانفعال تبقى هشة.
أما القضية التي تبني حول نفسها المعرفة والمؤسسات والقانون والاقتصاد والتحالفات، فإنها تبدأ الانتقال من حالة الاحتجاج إلى حالة الفعل التاريخي.

2. المصالحة مع حداثة نقدية
ليست الحداثة شراء الآلة. ولا استيراد الواجهة. ولا تقليد المركز.
الحداثة الحقيقية قدرة المجتمع على نقد نفسه.
أن يقرأ نصوصه. وأن يسائل مؤسساته. وأن يراجع تقاليده السياسية والفكرية. وأن يميّز بين المقدس واستخدام المقدس.
ومن هذه النقطة بدأ بن نبي، ومضى مفكرون آخرون، مثل محمد أركون، في اتجاهات مختلفة وأكثر راديكالية أحياناً.
المشكلة ليست أن نكون «حديثين» بالمعنى الغربي.
المشكلة أن نمتلك الجرأة على إنتاج حداثتنا بدل استهلاك حداثة الآخرين.

3. تعددية أقطاب أصيلة
العالم المتعدد الأقطاب لا يصبح أكثر عدلاً لمجرد وجود عدد أكبر من القوى الكبرى.
يمكن أن تنتقل الهيمنة من مركز إلى مراكز.
المطلوب ليس تعدد السادة، بل تعدد الفاعلين السياديين.
علاقات تقوم على المساواة في السيادة، وعلى تعدد المساهمات الحضارية، وعلى مؤسسات يستطيع الجنوب من خلالها أن يتصرف بصفته منتجاً للقواعد لا مجرد موضوع لها.
ومن أهم لحظات التضامن المؤسسي مع غزة لم تأتِ من قمة عربية، بل من جنوب أفريقيا وهي تحمل اتفاقية منع الإبادة الجماعية إلى محكمة العدل الدولية.
وهذه دلالة حضارية هائلة.
فالقوة ليست دائماً صاروخاً.
قد تكون ملفاً قضائياً أُعدّ باحتراف. وقد تكون مؤسسة. وقد تكون جامعة. وقد تكون تحالفاً بين دول قررت أن تتكلم بصوتها.
وفي قمة جوهانسبرغ في أغسطس/آب 2023 وُجهت الدعوة إلى مصر وإثيوبيا وإيران والسعودية والإمارات والأرجنتين للانضمام إلى مجموعة بريكس. رفضت الأرجنتين لاحقاً الانضمام، ثم انضمت إندونيسيا عضواً كاملاً في يناير/كانون الثاني 2025، لتتسع المجموعة إلى أحد عشر عضواً. ولا تعني هذه التطورات أن نظاماً عالمياً عادلاً وُلد تلقائياً.
لكنها تشير إلى أن احتكار مركز واحد لصياغة قواعد العالم لم يعد أمراً مسلماً به كما كان.

4. الدخول في اقتصاد المعرفة
رأى مالك بن نبي، قبل أن تصبح مفردات «اقتصاد المعرفة» و«الرأسمال المعرفي» من اللغة اليومية للسياسات العامة، أن مستقبل الحضارة لا يمكن أن يقوم على الموارد الطبيعية وحدها.
الثروة التي لا تتحول إلى معرفة تستهلك نفسها.
والمال الذي لا يبني الإنسان يصبح مجرد وسيلة لشراء ما ينتجه الآخر.
ولهذا فإن أحد أكثر أشكال التضامن حضارية مع غزة لا يتمثل فقط في إطعام من جاع اليوم — وهو واجب لا نقاش فيه — بل أيضاً في إعادة بناء المدرسة والجامعة والمخبر والمكتبة والقدرة الأكاديمية.
عشرات الآلاف من طلبة غزة وجدوا أنفسهم بلا جامعات مستقرة.
إعادة بناء جامعة ليست عملية هندسية فحسب.
إنها إعادة بناء الزمن.
إنها إعلان أن المجتمع سيظل قادراً على إنتاج طبيب ومهندس ومؤرخ ومعلم وباحث بعد أن يسكت السلاح.
ومن هذا المنظور تكف فلسطين عن أن تكون جرحاً يبكي عليه المرء عندما تحتل الأخبار ثم ينساه.
تصبح مقياساً.
التضامن الذي يصرخ ثم يخبو هو تضامن عاطفي.
أما التضامن الذي يبني، ويوثق، ويعلم، وينظم، ويمول المعرفة، ويشيد المؤسسات فهو تضامن حضاري.
وهذا هو الاختيار الذي وضعه مالك بن نبي أمام قارئه منذ كتاباته الأولى:
إما النهضة، وإما العدم.

