-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

متى تنتصر السياسة على “البوليتيك”؟

متى تنتصر السياسة على “البوليتيك”؟

لعل المصطلح الفريد من نوعه الذي لم تعرفه قواميس السياسة وأضافه الجزائريون لها على خلاف كافة الشعوب والأمم هو “البوليتيك”، حيث يُلخِّص بطريقة واضحة ودقيقة حال السياسة عندنا ومفهومها وكيفية التعامل معها، منذ الحقبة التي عاشها مالك بن نبي رحمه الله، الذي أعطى المصطلح أبعاده ودلالاته أكثر من غيره، إلى يومنا هذا، حيث مازال المصطلح يفي بغرضه في توصيف الحالة التي نعيش، ويدفعنا إلى طرح السؤال الكبير الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا: متى يمكن أن تنتصر السياسة على “البوليتيك”؟ ومتى نتخلص من هذا المصطلح الذي لا يوجد أكثر دلالة منه للتعبير عن السياسات الفاسدة في بلادنا؟

في أكثر من موقع صاغ مفكرنا الكبير مالك بن نبي رحمه الله مصطلح “بوليتك” للتعبير عن واقع السياسة في بلادنا في الفترتين السابقة واللاحقة لاستعادة السيادة الوطنية، وذلك لإبراز الفرق بينه وبين مصطلح السياسة ذي المعنى المتعارف عليه. ومن بين ما ذكره، أن السياسة هي تفكير في كيفية خدمة الشعب، أما “البوليتيك” فهو صراخ وحركات  لاستخدام هذا الشعب (لأغراض ضيقة). كما أنه أسلوب ماهر في مخادعته باسم تحقيق مزيد من الحقوق والمكاسب، بدل حثه وتذكيره بالواجبات التي ينبغي عليه القيام بها… (أنظر كتاب بين الرشاد والتيه).

وقد أكد عامة الناس هذا المعنى، مستخدمين إياه إلى اليوم بعفوية وفي ذات الوقت بكل الأبعاد الممكنة، إذ عندما يريدون وصف سياسة ما بأن فيها من الاحتيال وعدم الصدق والرياء والكذب ما فيها يقولون بأنها “بوليتيك”، وكفانا من “البوليتيك”… وفي بعض الأحيان أصبحت الكلمة مرادفة للاحتيال والخديعة والكذب والسفسطة والمراوغة وكل ما يعاكس الأخلاق في الممارسة السياسية حتى كاد مصطلح السياسة يغيب عن لغتنا بمعناه الإيجابي والسامي القائم على أساليب إدارة شؤون الدولة بما يخدم الشعب (مالك بن نبي).

هذه الحالة التي سادت منذ بداية الاستقلال وتعمّقت اليوم، تُبرز مسألة في غاية الأهمية لها علاقة بانحراف السياسة عن أداء مهامها في بلادنا مما يتطلب مِنَّا الوقوف عند ذلك، والقيام بالتصحيح المناسب على مستوى المفاهيم والمصطلحات، قبل أن نحوّل ذلك إلى سياسة فعلية على أرض الواقع، إذا أردنا أن نتخلص بالتدريج من مرحلة “البوليتيك” التي فاق تأثيرها السلبي كل التوقعات حتى كادت تَمحي تماما من قاموسنا النخبوي والشعبي المعنى الحقيقي للعمل السياسي وكأنه غير موجود تماما… فكل سياسة أصبحت اليوم “بوليتيك” عند الجزائريين، ومن الصعوبة بمكان إقناعهم بعكس ذلك…

وكلما مرت السنوات وتعاقبت الأحداث إلا وتأكد هذا التوجه وبرزت هذه الوجهة أكثر، وأبرزت للوجود “متخصصين” في”البوليتيك” يمتلكون القدرة  لتبريره وحتى للتنظير له، مما جعلنا نقول أن في ذلك خطرا كبيرا على مسارنا السياسي وعلى مستقبل سياسة الدولة بشكل عام.

إننا لن نستطيع الإبقاء على كيان الدولة قائما من خلال “البوليتيك” الذي تخصص فيه البعض وأمثلته لا تعد ولا تحصى، (قرارات ارتجالية، تراجع على مواقف، سياسات شعبوية، شخصنة للعمل السياسي…)، بل ينبغي أن تستعيد السياسة مكانتها من خلال وعي حقيقي بأهمية ذلك وعمل مستمر لتحقيق ذلك، وإلا كان ذلك إيذانا بانهيار الدولة.

وعندما نقول هذا فإننا نشير بالدرجة الأولى إلى أن السياسة هي قبل كل شيء فن وعلم و أخلاق.

