-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

مجالس الصلح والاحتيال على الشريعة!

الشروق أونلاين
  • 11926
  • 3
مجالس الصلح والاحتيال على الشريعة!
ح. م

تقام في بلادنا، وفي الكثير من المساجد، وبطرق مختلفة خاضعة للأعراف، ما يسمونها “مجالس الصلح”، وهي كلمة طيبة، فالصلح خير، وخير ما يفعله المسلم إصلاح ذات البين.

ولكن المشكلة ليست في الاسم، ولا في النية الطيبة التي دفعت إلى إقامة أمثال تلك المجالس، وإنما في مدى خضوعها للأحكام الشرعية القطعية.. فمن المعلوم أنه لا اجتهاد مع النص، وأن الله سبحانه وتعالى أدرى بمصالح العباد، ولذلك لا يصحّ لأحد أن يعقّب على أمر ربه، أو يزعم لنفسه أنه أرحم بعباد الله وأحرص عليهم من خالقهم.

وحتى نبيّن أن أكثر ما تمارسه تلك المجالس من ممارسات متناقض تماما مع النصوص الشرعية القطعية، ومتناقض تماما مع المصالح التي أرادها الله تعالى من خلال تلك النصوص، فسنذكر نموذجا من النماذج التي أصبح لها من الشهرة ما جعل الرؤية الشرعية للمسألة محجوبة بالرؤية العرفية.

والمسألة هي ما ينجم عن أحداث المرور الكثيرة من أنواع القتل، والتي دأبنا على اعتبار القتل فيها قتلا خطأ، مع أن الكثير منها لو طبقنا عليه المقاييس الشرعية، فإنا نراه أقرب إلى القتل العمد منه إلى القتل الخطأ. 

وهذا النوع من القتل رتب عليه الشارع في أحكامه القطعية المتفق عليها بين مدارس الأمة جميعا أحكاما جازمة ورد بها القرآن الكريم والسنة المطهرة، ولا مجال فيها للتلاعب والاحتيال، فالله تعالى أوجب على من وقع في هذه الخطيئة الكبيرة ديّة مغلّظة، فقال: ّوَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُواّ (النساء: 92)

وقد بينت السنة المطهرة الطريقة التي يُنفذ بها هذا الحكم، فقد ورد في الحديث الصحيح في كتاب النبي صلى اللهُ عليه وسَلَّم لأهل اليمن: (وَأَنَّ فِي النَّفْسِ مائَةً مِنَ الإِبِلِ) (مالك في الموطإ: (5/ 253)، وغيره)

وإذا أردنا أن نحسب مبلغ الدية بحسب هذا الحديث، فهي لا تقل عن 10 ملايين دينار جزائري، أو مليار سنتيم.. وهي -باتفاق الفقهاء- حقّ لورثة القتيل يتقاسمونه بينهم بحسب أنصبتهم من الميراث.

قد يقول البعض: إن هذا مبلغٌ ضخم.. ولا يطيقه أكثر الناس.. 

ونحن نسلِّم بذلك.. ولا نجادل فيه، ولكنا كذلك نعتقد أن النفس الإنسانية أعظم حرمة من أن يكون هذا المبلغ -مهما عظُم- أعظم منها، ولعل الشرع لم يقصد من تعظيم الديّة إلا بيان خطر قتل النفس حتى لو كان ذلك عن طريق الخطأ.

هناك فرقٌ بين أن تبقى الدية دينا في ذمة القاتل، يدفع منها كل شهر بحسب ما أطاق، وبين أن نرفعها عن رقبته في مجلس واحد من مجالس الزور والاحتيال، ليعود القاتل بعدها كيوم ولدته أمه، ليبحث عن ضحية جديدة.

فصاحب السيارة أو الشاحنة الذي يعتقد أنه لو دهس أي إنسان يحتاج إلى دفع كل هذه الدية، وأنه إن لم يفعل ذلك فستبقى في ذمته إلى يوم القيامة، فإنه سيتخذ كل احتياطاته في السياقة، ويستعمل كل الوسائل التي تحول بينه وبين الوقوع في هذه الجريمة.. لكنه إن علم أن المشكلة بسيطة، وأن الأعراف عرفت كيف تحتال على الشريعة، فتحوّل من المليار بضعة ملايين لا تسمن ولا تغني من جوع، فإنه لن يشعر لا بالإثم، ولا بالتقصير، ولن تكون تلك الملايين رادعا له عن التهوّر في السياقة، وفي قتل الناس.