سابعاً: حدود المعلّم
تقتضي الأمانة ألا نحوّل مالك بن نبي إلى العرّاف الذي رفض أن يكونه.
فكره عظيم، لكنه ليس بلا حدود.
وفلسطين نفسها تمثل اختباراً لهذه الحدود.
ثمة، أولاً، توتر لم يحسم تماماً بين الكونية وبين بقاء العالم الإسلامي، في كثير من نصوصه، الحامل المفضل — وربما شبه الحصري أحياناً — لمشروع النهضة.
إذا كانت الحضارة المقبلة إنسانية حقاً، فهل يمكن أن يكون لها حامل حضاري واحد؟
وثمة تحفظ ثان يتعلق بمفهوم القابلية للاستعمار.
قوة المفهوم أنه يعيد المسؤولية إلى الداخل ويمنع المجتمع من تحويل نفسه إلى ضحية أبدية.
لكن الخطر أن تُقرأ هذه المسؤولية بطريقة تنقل مركز التحليل من العنف البنيوي للاستعمار إلى ضحيته.
وهنا يصبح واجب القارئ أن يحافظ على الطرفين معاً:
الاستعمار مسؤول عن الاستعمار.
والمجتمع مسؤول عن بناء قدرته على منعه ومقاومته وتجاوزه.
ولا يلغي أحد الحكمين الآخر.
النقد الثالث يتعلق بمدى تقدير بن نبي للتفاوت الهائل في القوة العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية الذي تستطيع الإمبراطوريات الحديثة أن تفرضه على مجتمعات أضعف.
فليس كل سقوط نتيجة عجز داخلي بالدرجة نفسها.
أحياناً تكون القوة الخارجية هائلة إلى درجة تحطم حتى بُنى كانت تعمل.
والنقد الرابع يمس فهمه للدين بوصفه الحافز المركزي لولادة الحضارة.
لقد أعطى الدين وظيفة تأسيسية كبرى في نظريته، لكن التاريخ يطرح حالات أكثر تعقيداً، ويجبرنا على التساؤل عن إمكان ظهور محركات حضارية أخرى.
وهناك أيضاً ميل دوري في تصوره للتاريخ قد يبدو، عند بعض الباحثين، أكثر انتظاماً مما يسمح به التعقيد الفعلي لمسارات الحضارات.
وأخيراً، ثمة مفارقة معرفية: الرجل الذي أراد الخروج من هيمنة المركزية الغربية استخدم، بالضرورة، بعض أدوات ومفردات ومناهج الفكر الأوروبي الحديث.
لكن هذه الاعتراضات لا تلغي مشروعه.
بل تساعد على إنضاجه.
وقد اتسع في العقود الأخيرة نقاش فكري يتجاوز بن نبي نفسه حول تحرير المعرفة من مركزيتها الغربية، مع باحثين ومفكرين مثل سيد فريد العطاس، ووائل حلاق، ووالتر مينيولو، ورامون غروسفوغيل، وبوافنتورا دي سوسا سانتوس وغيرهم.
ومن منظور إسلامي، يمكن قراءة مشروع بن نبي في ضوء مفهوم السنن: قوانين اجتماعية وتاريخية لا تلغي الإرادة، لكنها ترفض تصور التاريخ كسلسلة معجزات بلا أسباب.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.
ليست الآية بديلاً عن علم الاجتماع.
لكنها تعطي إطاراً أخلاقياً لمسؤولية الفعل.
وهكذا يصبح مشروع بن نبي، في أفضل قراءاته، محاولة لبناء سوسيولوجيا حضارية تستند في الوقت نفسه إلى الملاحظة التاريخية، والتجربة الاستعمارية، والأنثروبولوجيا الإسلامية، وفكرة أن المجتمعات تخضع لقوانين في صعودها وانحطاطها وتجددها.
لكن مالك بن نبي يخبرنا أكثر بكثير عمّا ينبغي فعله ولماذا، مما يخبرنا عن «كيف» التفصيلي:
عبر أي مؤسسات؟ وبأي فاعلين؟ وفي أي أفق زمني؟
تلك ليست نقطة تلغي عمله.
إنها العبء الذي تركه لمن جاء بعده.
لنا نحن.

