مجانين… برتبة عباقرة ومفكرين!
عندما يذكر اسم مستشفى “دريد حسين” ترتعد فرائس الغالبية بل هناك من يخشون حتى المرور بمحاذاته أو الاقتراب منه فالبعض يتخيله صورة للمستشفيات التي يرونها في الأفلام والمسلسلات الغربية، حيث يتم تكبيل المرضى بالحديد ويخضعونهم لجلسات علاج بالكهرباء.
غير أن ما رأيناه صورة أخرى مغايرة عن التي كانت سائدة من قبل. “الشروق” دخلت أشهر مستشفى للأمراض العقلية وقضت يوما كاملا في التجول بين مصالحه والتحدث إلى المرضى والأطباء وموظفيه لنقربكم أكثر من عالم الطب العقلي هذا العلاج المحاط بغموض شديد.
أول ما يشد انتباهك وأنت تدخل مستشفى الأمراض العقلية “دريد حسين” الهدوء التام المخيم على المكان ولا يخترق هذا الصمت المطبق سوى زقزقة العصافير وخضرة وغابة أشجار تصادفك حيثما وليت نظرك، حتى إنك تشعر براحة كبيرة فتتجدد نفسيتك وتتخلص من جميع الطاقات السلبية وهو ما يساعد المرضى بالأخص الذين صادفنا البعض منهم جالسين على الكراسي يتأملون ويمعنون التركيز على الاسترخاء والاستراحة.
وجهتنا الأولى كانت وحد فرانس فانون العلوي، وهو القسم المخصص للرجال ويجاورها عيادة لطب الأسنان، وكان يرافقنا في هذه الرحلة الإطار شبه طبي “فليح محمد”، عندما دخلنا المصلحة كان المرضى يتجولون بحرية تامة لا أحد منهم في سريره الجميع في حراك فمنهم من يصول ويجول في الرواق، وهناك من فضل الجلوس في الفناء بينما اختار البعض منهم الجلوس أمام التلفاز حتى يطلع عما يدور حوله.
نحرم المرضى من أحزمة السراويل وشفرات الحلاقة خوفا من انتحارهم
وعن يوميات شبه الطبيين في المستشفى يقول فليح محمد، العمل في مستشفى الأمراض العقلية صعب جدا فهو يتم على ثلاث مراحل للعلاج، المرافقة والعلاج العقلي التربوي فالمرضى العاديون يقدم لهم الممرضون الدواء ويغادرون بينما المرضى عقليا علينا التأكد من تناولهم الدواء فبعضهم يخفيه تحت لسانه ثم يتخلص منه برميه، وهناك حالات يعاني أصحابها من اكتئاب فعند وضع العلاج الممزوج بالمصل يجب على الممرض ملازمتهم تفاديا للانتحار.
فمن خلال عملي في المصلحة شاهدت عدة محاولات انتحار بعضهم حاول قطع أوصاله وآخرون شنق أنفسهم بملابسهم لذا نمنع ارتداء حزام السروال “السبتة” وشفرات الحلاقة، لذا يزورهم حلاق مرتين في الأسبوع يومي الأحد والثلاثاء.
وأضاف محدثنا العلاج العقلي يتطلب اليقظة والحذر فالمريض يفقد جهازه المعرفي فعلينا إعادة تعويدهم على عدم التدخين في الغرف، أو رمي الطعام وغيرها من الأمور، والتعامل مع هذه الحالات يتطلب وقتا وجهدا كبيرا. واستطرد الإطار شبه الطبي: “الوالدان شطر أساسي في العلاج، فبعض الأمراض العقلية ترتبط منذ الحمل والولادة لذا حضور الوالدين ضروري في كل جلسة أسبوعية، وأحيانا يكون المريض يتناول المخدرات وأولياؤه لا يعرفون الأمر فيأتي شقيقه مثلا ليطلع المعالجين، فمعظم متناولي المخدرات يعانون من حالات “الذهان” والتي يطلق عليها في العامية “الخطفة”.
ونحن نتحدث مع الإطار شبه الطبي لم يتوقف قدم أحد المرضى أكثر من 10 مرات، ليطلب منا إجراء حديث معه وتصويره فيما كان يتردد آخر باستمرار ليطالبه بمنحه سيجارة.
مرضى يرددون الحكم ويتحدثون اللغات
واصلنا جولتنا في المصلحة حيث كانت جميع الأسرة شاغرة وأصحابها يتجولون بكل حرية، دخلنا قاعة حيث الطاولات والكراسي ونصبت شاشة كبيرة جلس بجوارها شاب في العشرينات من العمر، يتابع إحدى القنوات التلفزيونية باهتمام كبير بينما جلس إلينا بعض المرضى وراح كل واحد منا يخبرنا قصته.