وإذا أردنا أن نعرف السبب الحقيقي لذلك، فإنا نجد أن لتلك المجالس النصيب الأوفر من المسؤولية، فهي تقام معظمها في المساجد، وذلك ما يعطيها مشروعية دينية.

وتضاف إليها مشروعية اجتماعية؛ إذ يتربع الإمام وأمامه الأعيان والوجهاء، ثم يقرروا من عند أنفسهم وبأهوائهم أن الدية الشرعية -بسبب غلائها الشديد- تحوّلت إلى مبالغ زهيدة يطيق القاتل وعائلته دفعها.. 

فإذا سألتهم عن دليل هذا، قالوا لك: جرت الأعراف بذلك.. ولست أدري هل تنسخ الأعراف النصوص القطعية؟.. وهل أصبحت تلك المجالس معصومة بحيث يحق لها أن تثبت ما تشاء من أحكام الله، وتنفي ما تشاء؟

لقد حصلت حادثة في عهد رسول الله صلى اللهُ عليه وسَلَّم حيث اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها، وما في بطنها، فقضى رسول الله صلى اللهُ عليه وسَلَّم بدية المرأة على عاقلتها. “البخاري: (3/ 423)، ومسلم: (2/ 802)”.

لقد كان بإمكان رسول الله صلى اللهُ عليه وسَلَّم، وهو المعصوم أن يخفف الدية، وأن يراعي أهلها، وخاصة أن ذلك في بداية الإسلام، وكانت الأحوال المادية لكثير من الناس شديدة قاسية، ومع ذلك لم يفعل.. لأنه يعلم أن الأمر لله، ولا يحلّ لأحد أن يقدم أمره على الله.. ولا هواه على دين الله.

لكن مجالس الصلح عندنا إذا ما أخبرتها بذلك، أجاب الإمام والأعيان بعموميات لا علاقة لها بالحكم الشرعي المرتبط بالمسألة.. يقرؤون عليك: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ) “الأنفال: 1”.. ويقرؤون: (لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ) “النساء: 114”.. ويقرؤون عليك بعض الأحاديث إن كانوا يحفظونها.

لكنهم ينسوا أن يقرؤوا عليك قوله صلى اللهُ عليه وسَلَّم في الحديث الصحيح المتفق عليه: (الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا حرم حلالاً أو أحل حرامًا، والمسلمون على شروطهم إلا شرطًا حرم حلالاً أو أحل حرامًا) “رواه أهل السنن إلا النسائي”.

فالحديث واضح.. وهو أن الصلح لا يمكنه أن يكون وسيلة للتلاعب بحقوق الناس، أو أكل أموال اليتامى..

ولذلك، إن أرادت هذه المجالس أن تقوم بالصلح على الطريقة الشرعية، فإن على الإمام ومعه الأعيان أن يذهبوا إلى كل واحد من ورثة القتيل، ويقولون له: إن نصيبك الشرعي الذي تستحقه من وراء دية القتيل هو كذا وكذا.. وإن شئتَ أن تسامح ببعض نصيبك.. فلك ذلك، وسيؤجرك الله عليه..

فإن قبل، فبها، وإن رفض، فله الحقّ في ذلك، ولا ينبغي أن يساء إليه بأي نوع من أنواع الإساءة، لأنه أخذ حقه الشرعي.

وإن كان الأولاد صغارا، فإنه لا يصح أن ينوب أحدٌ عنهم في القرار، لأن المال مالهم، وهم ورثته، ولهذا ينتظر من يريد الصلح إلى بلوغهم مبلغ الرجال، وحينها يطلب منهم ذلك.. ولا تبرأ ذمة القاتل إلا بذلك..