خاتمة — مالك بن نبي بوصلة لا عرّافاً
بدأنا هذه السلسلة بصورة رجل ميت يدخل غرفة القرار.
وننتهي بتحديد أكثر دقة لما يحمله معه.
إنه ليس عرّافاً.
إنه بوصلة.
لا يعطينا الإجابات الجاهزة.
يعطينا الفئات التي نستطيع بها البحث عن الإجابات.
القابلية للاستعمار ليست قدراً؛ بل حالة ينبغي تشخيصها وتجاوزها.
أنبوب الخيانة ليس أسطورة عن أفراد أشرار؛ بل نظام مصالح ينبغي تفكيكه.
والنهضة ليست كلمة تعلق على واجهة مؤتمر؛ بل برنامج لإنتاج الإنسان والفكرة والمؤسسة والقدرة.

وفلسطين — الجرح الأصلي — يمكن أن تكون في الوقت نفسه بداية.
مرآة يرى فيها العالم الإسلامي حقيقة عجزه.
ويرى فيها الغرب، إذا امتلك شجاعة النظر، حقيقة أزمته هو أيضاً.
خاتمة ثانية — مكانة رجل في تاريخ الأفكار
هناك سلالة طويلة من المفكرين لم يسألوا فقط: لماذا خسرنا المعركة؟
بل سألوا السؤال الأصعب:
ما الذي يحدث داخل حضارة حتى تصبح الهزيمة قابلة للتكرار؟
طرح ابن خلدون السؤال في القرن الرابع عشر حين جعل العصبية ودورة العمران مفتاحاً لفهم قيام الدول وانحلالها.
ورأى فيكو أن العالم الإنساني، خلافاً للطبيعة، قابل للفهم لأن الإنسان شارك في صنعه.
وجعل توينبي علاقة التحدي والاستجابة من مفاتيح حركة الحضارات.
ووصف فانون ببراعة ما تصنعه الهيمنة داخل نفس المستعمَر وجسده ووعيه.
لكن كلاً منهم ترك جزءاً من السؤال معلقاً.
مكانة مالك بن نبي في هذا التسلسل دقيقة.
أخذ شيئاً من سؤال ابن خلدون، لكنه رفض أن يحوله إلى قدرية.
لامس الجرح الذي سيصفه فانون، لكنه لم يرد للمستعمَر أن يبقى أسير هوية الجريح.
كتب من داخل العينة لا من خارجها.
رجل مستعمَر يحلل الاستعمار من دون أن يطلب الشفقة، ومن دون أن يدعي أنه يقف فوق قضيته.
ولهذا بقي فكره قابلاً للاستخدام والاختبار والمراجعة.
لم يترك لنا تاريخاً مغلقاً.
ولم يترك عقيدة سياسية مكتملة.
ترك شيئاً أندر:
نحواً للحضارة.
والنحو، بخلاف العقيدة المغلقة، قابل للنقل.
يمكن استخدامه خارج موضع ولادته.
فمجتمع يستهلك المعرفة ولا ينتجها يستطيع أن يكون قابلاً للهيمنة في القاهرة كما في بروكسل.
واقتصاد يعيش على الآلة المستوردة ويهمل قدرته الإنتاجية يعاني العطب نفسه سواء كانت عاصمته بغداد أو واشنطن.
وحضارة تضحي بقيمها المعلنة باستمرار عندما تصطدم بالمصلحة تدخل، هي الأخرى، أزمة دافعية مهما بلغ تفوقها التكنولوجي.
لقد كتب مالك بن نبي من أجل المستعمَرين.
وعاش ليراهم أحراراً سياسياً.
لكن القرن الحادي والعشرين جعل قائمة مرضاه أطول.
كتب عام 1949، وهو يتحدث عن «الحضارة الجديدة»، أنها ينبغي ألا تكون حضارة قارة متعجرفة، ولا حضارة شعب أناني، بل حضارة إنسانية تجمع طاقات البشر.
كانت جملة غريبة وسط أنقاض القرن العشرين.
وتبدو أشد غرابة حين تُقرأ وسط أنقاض غزة.
لكنها ليست عزاء.
إنها تكليف.
وهذا هو السبب في أن عمل مالك بن نبي ليس نصباً تذكارياً.
إنه بوصلة.
توفي مالك بن نبي في الجزائر العاصمة في 31 أكتوبر/تشرين الأول 1973، في بلد حديث الاستقلال كان يواجه بالفعل المفارقة التي شغلت حياته:
سيادة سياسية بلا نهضة حضارية مكتملة.
بعد أكثر من نصف قرن، تعيد مؤسسات وأجيال وقوى جديدة اكتشاف أجزاء من تشخيصه، أحياناً من دون أن تعرف صاحبها.
وقد يسجل مؤرخ الأفكار يوماً أن بعض أكثر أوصاف الاضطراب الحديث نفاذاً كُتبت، منذ عقود، بقلم مهندس جزائري لم يكن كثير من معاصريه مستعدين لسماعه.
ترك الطبيب التشخيص.
وترك عناصر الوصفة.
أما شفاء المريض من عدمه، فلم يكن قراره.
ولم يكن قرار مالك بن نبي يوماً.
إنه قرارنا نحن.
نهاية السلسلة
هذا هو الجزء الثالث والأخير من سلسلة: «مالك بن نبي: عبقريّ جزائري في مواجهة بربرية العالم المعاصر».