هي فن الممكن كما لدى المدرسة الواقعية بقيادة الأمريكيين اليوم، وهي علم لديه قواعد تجعلها لا تُخطئ الطريق كما عند الرفقاء الصينيين: “سياستنا لا تخطئ لأنها علم”، على حد تعبير الزعيم الصيني شوانلاي، وهي ذات أسس أخلاقية ودينية لا يمكن أن تستقيم من غير وازع ديني كما هي عند علماء الملسمين (الماوردي، ابن أبي الربيع، ابن رشد، ابن تيمية… الخ).

ولا يمكننا أن نُمكِّنها من استعادة مكانتها الحقيقية في بلادنا دون التمعن في هذه الركائز الثلاثة ودون السعي للتكيف معها.. مع فن السياسة، والقواعد المادية المتحكمة فيها، والمنطلقات الأخلاقية والدينية التي ينبغي أن تتوفر لدى الفرد لممارستها، وقبل ذلك لا يمكننا الانطلاق في تصحيح الخلل في هذا المجال دون محاربة مكونات “البوليتيك” المختلفة التي تمكنت من مفاصل الدولة في المدة الاخيرة، بل وأن تُصبح هي العنوان الوحيد للسياسة في بلادنا.

وما يزيد من قناعتنا هذه أننا إذا كنا نريد أن نصوغ لبلدنا رؤية مستقبلية فلا يمكننا ذلك إلا بعيدا عن “البوليتيك” النقيض تماما لكل رؤية ولكل محاولة للتفكير في المستقبل، بل وجوده يعني النفي التام لكليهما معا: الفكر والمستقبل. 

هل يمكن لمتحايل ومخادع وكاذب ومن لا يملك أخلاقا أن يمتلك  فكرا سياسيا، رؤية أو مشروعا في المستقبل؟ ذلك غير وارد تماما إن كان من منظور واقعي أو مثالي أو أخلاقي أو ديني.

لقد عانت بلادنا من هذه الظاهرة ومازالت تعاني، إن لم أقل أنها ازدادت معاناة اليوم بتبوأ أنصار “البوليتيك” أماكن مرموقة في أكثر من مستوى، وبفرضهم أساليب العمل المتطابقة مع طريقة نظرتهم وتعاملهم مع المشكلات والسياسات المختلفة.

ونكاد نجزم أن كل محاولة لرسم سياسات بعيدة المدى في أي مجال من المجالات لن تعرف سوى الفشل مادام  “البولوتيك” هو السائد، ومادمنا لم نُصحِّح هذا الخلل إن على المستوى الواقعي، فن ممارسة الحكم، أو على مستوى قواعد العمل السياسي القائمة على علاقة الاقتصاد بالسياسة والمال جزء منه، أو على مستوى أخلقة الحياة السياسية التي من شأنها أن تعيد صوغ السياسات العامة على أسس من القيم الثابتة وأن يتم تنفيذها وفق قواعد الأخلاق العامة المستمَدة من خصائصنا الحضارية وتراثنا التاريخي المحدِّد لسلوك الأفراد والمجتمعات في هذا المجال.

لقد طال زمن مراجعتنا لهذه المسألة، وتركنا الأمر يستفحل إلى درجة أن انقلبت القيم رأسا على عقب، وبدل أن ينحصر مجال “البوليتيك” اتسع، وبدل أن تحل السياسة محله تراجع دورها، ومعها تراجع دور السياسيين الحقيقيين الذي باستطاعتهم أن يعيدوا الأمور إلى نصابها، وأن يُصحِّحوا الاختلالات الكثيرة التي وقعت فيها سياستنا الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

ومشكلتنا الأساسية ليست في افتقارنا إلى العنصر البشري القادر على إدراك هذه المسألة والتعامل معها، إنما في عدم امتلاكه للفعالية وفقدانه لزمام المبادرة، وتراجعه إلى الخلف باستمرار، وهي مشكلة بقدر ما لها من خلفيات سيكولوجية وتاريخية، وبقدر ما لها من علاقة بمسألة الصراع حول السلطة منذ استعادة السيادة الوطنية، هي ذات ارتباط وثيق بالمنظومة السياسية الدولية التي تعمل باستمرار على أن لا تكون لدول الجنوب بشكل عام وبعض دوله المحورية مثل الجزائر بشكل خاص اي سياسة حقيقية مبنية على أسس متينة، ومن مصلحتها أن يُصبح “البوليتيك” هو السيد والسائد، وأن ينتصر رموزه على الآخرين، وأن تقوى شوكتهم، لكي يصبحوا هم البديل الأوحد للسياسة ونُمنَع من امتلاك رؤية للمستقبل، وتبعا لذلك من أن تكون لنا دولة لها مكانة بين الدول المتقدمة في القرن الحادي والعشرين… وهذا ما ينبغي أن يُصحّح.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!