يقول ” ز،مصطفى” الموجود بالمستشفى منذ شهرين، إن وضعيته الصحية بدأت تتحسن مقارنة بما كانت عليه مفضلا الحديث باللغة العربية الفصحى التي يتقنها ولا يحبذ لغة سواها، ليكمل حديثه بسرد تاريخ الأمراض العقلية وطرق علاجها والمعتقدات القديمة السائدة حتى يخيل للمتحدث إليه أنه يتكلم إلى خبير في هذه الأمراض.
أما “س،ق” 59 سنة من الشراقة موجود في المستشفى منذ 21 يوما يعمل موظفا، وسبق له أن خضع للعلاج في المستشفى ثلاث مرات، حيث كانت السابقة قبل 10 سنوات غير أن هذه المرة مختلفة جدا على حد قوله، فالأجواء نظيفة جدا والدواء يتم تقديمه وفق المواعيد والطعام جيد زيادة على الفواكه، وأكمل محدثنا عندما قدمت إلى هنا كنت في غيبوبة خلال اليومين الأولين وبعد خضوعي لفحوصات طبية شاملة تحسنت وعائلتي تزورني باستمرار كما أن الأطباء يتواصلون معهم دوما.
في حين فضل “ب، سعيد” وهو في المستشفى منذ شهر و5 أيام، ومتأثر كثيرا بفترة ما قبل الإسلام وظهور الإسلام ففضل اختصار حديثه في مقولة “تخاصمت مع عالم فهزمته وتخاصمت مع جاهل فهزمني”.
عبقري يتحدث أربعة لغات داخل مستشفى المجانين
أما الظاهرة التي شدت انتباهنا منذ دخولنا القاعة فهي الشاب الذي كان يتابع الأخبار الذي جاء طواعية ليأخذ مقعدا ويتحدث إلينا ف “ز، سمير” كيميائي، أبهرنا بتحدثه بـ4 لغات الفرنسية، الإنجليزية، العربية، والأمازيغية ومع أنه في المستشفى منذ الخميس الماضي، فقط إلا أن حالته تحسنت كثيرا فراح يتحدث إلينا ويخبرنا عن المادة والمحيط والفلسفة والعلوم وغيرها والبيئة وغيرها من الأمور العلمية والنفسية المعقدة التي تتطلب تخصصا وقد كشفت عن ثقافة المتحدث وقدرته على التأثير. وأخبرنا العاملون في المستشفى أن هذا الشاب المثقف كان في وسط أسرته منعزلا عن العالم الخارجي وعندما وصل كان عنيفا وتسبب في فوضى غير أنه الآن هادئ جدا.
الدكتورة دحان: الأولياء شطر هام في العلاج العقلي
كشفت المختصة في الأمراض العقلية والأستاذة المساعدة الدكتورة دحان، أن المستشفى يستقبل حالات المصابين بالأمراض العقلية الخطيرة حيث يتم إخضاعهم للعلاج تحت إشراف الأطباء والممرضين وهم ليسوا عنيفين مثلما هو سائد، مشيرة إلى التقدم الكبير في الأمراض العقلية والوعي، حيث أصبح الأولياء يدركون وجود تخصص مرض عقلي ويتوجهون إليه وهناك عيادات ومصالح مختصة وحتى الأولياء ازداد إدراكهم وهم شطر مهم في العلاج، لذا يستقبلهم الأطباء في جلسات خاصة أسبوعية ليشرحوا لهم مرض أبناهم وسبل التعامل معهم وكيفية اقتناء الدواء وجميع السبل لتقديم المساعدة للمريض.
الدكتورة سايح: انتشار أفكار “السحر” و”الرقية” صعب علاج بعض الحالات
وجهتنا الأخرى كانت وحدة “لفقير” تزامن تواجدنا مع عودة بعض الحالات التي تغادر لقضاء نهاية الأسبوع مع عائلتها لتعود يوم الأحد، وهذه المرة كانت ترافقنا الدكتورة سايح، والتي أوضحت لنا أن الوحدة تحتوي على 34 سريرا وتستقبل مرضى من سن 18 عاما فما فوق وغالبيتهم يعانون من أمراض مزمنة كانفصام الشخصية والأشخاص الذين لا تستقر حالتهم النفسية وهو ما يتطلب دخولهم للمستشفى للعلاج.