ملاحظات مرجعية للتحرير النهائي
1. تُراجع جميع إحالات مالك بن نبي على الطبعات المعتمدة من: شروط النهضة، وجهة العالم الإسلامي، مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، ميلاد مجتمع، الصراع الفكري في البلاد المستعمرة، وكتاباته حول الحضارة والعولمية.

2. ينبغي في الصيغة الأكاديمية النهائية التمييز بوضوح بين الكتاب المنشور «وجهة العالم الإسلامي» والمخطوط المحفوظ تحت تسمية Vocation de l’Islam II والمشروع المرتبط بـ Le Problème juif.

3. إحالة «أنبوب الخيانة» تثبت بتاريخ 10 فبراير/شباط 1973، من دون استعمال عبارة «عشرة أشهر قبل وفاته».

4. إحصاءات غزة في يوليو/تموز 2026 تُذكر بصيغة «أكثر من 73 ألف قتيل ونحو 174 ألف جريح» ما لم يتم إرفاق الجدول أو التقرير المؤسسي الذي يثبت الرقمين الدقيقين في تاريخ واحد.

5. مصطلح scholasticide يُقدّم بوصفه مفهوماً ارتبط وتطور في الأدبيات الأكاديمية المعاصرة، لا بوصفه اختراعاً يمكن نسبته بصورة قطعية إلى باحث واحد من دون توثيق تاريخ المصطلح.

6. تُثبت بيانات اليونسكو عند 24 مارس/آذار 2026: 164 موقعاً ثقافياً متضرراً تم التحقق منها.

7. تُصاغ الإحالة إلى محكمة العدل الدولية بدقة: تدابير مؤقتة في قضية جنوب أفريقيا ضد إسرائيل، ثم الرأي الاستشاري الصادر في 19 يوليو/تموز 2024 بشأن عدم مشروعية استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة.

8. في فقرة بريكس، يُفرّق بين الدول التي تلقت دعوة للانضمام في جوهانسبرغ سنة 2023 وبين العضوية الفعلية اللاحقة؛ الأرجنتين رفضت الانضمام، بينما أصبحت إندونيسيا عضواً كاملاً في يناير/كانون الثاني 2025.

9. العبارة المتعلقة بالآية 38 من سورة محمد تبقى في الصيغة الاحترازية: «من الآيات التي كان مالك بن نبي يعود إليها»، ولا يُدّعى أنها أكثر آية اقتبسها إلا إذا أُنجز إحصاء نصي موثق لأعماله.

10. جميع التطبيقات المتعلقة بغزة وإسرائيل والنظام الدولي بعد وفاة مالك بن نبي تُنسب صراحة إلى قراءة المؤلفين بأدواته، لا إلى أقوال مباشرة لبن نبي.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!