قد يقال: إن الكثير لا يطيق ذلك.. ونحن لا نكذّبهم في هذا.. ولكن هناك فرقاً بين أن تبقى الدية دينا في ذمة القاتل، يدفع منها كل شهر بحسب ما أطاق، وبين أن نرفعها عن رقبته في مجلس واحد من مجالس الزور والاحتيال، ليعود القاتل بعدها كيوم ولدته أمه، ليبحث عن ضحية جديدة.

وبعد هذا، فإن المشكلة الأخطر في هذه المجالس أنها تتعامل بسواسية مع جميع الناس، فإن رحت تجادلها في ذلك سردت عليك من النصوص ما يدل على أن الناس سواسية كأسنان المشط.. وهي لا تعلم أن هذه الأحكام تراعى فيها العدالة والقدرة ولا علاقة لها بمساواة الناس.. 

بل إن بعض الأغنياء يقتل بسيارته الفخمة التي اشتراها بمئات الملايين صبيا أو شيخا أو رب أسرة فقيرة.. فإذا ما ذهب إلى تلك المجالس لم تكلِّفه إلا بمبلغ أقل من قطع غيار سيارته.. وكأن قطع غيار السيارة أكثر حرمة من الإنسان..

بينما العائلة الفقيرة التي قُتل عائلها تظل تنتظر أجر الله في الآخرة بسبب مسامحتها لحقها في الدنيا.. وهي لا تعلم أصلا ما هو حقها الذي أعطاها الله في الدنيا، ولا تعلم أن أخذها لحقها في الدنيا لن يحول بينها وبين أخذ حقها في الآخرة.

نتمنى أن يراجع هؤلاء الأئمة والوجهاء نفوسهم، ويعودوا إلى تحكيم كتاب الله في المساجد قبل أن يدعو إلى تحكيمه في غيره من المحال، وأن لا يكونوا من الذين يشرِّعون أكل أموال اليتامى بالباطل، وألا يكونوا مثل بني إسرائيل يأخذون ببعض الكتاب ويتركون بعضه.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
3
  • ali aisa

    تابع اذا ان دور جماعة الصلح ويكفيها فخرا انك نسبت لها هذا العنوان تجمع الناس اهل المعتدي والمعتدي عليه خاصة في حوادث الاعتداءات والشجارات حتى لا تتطور الامور الى الانتقامات وترضية لخواطرهم ولجمع شملهم لا غير يقوم هؤلاء الذين تعلموا في مدرسة الحياة والفقه والقانون ولا يحتاجون الى من يعلمهم الدروس من جديد فكفانا تهجما وكفانا استصغارا واحتقارا وما هكذا تورد الابل

  • ali aisa

    بسم الله والحمد لله والله اننا نستغرب من كل هب ودب ينتقد ويكسر ويحطم بدل ان يبني ويثمن ثم يصحح اذ انه من خلال العنوان فزعت وتملكني الخوف مع الذهول مجالس الصلح والاحتيال على الشريعة فاي احتيال سا سي دكتور والناس لا يشرعون ولا يفتون ولا يتكلمون لا باسم الشريعة ولا باسم القانون وانما هم اعيان رجال بسطاء وجهاء يهرع اليهم وقت الشدائد لترقيع ما يمكن ترقيعه واصلاح ما يمكن اصلاحه تاركين كل الذي تكلمت عنه للقانون للجهات المختصة تتكفل به عبر بارام قانوني رعيت فيه ظروف عديدة ويتم التعويض عن طريق الظمان يتب

  • ali aisa

    بسم الله والحمد لله والله اننا نستغرب من كل هب ودب ينتقد ويكسر ويحطم بدل ان يبني ويثمن ثم يصحح اذ انه من خلال العنوان فزعت وتملكني الخوف مع الذهول مجالس الصلح والاحتيال على الشريعة فاي احتيال سا سي دكتور والناس لا يشرعون ولا يفتون ولا يتكلمون لا باسم الشريعة ولا باسم القانون وانما هم اعيان رجال بسطاء وجهاء يهرع اليهم وقت الشدائد لترقيع ما يمكن ترقيعه واصلاح ما يمكن اصلاحه تاركين كل الذي تكلمت عنه للقانون للجهات المختصة تتكفل به عبر بارام قانوني رعيت فيه ظروف عديدة ويتم التعويض عن طريق الظمان يت