وواصلت المختصة هؤلاء المرضى أحيانا يكونون هادئين جدا ثم ينقلب وضعهم مرة دفعة واحدة فأحد المرضى صبيحة اليوم كنا بصدد نقله لإجراء تصوير إشعاعي “إيارام”، فانتابته حالة هيجان ورفض حاولنا إقناعه فازداد عنفا لذا تركناه وأردفت المختصة العنف هو السمة الغالبة في سلوكهم فبعضهم يشهر السلاح في وجه أهاليهم.
وتقول المختصة سايح الطبيبة أحيانا تلجأ لطلب المساعدة من الأعوان فهم بوسعهم مساعدتها ولا يمكن للأطباء العمل بدون فريق متكامل مكون من ممرضين وأعوان مراقبة وحذرت المختصة من انتشار بعض الأفكار في المجتمع ممثل “السحر” و”الرقية”، والتي تتسبب في تفاقم وضعية المرضى حيث يكون الطب العقلي آخر مرحلة يلجئون إليها. وذكرت المتحدثة النقص الكبير في الإمكانات، فبعد خروج المريض من المستشفى يجد نفسه أمام العوامل التي تسببت في مرضه مع نقص في الرعاية والتكفل من قبل العائلة والمجتمع وهو ما يؤدي لإصابة العديد من الحالات بانتكاسة.
ويقول مسئول الأمن الداخلي يوسف بن عيسى، غالبية الحالات عندما تصل إلينا تكون في حالة هيجان وغضب، فكم من مرة تعرضنا لاعتداءات وتحطيم، ومع مرور الوقت يندمجون خاصة وأن الأجواء والمحيط جديد بالنسبة إليهم فيبيتون بعيدا عن ديارهم وعائلاتهم وفي البداية يمنع على الأولياء زيارتهم إلا بعد مرور أسبوع أو 10 أيام، حتى يكون بمقدور المريض تقبل أسرته ليسمح لهم بالزيارة .
ممرض : الدواء متوفر لكننا نواجه صعوبة في الأفكار السائدة
يرى الممرض بن يحي عبد الحق، أن الصعوبات لا تكمن مع المرضى بحد أنفسهم بل مع أوليائهم، حيث يشترطون عليهم ملابس لائقة والأحذية ويحاولون فرضها على المرضى لكونهم لا يعلمون أن المريض العقلي يجب تركه على حريته ومراقبتهم فقط دون إجبارهم أو إرغامهم على شيء، وفي حالة الغضب يجب احتواؤه حسب الحالة والقواعد فقط، ويتحكم الممرض في قلقه وقلق المريض، مشيرا إلى الصعوبة التي تكمن اليوم في الأفكار، فالدواء متوفر لكن بعض الأفكار السائدة ك “السحر ” و”الرقية ” هي التي صعبت المهمة.
مدير المستشفى: لا بد من توفير أسرة بالمستشفيات العادية لعلاج المختلين
أوضح مدير مستشفى الجامعي للأمراض العقلية دريد حسين بالقبة “س،براهمية”، عن وجود حالات لمرضى عقليين كان من الممكن شفائهم لو توجهوا مباشرة للطب العقلي لكن غالبيتهم يتجهون للرقية حتى تتفاقم الحالة، معترفا أن الأمراض العقلية متعبة جدا وهناك نقص في الممرضين خصوصا النساء اللواتي يخشين العمل في هذا المجال.
وأردف المدير بعض العائلات تسعى للتخلص من مرضاها بوضعهم في المستشفى متناسين أنه خاص بالعلاج فقط وعلى المريض المغادرة بعد الفترة التي يحددها الطبيب المشرف، وكشف المتحدث عن وجود ضغط كبير على المستشفى حيث يستقبل في الشهر الواحد أزيد من 1729 فحص خارجي هناك مرضى لديهم مواعيد طبية والحالات المستجدة ما بين 70 و80 حالة، والمشكل في الطب العقلي يكمن في غياب مصلحة استعجالات وهناك مستشفيين وحيدين في العاصمة بالشراقة والقبة.
ولأن العلاج يتطلب فترة طويلة مما يجعل الأماكن الشاغرة تتراوح بين 2 و3 أسرة في الأسبوع، ليكمل المتحدث حالات الإصابة بالأمراض العقلية عند الرجال أكثر من النساء فوفق آخر الإحصائيات في جويلية 2016 عدد الرجال الذين خضعوا للفحوصات الخارجية 1078 حالة والحالات المستجدة 25 حالة، أما النساء فـ 507 حالة خضعت لفحوصات خارجية وفقا للمواعيد والمستجدة 9 حالات.